في بداية عهد يلتسين كانت روسيا تعيش حالة أشبه بالفوضى، وكانت القوانين الجنائية شبه معطلة، وخاصة تجاه رجال الأعمال وعصابات المافيا، أما بالنسبة لباقي الشعب فكان ينقسم لثلاث فئات، الأولى فئة تسعى للثراء بأي شكل وبأية أساليب.

والثانية فئة ذات طموحات وإمكانيات محدودة تعترض وتهاجم وتنتقد الأوضاع في انتظار دورها في الثراء، وفئة ثالثة تعيش على هامش هذا المجتمع من كبار السن ومدمني الخمر والمرضى، وهؤلاء في روسيا عددهم كبير يفوق الثلاثين مليون نسمة، ويمكن وصفهم بالمراقبين لما يحدث على الساحة دون التفاعل معها، رغم أنهم أكثر الضحايا في هذه المأساة .

نادرا ما نجد في روسيا رجل أعمال كبير أو صغير ليس له صلة بعالم الجريمة وعصابات المافيا، وإذا كان اليهودي بيرزوفسكي عالم الرياضيات و البروفيسور الأكاديمي ارتبط اسمه بشكل كبير بعالم الجريمة وبأكبر عصابات المافيا الروسية، فما بالك برجال الأعمال الذين كانوا من قبل مجرمين في زمن الاتحاد السوفييتي.

وقضوا سنوات من عمرهم في السجون السوفييتية، ثم أصبحوا في عهد يلتسين رجال أعمال يحترمهم الجميع حتى الوزراء وكبار رجال الدولة، رغم أنهم لم يتوبوا ولم يتركوا عالم الجريمة، بل على العكس طوروا أساليبهم في الجريمة لتتفق مع متطلبات العصر .

من هؤلاء المجرمين الخطرين سابقا شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره اسمه «جيرمان ستيريلجوف»، كانوا يعتبرونه عام 1992 من أغنى أغنياء روسيا ومن أشهرهم في عالم الجريمة، أسس جيرمان في مارس عام 1992 شركة أطلق عليها اسم الكلب المدلل لديه «آليسا»، وكان مقرها في الطابق السفلي من إحدى العمارات في موسكو.

وكان يقف على أبوابها حراسة أمنية مشددة من شباب يحملون أسلحة نارية، شركة آليسا هذه كانت تعمل في مجالات مختلفة كلها غير قانونية ولكن تدار بشكل شبه قانوني، فمثلا تعمل في مجال التهريب تحت مسمي التصدير والاستيراد، وتعمل في مجال القتل والاغتيالات تحت ستار الحماية الأمنية.

حيث يعمل في هذه الشركة نحوستين شخصا مدربين على أعمال القتل والدفاع عن النفس، منهم من كان يعمل في جهاز المخابرات السوفيتية كي جي بي، ومنهم من شارك في حرب فيتنام، ومنهم من دخل السجن في جرائم قتل وغيرها مثل صاحب الشركة جيرمان.

الغريب في الأمر هو أن جيرمان هذا هو ابن أخ الجنرال ألكسندر ستريلجوف أحد أشهر قادة جهاز المخابرات كي جي بي، وهو الذي ساعده في تأسيس شركة «آليسا» وعرفه على رجل الأعمال الروسي الشهير أرتيوم تاراسوف الذي كان عضوا في البرلمان الروسي .

وكان له علاقات عمل كبيرة مع الملياردير الأميركي مارك ريتش، وقد ساعد تاراسوف شركة آليسا و صاحبها جيرمان ودعمه ماديا في البداية، حيث توسط له لدى بنك «ستوليتشني» الذي يملكه الملياردير اليهودي سمولينسكي وتساهم فيه الحكومة الروسية، وقد اشتري بيرزوفسكي 25%من أسهم هذا البنك فيما بعد.

