تتناول هذه الحلقة المحاولة الانقلابية التي تعرض لها غورباتشوف في عام 1991، والدور الذي لعبه يلتسين في التصدّي لتلك المحاولة وإفشالها، والذي مهد له الطريق أمام تولي السلطة في روسيا بعيد انهيار الاتحاد السوفييتي. وتتحدث كذلك عن قيام غورباتشوف بتفكيك جهاز الاستخبارات السوفييتي كي جي بي.

الأمر الذي أدى إلى قيام أبرز الموظفين فيه بتقديم استقالاتهم والتوجه للعمل في القطاع الخاص، أي لدى رجال الأعمال الجدد من رؤساء عصابات المافيا والجريمة المنظمة الذين كانوا يتعاملون بصفقات مشبوهة وتعاملات في السوق السوداء درّت عليهم أرباحاً خيالية جعلتهم من أصحاب المليارات خلال فترة وجيزة للغاية.

لم يكن الاتحاد السوفييتي يتعامل في السوق السوداء العالمية مع الدول ولا مع المؤسسات الحكومية، بل كان يتعامل مع جهات وشخصيات مشبوهة وغير رسمية تقبل القيام بعمليات غسيل الأموال والتجارة في الممنوعات، ومن هذه الشخصيات رجل الأعمال الملياردير الأميركي مارك ريتش الذي هرب من أميركا عام 1983 بسبب العديد من التهم الموجهة إليه، وهو من أشهر تجار السوق السوداء العالمية للنفط، وكان يورد النفط لجنوب أفريقيا أثناء الحصار الدولي المفروض عليها.

وقد تعامل ريتش سنوات طويلة مع الاتحاد السوفييتي في السوق السوداء، وحقق أرباحا خيالية من تجارة النفط والمعادن السوفييتية، وبلغ حجم عملياته في السوق السوداء نحو 30 مليار دولار، وفي الوقت الذي كان الاتحاد السوفييتي فيه أول دول العالم في إنتاج الألمنيوم وكان الغرب يفرض حصارا شديدا على الألمنيوم السوفييتي في السوق العالمية، كان مارك ريتش يحتكر تسويق الألمنيوم السوفييتي الذي كان يشكل ثلث الإنتاج العالمي من ذلك المعدن.

وكان ريتش يبيع المنتجات السوفييتية في السوق السوداء بعشرة أضعاف السعر الذي يشتريها به من موسكو، وهذا الأسلوب الذي اتبعه مارك ريتش الأميركي مع الاتحاد السوفييتي في السبعينات والثمانينات هو نفس الأسلوب الذي اتبعه رجال الأعمال الروس الجدد في عهد يلتسين، وكونوا من ورائه ثروات خيالية في سنوات قليلة معدودة.

من أشهر السلع السوفييتية التي كانت مطلوبة في السوق السوداء العالمية النفط والسلاح والمعادن والأخشاب والماس والذهب، وفي بداية الثمانينات كان احتياطي الذهب السوفييتي نحو 1300 طن أي ما يعادل 30 مليار دولار، وفي السنوات الأولى من عهد غورباتشوف أصبح احتياطي الذهب الروسي قيمته 15 مليار دولار، ولم ينته عهد غورباتشوف حتى هبطت قيمة احتياطي الذهب السوفييتي إلى مليار واحد فقط من الدولارات في دولة تعد من أولي دول العالم في إنتاج الذهب.

وفي نهاية عهد غورباتشوف وجهت اتهامات للاتحاد السوفييتي ببيع السلاح إلى جهات مشبوهة ليست دولاً، بل مجموعات عصابات خارجة عن القانون ومافيا عالمية وجماعات إرهابية، ووجهت الاتهامات عام 1991 إلى الشركة السوفييتية (إيه. إن.تي) للتسويق الحربي، والتي كان يرأسها جنرال من جهاز المخابرات كي جي بي، وتسببت الفضيحة المتعلقة بنشاط هذه الشركة في السوق السوداء العالمية للسلاح في استقالة رئيس الوزراء السوفييتي نيكولاي ريجكوف الذي أشرف على تأسيس ونشاط هذه الشركة.