وحصل جيرمان على قرض بقيمة ثلاثة ملايين دولار من البنك لتسيير أعمال شركة آليسا الغامضة، والتي اتضح فيما بعد أنها كانت تقوم بعمليات قتل واغتيالات لحساب رجال أعمال روس، كما كانت تقوم بتهريب الذهب والماس والسلاح من روسيا، وتقوم أيضا بتهريب المواد الاستراتيجية التي تستخدم في الصناعات النووية.

وقد اعترف جيرمان نفسه في تصريحات له لأحد الصحفيين بأنه باع لأحد الإيرانيين معدات ومواد تستخدم في الصناعات النووية، ولم يحدد نوعية هذه المواد ولا هوية الشخص الذي باع له، أسس جيرمان نادياً في موسكو تحت اسم «نادي المليونيرات»، اسم النادي يثير استفزاز وغضب المواطنين الذين كانوا منذ ثلاثة أعوام فقط في ظل الشيوعية لا يوجد بينهم أغنياء أو فقراء في مجتمع لا يعرف الطبقات.

وكان جيرمان يفتخر أمام الصحافيين بأنه مليونير وأنه لايعرف مقدار ثروته الموزعة في عدة دول مثل باناما و بعض الجزر البريطانية، كانت معظم أموال وثروات رجال الأعمال الروس توجه إلى الدول والجزر النائية حيث البنوك هناك مشهورة بعمليات غسيل الأموال.

لم تقرر السلطات الروسية اتخاذ أية إجراءات قانونية ضد المليونير جيرمان رغم تصريحاته الخطيرة التي تتعلق بأمن الدولة، فقط في نهاية عام 1993 أفاقت سلطات الأمن الروسية بعد أن أغلقت سلطات الأمن الأميركية مكتب شركة «آليسا» في نيويورك بتهمة التهريب وغسيل الأموال، واختفى جيرمان من روسيا، ولا يعرف أحد أين ذهب هو و «آليسا».

* لادا لا منافس

وضع رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي يده على شركة السيارات الروسية العملاقة «أفتاباز» التي تنتج السيارات «لادا، ونيفا»، وأسس مع «أفتاباز» شركته الخاصة «لوجاباز»، كما أسس في مدينة نوران السويسرية شركة تحت اسم «فوروس» بالإشتراك مع المجموعة المالية السويسرية «أندريه ساي»، وكانت «فوروس» تتولى التمويلات المالية لأنشطة بيرزوفسكي في روسيا، كما تتولى عمليات التسويق الخارجي.

وكانت الغطاء القانوني لبيرزوفسكي أمام القانون الروسي الذي كان يعطي الإعفاءات الضريبية وحق إخراج الأموال خارج روسيا لأي شركة روسية يساهم فيها رأسمال أجنبي، رغم أن «فوروس» كانت شركة صورية تخضع تماماً لبيرزوفسكي، واشتراك «أندريه ساي» السويسرية فيها فقط على الورق وليس على أرض الواقع.

كان بيرزوفسكي يحتكر وحده توزيع سيارات لادا ونيفا داخل روسيا وخارجها، وكانت السيارة لادا هي الأولى في روسيا ومازالت، ولا تستطيع أي سيارة أجنبية منافستها نظرا للفارق الكبير في الأسعار ولتوافر قطع غيارها في روسيا، وكانت شركة «أفتاباز» تبيع السيارة لادا لشركة بيرزوفسكي مقابل 3500 دولار، بينما سعرها في داخل السوق الروسية كان قد وصل إلى 7000 دولار، أي الضعف.

ولم يكن أحد يستطيع الحصول على السيارة من الشركة الحكومية مباشرة، فقد كان لبيرزوفسكي وحده حق تسويق إنتاج شركة «أفتاباز» من السيارات وقطع الغيار، وبلغت جملة مبيعات الشركة عن طريق بيرزوفسكي وشركاته في عام 1995 نحو 45 ألف سيارة سنويا تحقق ربحا لبيرزوفسكي نحو 300 مليون دولار سنويا.

ورغم هذه الأرباح الكبيرة التي كان يحققها رجل الأعمال بيرزوفسكي، إلا أن أحدا من شركة «أفتاباز» الحكومية أو من أجهزة الدولة لم يفتح فمه ليقول أو يسأل : لماذا تعطي الحكومة لهذا الرجل حق احتكار توزيع إنتاج الشركة الحكومية ليبيع السيارة بضعف ثمنها ويحتفظ به لنفسه، ولماذا لا تبيع الحكومة نفسها السيارات في السوق وتحصل على هذا الفارق الهائل في الأسعار؟

مثل هذا السؤال لم يكن هناك من يستطيع طرحه، فقد اشترى بيرزوفسكي بأمواله كبار موظفي الدولة القائمين على هذه الشركة، وكيف لا، إذا كان راتب الوزير في روسيا آنذاك لا يتعدي خمسمئة دولار في الشهر، ولا يضمن بقاءه في منصبه للعام المقبل، فهل يرفض رشوة من بيرزوفسكي قد تعادل راتبه لمدة خمسين عاما على الأقل، بالطبع لا.

وكانت حجة موظفي الدولة المتعاملين مع بيرزوفسكي هي أنه وفر للشركة التمويل الأجنبي لتطوير إنتاجها وزيادته وهو ما لا تستطيع الدولة أن تفعله من خزانتها الخاوية، رغم أن هذا الأمر غير صحيح، وثبت أن بيرزوفسكي لم يدفع من ماله شيئا لشركة «أفتاباز»، كل ما هنالك أنه أدار لها عملية التسويق في السوق السوداء.

من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها حكومة جيدار الأولى في عهد يلتسين أنها بدأت مبكراً في رفع يد الدولة عن التجارة الخارجية، الأمر الذي استفاد منه بسرعة المهربون وتجار السوق السوداء ورجال العصابات، ورجال الأعمال الجدد أمثال بيرزوفسكي ورفاقه، ومن الصعب القول ان رئيس الوزراء جيدار.

ومعاونيه من الشباب الإصلاحيين الجدد أمثال تشوبايس الرهيب مهندس برنامج الخصخصة وبيتر أفين اليهودي الشاب كانت ورائهم جهات أو أشخاص تخطط لهم لتدمير الاقتصاد الروسي أم لا، ولكن في نفس الوقت من الصعب التغاضي عن علاقاتهم الخاصة برجال الأعمال الجدد وخاصة اليهود منهم أمثال بيرزوفسكي وسمولينسكي وجوسنيسكي .

وغيرهم والذين كان لهم ارتباطات وثيقة بعالم المافيا والجريمة في روسيا، ولو نظرنا إلى تطبيقات برنامج حكومة جيدار لوجدنا تناقضات تدعونا بجدية للشك في حسن نية الحكومة وفي أنها تعمل لصالح الوطن وليس لصالح جهات معينة، ومثال واضح على ذلك أن الحكومة رفعت أسعار كل السلع الغذائية والاستهلاكية إلى مئات أضعافها مثل الخبز والحليب والبيض والأرز واللحوم وغيرها.

بينما أبقت أسعار السلع والمنتجات الاستراتيجية مثل النفط والغاز والفحم والألمنيوم والأخشاب والمعادن كما هي، الأمر الذي لا يخدم الشعب الروسي ولكن يخدم القائمين على الاستيراد والتصدير من رجال الأعمال الجدد، فهم يحصلون على المنتجات الروسية الاستراتيجية بأرخص الأسعار ويصدرونها للبيع في الخارج بأعلى الأسعار.

وفي نفس الوقت يستوردون السلع الغذائية من الخارج بأسعار رخيصة أو معتدلة ليبيعوها للمواطن الروسي بأضعاف سعرها، وهكذا يحققون فوائد من الجهتين الاستيراد والتصدير، أما الدولة فلا يعود إليها شئ سوى أن كبار موظفيها الذين يتعاملون مع رجال الأعمال الروس يزدادون ثراء يوما بعد يوم .

لقد اعترف رئيس الوزراء جيدار بأخطائه بعد ذلك، بعد فوات الأوان، حيث قال بعد خروجه من الوزارة انه كان يجب تحرير أسعار السلع كلها في مواقع إنتاجها وليس في السوق وخاصة السلع الاستراتيجية.

؟ رفع يد الدولة

رغم أن الجميع أقروا بأن حكومة جيدار كانت تسير في الاتجاه الخطأ وباعتراف جيدار نفسه، إلا أن السياسة لم تتغير والأخطاء لم تتوقف، فقد أصدر الرئيس يلتسين قرارا خطيرا في نهاية عام 1993 يقضي برفع يد الدولة عن التجارة الخارجية بدرجة عالية.

وقد جاء هذا القرار تحت ضغط من صندوق النقد الدولي ليترك أسوأ الأثر على الاقتصاد الروسي، ولم يأت عام 1994 حتى تحررت التجارة الخارجية لروسيا من سلطة الدولة بنسبة 50% لتقع في يد رجال الأعمال الجدد وعصابات المافيا.

رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي كان من أكثر المستفيدين بقرار تحرير التجارة الخارجية، فقد قامت شركته «لوجاباز» في بداية عام 1994 بتصدير 236 ألف طن من النفط الروسي لشركات في سويسرا والولايات المتحدة، وقامت أيضا بتصدير 840 ألف طن من الألمنيوم لشركة في المجر، وكانت قيمة الصفقتان معا نحو مليار دولار.

وزاد اهتمام بيرزوفسكي بالنفط أكثر من غيره من السلع، فأسس شركته الأولى «سمارا نفتجاز» بالاشتراك مع شركة «جي ان كى» الأميركية في أوكلاهوما، وحاول بيرزوفسكي الحصول على قرض بقيمة 60 مليون دولار من «أكسيمبنك» الأميركي، لكن البنك رفض بسبب السمعة السيئة لأنشطة بيرزوفسكي داخل روسيا وخارجها.

مع زيادة نشاط شركة بيرزوفسكي «سمارانفتجاز» قرر الرئيس يلتسين ضم هذه الشركة إلى مجموعة يوكوس المالية المسؤولة عن النفط والغاز في روسيا، ورحب بيرزوفسكي بهذا القرار الذي يعطي نشاطه شكلا أكثر رسمية، ويساعده على تحسين سمعته لدى المؤسسات المالية المقرضة داخل روسيا وخارجها، ولكن رؤوساء مجموعة يوكوس المالية لم يعجبهم انضمام بيرزوفسكي لهم.

وحاولوا أن يفرضوا سيطرتهم على شركته «سمارانفتجاز» وإزاحته منها، ودار صراع شديد بين الجانبين وصل إلى حد استخدام السلاح واستئجار القتلة المرتزقة من عصابات الجريمة في روسيا، الأمر الذي أسفر عن مصرع ثلاثة من قادة مجموعة يوكوس، وخرج بيرزوفسكي كالعادة سالما.

لعب رجال الأعمال الجدد في روسيا أمثال بيرزوفسكي وغيره دورا كبيرا في نشر الفساد والرشوة بين موظفي ومديري ورؤساء الشركات والمصانع الحكومية، وعلموهم كيفية إدارة هذه المؤسسات بأساليب الغش والتحايل على القوانين.

ومثال على ذلك رئيس أكبر شركة روسية لإنتاج وتصدير المعادن الثقيلة الذي كان يصدر الطن الواحد من هذه المعادن قبل انهيار الاتحاد السوفييتي مقابل 110 دولارات، وعندما أصبح بمقدوره أن يسلم إنتاجه للتصدير مباشرة عن طريق رجال الأعمال والوسطاء بعيدا عن رقابة الحكومة أخذ يبيع الطن الواحد مقابل 30 دولاراً فقط، وعندما سئل عن السبب قال بأن نوعية الإنتاج انخفض مستواها عن ذي قبل، وقدم شهادات من شركات أجنبية تفيد ذلك.

واتضح بعد ذلك أن رئيس الشركة الروسية أسس مع أحد رجال الأعمال الروس الجدد شركة في كندا، وأن ابنه هو رئيس هذه الشركة الجديدة التي تحتكر استيراد هذه المعادن بهذا السعر المنخفض وتبيعها في الأسواق بالسعر العالمي 110 دولارات للطن.

حسب المعطيات الرسمية في روسيا فإن جملة الأموال والثروات التي تم تهريبها من روسيا عامي 1992 و 1993 بلغت نحو 20 مليار دولار، وذهبت كلها لحسابات رجال الأعمال الجدد ورؤساء العصابات ومديري الشركات الروسية في البنوك الأجنبية في سويسرا ولوكسمبرج وإسرائيل والولايات المتحدة وجزر الكاريبي والنمسا.

؟اتفاقية غسيل الأموال

في ديسمبر عام 1992 عندما أثيرت قضية تهرب رجال الأعمال الروس من ضرائب التصدير، وعلى رأسهم بيرزوفسكي، لم يجد وزير العلاقات الاقتصادية الخارجية الروسي بيتر أفين الصديق الحميم لبيرزوفسكي ما يبرر به فشل الحكومة في تحصيل هذه الضرائب، وقرر أفين أن يقدم استقالته من الحكومة، وذهب على الفور ليعمل مع بيرزوفسكي في شركته «ألفا».

كان الاتحاد السوفيتي قد وقع في الثمانينات اتفاقية تجارية تضمنت بنودا تعفي الصادرات السوفيتية لقبرص من الضرائب، وكانت موسكو تستفيد من هذه الاتفاقية في عمليات غسيل أموال في البنوك القبرصية، وقد سخرت حكومة جيدار في عهد الرئيس يلتسين هذه الاتفاقية لخدمة رجال الأعمال الروس الجدد، والذين قاموا بدورهم بتأسيس شركات صغيرة مع شركات قبرصية لتهريب الأموال من روسيا.

وكان الجميع في الحكومة والبرلمان الروسي يعلمون أن قبرص هي المحطة الرئيسية لتهريب وغسيل الأموال في عهد يلتسين، ومع هذا لم يطالب أحد بإلغاء الاتفاقية مع قبرص، والتي كان يهرب عن طريقها نحو مليارين من الدولارات سنويا من روسيا.

يقول المحلل الاقتصادي الروسي «أوليج دافيدوف»: «أن رجال الأعمال الروس حققوا أرباحا طائلة من تهريب النفط الروسي بكميات كبيرة في عهد الرئيس يلتسين، ولو كانت الحكومة حصلت على نصف عائدات هذا النفط المهرب فقط لما حدثت هذه الأزمات الاقتصادية في روسيا، ولكنها كانت تحصل على أقل من نصف هذه العائدات بكثير».

في نهاية عام 1993 قررت الحكومة الروسية إلغاء تراخيص عدد من شركات تصدير النفط الخاصة، ومنها ترخيص شركة «لوجاباز» التي يمتلكها بيرزوفسكي، لكن رغم هذا لم يغادر بيرزوفسكي حقل تصدير النفط، بل زاد نشاطه فيه بشكل غير علني، حيث عقد عدة اتفاقات سرية مع رؤساء شركات النفط الحكومية في روسيا، ليحصل منهم على كميات أكبر وبأسعار أقل.

وكأن قرار سحب الترخيص من شركته صدر عمدا لصالحه وليس ضده، وكان رؤساء الشركات الحكومية مضطرين للتعامل مع بيرزوفسكي إما تحت تأثير الرشاوي والهدايا الثمينة، وإما تحت تأثير التهديد بالقتل، وقد وقع بالفعل في نهاية عام 1993 وبداية عام 1994 ثلاث جرائم اغتيال راح ضحيتها ثلاثة من كبار مديري شركات النفط الحكومية الروسية.

في 14 ديسمبر 1992 أصدر الرئيس يلتسين قراره بعزل إيغور جيدار من منصب رئيس الوزراء وتعيين فيكتور تشيرنوميردين بدلا منه، ورغم خبرة تشيرنوميردين الاقتصادية.

وعمله السابق كوزير لصناعات الغاز وعضويته لسنوات طويلة في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، ورغم ترحيب الشيوعيين في البرلمان الروسي بتعيينه بدلا لجيدار، إلا أن شيئا لم يتغير في الأوضاع الاقتصادية داخل روسيا، على الرغم من أن تشيرنوميردين استعان في وزارته بخبراء اقتصاديين كبار ومعروفين في روسيا.

ولكن على ما يبدو أن وباء الفساد والرشاوى كان قد انتشر وتمكن من غالبية موظفي الحكومة في روسيا، الأمر الذي اضطر معه تشيرنوميردين بعد شهور قليلة من توليه رئاسة الحكومة إلى أن يعلن صعوبة الموقف، ويطالب الشعب الروسي بالتقشف وربط الأحزمة، في الوقت الذي كان الشعب فيه قد وصل لأسوأ الأحوال.

ولم يعد لديه حتى الأحزمة ليربطها، وحسب تقديرات المنظمات الدولية فإنه في عام 1994 اقترب مستوى معيشة أكثر من مائة مليون مواطن روسي من خط الفقر، وخاصة أساتذة الجامعات والعلماء والأطباء والمعلمين والمهندسين والزراعيين، وأيضا العسكريين وعمال المناجم ومختلف الفئات التي كانت تعيش فقط على رواتبها من الحكومة وليس لها مصادر دخل أخرى.

ولم يكن لدى الدولة أموال لدفع الرواتب الشهرية للملايين من العاملين في القطاعات الحكومية، لقد كانت مأساة كبرى في دولة كانت منذ عشر سنوات تعد الثالثة في النمو الاقتصادي بعد الولايات المتحدة واليابان، بينما في عام 1993 نجد روسيا التي ورثت أكثر من 80% من ثروات الاتحاد السوفييتي تأتي في مستوى النمو الاقتصادي بعد دول مثل إندونيسيا والبرازيل والمكسيك، وينخفض مستوى دخل الفرد فيها إلى أقل من مستواه في بيرو أفقر بلدان أميركا اللاتينية.

* مأساة شعب

لقد وقف المواطنون الروس بمختلف مستوياتهم الاجتماعية والعلمية على أرصفة الشوارع يبيعون ما يملكون في منازلهم من كتب وملابس وأثاث وتحف وغيرها، ووقف العسكريون الروس يبيعون النياشين وأوسمة البطولة والنجوم الحمراء التي كانت تمنح لهم في العهد البائد، وكانت الرواتب الشهرية تتأخر لأكثر من أربعة أشهر.

والعائلات لا تجد ما تطعم به أطفالها، لقد كانت مأساة حقيقية لم يعشها الشعب الروسي من قبل، ولا حتى في زمن الحرب العالمية، وارتفعت معدلات الوفيات بين الشعب الروسي في الأربع سنوات الأولى من حكم يلتسين بنسبة 53% بين الرجال و 27% بين النساء.

بعد أن كان الشعب الروسي يأتي في مقدمة الشعوب المعروفة بطول العمر، وحسب الإحصاءات الرسمية فإن عدد الوفيات في روسيا في السنوات من 1992 وحتى 1998 مليونا مواطن، أي أكثر ممن ماتوا في الحرب العالمية الأولى، والأسباب كثيرة منها الفقر والجوع والمرض والضغط النفساني .

وتدهور مستوى الخدمات الطبية ونقص الدواء و الغذاء الصحي، وانتشار الأغذية الفاسدة التي كان يستوردها التجار ورجال الأعمال بأرخص الأسعار، وانتشار الأمراض الفتاكة التي كان الاتحاد السوفييتي قد نجح في القضاء عليها تماما، مثل التيفوئيد والكوليرا والسل وخاصة داخل السجون الروسية التي كانت تضم بين جدرانها أكثر من مليون سجين.

انتشر في روسيا في عهد يلتسين مرض الإيدز الذي لم تسجل منه ولا حالة واحدة في الاتحاد السوفييتي حتى عام 1988، ولكن مع الانحلال الخلقي الذي ساد روسيا في التسعينات، وانتشار المخدرات وإدمان الخمور، وثورة التحرر الجنسي التي قادها الإصلاحيون الجدد، ورجال الأعمال وعصابات المافيا.

وجد مرض الإيدز في روسيا تربة خصبة للنمو والانتشار، فقد كانت روسيا في العهد السوفييتي شبه خالية تماما من الدعارة والملاهي الليلية، وكانت الأفلام السينمائية تكاد تخلو حتى من مشاهد القبلات، أما في عهد يلتسين فقد أصبح التحرر الجنسي مظهرا أساسيا من مظاهر التحرر والتطور واحترام الحريات الشخصية.

وأول من ساهم في هذا التحرر رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي الذي بادرت قناة التليفزيون الخاصة التي يملكها بعرض أفلام جنسية إباحية علنا وبدون أية قيود، وبالطبع لم يكن لدى الحكومة أية أموال لتنفقها على مواجهة انتشار مرض الإيدز.

واكتفت فقط بالصمت وعدم الإعلان عن عدد المصابين بالمرض، والذي بلغ حسب تقديرات بعض الأطباء الروس عدة ملايين، وأكد مسؤول كبير سابق في وزارة الصحة الروسية على أن عدد المصابين بالإيدز في روسيا عام 2005 سوف يصل إلى عشرة ملايين مواطن روسي غالبيتهم من الشباب.

أصبحت روسيا في عهد يلتسين من أكبر أسواق المخدرات في العالم، وقد كانت في زمن الاتحاد السوفييتي ضمن قائمة الدول الخالية تماما من المخدرات، هذا على الرغم من أن الاتحاد السوفييتي كان يحقق عائدا كبيرا من تجارة الترانزيت للمخدرات القادمة من آسيا والمتجهة إلى أوروبا وأمريكا، حيث كان يتولى هذه التجارة جهاز الاستخبارات السوفييتية كي جي بي بنفسه الذي كان يتعامل مع كافة عصابات المافيا في كل أنحاء العالم، ومنها مافيا المخدرات.

وكان يبيع لهم السلاح، وكان على كي جي بي أن يستقبل المخدرات القادمة من آسيا عبر أراضيه، ويضع على الصناديق أختام جمارك وفحصت على أنها بضائع عادية، لتأخذ طريقها بعد ذلك إلى أسواق أوروبا، ولم تكن الجمارك الأوروبية تعيد فتح الصناديق لثقتها التامة في الجمارك السوفييتية، ولعلمها بأن الاتحاد السوفييتي يخلو تماما من المخدرات.

وكان كي جي بي يحقق عائدات كبيرة من تجارة الترانزيت هذه، أما في عهد يلتسين وبعد انتشار الأعمال الحرة والنوادي والملاهي الليلية، أصبحت روسيا سوقا رائجة لتعاطي المخدرات، وبلغ عدد مدمني المخدرات عام 1997نحو خمسة ملايين مواطن روسي.

مع زيادة حدة الأزمات الاقتصادية في روسيا ومع انتشار البطالة والمخدرات وإدمان الخمور، ومع زيادة الضغط النفسي على الشعب الروسي وانهيار القيم والمبادئ ارتفعت نسبة الانتحار بشكل مخيف لم تشهده البلاد في تاريخها، فقد بلغ عدد المنتحرين في روسيا بين عامي 1992 و 1997 نحو 229 ألف حالة، وفي نفس الفترة مات 159 ألفا بسبب التسمم الكحولي، وبلغ عدد القتلي في جرائم وحوادث نحو170 ألفا، هذا بخلاف 67 ألفا اختفوا ولم يعثر عليهم بعد ذلك.

ما انخفض عدد المواليد في روسيا في عهد يلتسين بشكل كبير اعتبره الخبراء الديموجرافيين خطرا على مستقبل روسيا البلد الكبير الذي يشغل مساحة تعادل سدس اليابسة من الكرة الأرضية ،وتعاني مناطق شاسعة فيه من نقص في عدد السكان، وقد ارتفعت نسبة الإجهاض بين النساء الروس بشكل مخيف، ووصلت في عامي 1993,1992 إلى 3 ملايين عملية إجهاض، وبعض النساء كن يجرين العملية مرتين في العام الواحد.

وأسباب الإجهاض كثيرة منها الفقر والمرض والانحلال الأخلاقي وتفتت الأسرة، وانتشرت الدعارة في روسيا رغم تحريمها قانونيا، وظهرت عصابات مافيا تدير شبكات للدعارة تستغل فيها الفتيات الروسيات الفقيرات والعاطلات عن العمل، وتقوم بتسفيرهن للخارج، فامتلأت المدن الأوروبية وتركيا وإسرائيل بالفتيات الروسيات الرخيصات.

في عام 1992 كان عدد سكان روسيا 3، 148 مليون نسمة، وفي عام 1999 انخفض العدد إلى 5، 145 مليون نسمة، وانتشرت أيضا ظاهرة مأساوية في روسيا في عهد يلتسين، وهي ترك الأطفال المولودين الجدد في بيوت الولادة، ورفض الأمهات أخذ أطفالهن المولودين لعدم القدرة على الإنفاق عليهم، وقد بلغ عدد هؤلاء الأطفال في بيوت الولادة حتى عام 1997 نحو 113 ألف طفل بلا والدين.

وتتولي الدولة رعايتهم حتى سن السادسة ثم يتركون في الشوارع ليكونوا أجيالا جديدة من المجرمين والمتشردين، وارتبط بهذه الظاهرة ظاهرة أخرى أكثر خطورة وهي تجارة الأطفال، حيث ظهرت في روسيا عصابات مافيا تتاجر بالأطفال، وتقوم باختطافهم من بيوت الولادة حيث تركهم والديهم.

وتقوم بترحيلهم سرا خارج روسيا لبيعهم لعائلات بدون أطفال أو تبيعهم لجهات طبية مشبوهة تجرى عليهم التجارب أو تتاجر في أعضائهم الجسدية، وقد ضبط في روسيا عام 1996 عصابة تتاجر في الأطفال الروس وتشتريهم من بيوت الولادة أو من أمهاتهم، وبلغ سعر الطفل الروسي لدى هذه لعصابات نحو 3000 دولار.

وهو مبلغ كبير آنذاك للمواطن الروسي الفقير الغير قادر على إعالة أطفاله، وكانت الجهة المشترية تعد الوالدين عند شراء طفلهم بأنهم سوف يكون لهم حق رؤيته مرتين في العام ولكن بعد الستة أشهر الأولى من شرائه، ولكن هذا الوعد لم ينفذ، فقد اختفت الجهة المشترية قبل نهاية الستة أشهر واختفى معها أكثر من ثلاثمئة طفل روسي لم يعرف بعد مصيرهم.