لم يأتِ العام الأخير من عهد غورباتشوف إلا وكانت سمعة الاتحاد السوفييتي على الساحة الدولية قد انحطت بشكل كبير، ويرى الكثير من المحللين أن الأزمة الاقتصادية ليست هي السبب الرئيسي وراء انهيار الاتحاد السوفييتي، فقد عاشت الدولة السوفييتية العظمى سنواتها السبعين كلها في أزمات اقتصادية، وشاهدت في عهد ستالين وخروتشوف أزمات أشد من أزمة عهد غورباتشوف، والشعوب السوفييتية وخاصة الشعب الروسي منها لم يعش في رفاهية ولا في رخاء طيلة تاريخه الطويل، لم تكن الأزمة الاقتصادية في عهد غورباتشوف هي السبب الرئيسي وراء الانهيار.

لقد كانت السياسة كلها في مجملها تدفع الدولة العظمى للانهيار، ومن أشهر علامات الانهيار السوفييتي في عهد غورباتشوف، في رأي العديد من المراقبين، اثنتان، الأولى انهيار حائط برلين الذي أدى إلى انهيار المعسكر الاشتراكي وحلف وارسو، والثانية هي موقف موسكو من حرب الخليج الثانية وتأييد غورباتشوف لواشنطن في ضرب العراق، والذي عكس انحراف سياسة موسكو تجاه حلفائها.

وقد انعكس هذا كله بوضوح في احتفالات أعياد الثورة البلشفية على الساحة الحمراء عام 1990 حيث سارت الجماهير أمام غورباتشوف وقيادات الحزب الشيوعي وهي تحمل لافتات مكتوب عليها «غورباتشوف عميل الصهيونية العالمية» و«أوقفوا بيع الوطن»، وعلى الجانب الآخر من الساحة الحمراء كان الرئيس بوريس يلتسين، الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصبا في سكرتارية الحزب في موسكو، كان يقف وسط الجماهير ومن حوله بعض الوجوه من الديمقراطيين الجدد ومن الشباب يهتف معهم ضد غورباتشوف.

* البداية في سويسرا

اليهودي بيرزوفسكي لم تبد عليه أية اهتمامات بالسياسة في عهد غورباتشوف، فقد ركز كل جهوده آنذاك على شركة السيارات السوفييتية العملاقة «أفتاباز» والذي أسس من أجلها شركته «وجاباز» عام 1989، وفي عام 1990 حقق بيرزوفسكي أرباحا كبيرة من بيع سيارات اللادا والنيفا داخل أسواق الاتحاد السوفييتي، وحقق أرباحا أكثر من بيع قطع غيار هذه السيارات في السوق السوداء.

والتي كان يعاني السوق من نقص شديد فيها، واستطاع بيرزوفسكي تحت ستار شركته لوجاباز، والتي من المفترض أن فيها شريكاً أجنبياً من إيطاليا أن يخرج كميات كبيرة من أمواله للخارج، وخاصة إلى سويسرا، وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي ببضعة أشهر شعر بيرزوفسكي أن الأوضاع مضطربة وأن الأزمة تتصاعد، ففكر في تكثيف نشاطاته في الأعمال وتوسيع مجالاته، وخاصة أن هناك العديد من السلع السوفييتية المطلوبة بإلحاح شديد في الأسواق العالمية، ومعظم شركات الإنتاج السوفييتية تعاني من سوء الإدارة ونقص التكنولوجيا الحديثة،.

وتعاني بشكل أكبر من سوء التسويق داخليا وعدم الخبرة في السوق العالمية المغلقة أمام المنتجات السوفييتية منذ نصف قرن مضى، وفكر بيرزوفسكي في تصدير المعادن والمواد الخام من الاتحاد السوفييتي، وسافر إلى مدينة لوزان في سويسرا في بداية عام 1991 ليبحث هناك عن مشترين للمنتجات السوفييتية يستطيعون في نفس الوقت القيام بعمليات غسيل للأموال.

وتوجه بيرزوفسكي إلى مقر إدارة المجموعة المالية السويسرية «أندري ساي» الشهيرة التي تعمل في السوق العالمية منذ أكثر من مائة عام مضت، وهي المجموعة التي ارتبطت بها معظم أعمال بيرزوفسكي وغيره من رجال الأعمال الروس فيما بعد، وكان من ضمن الأنشطة السرية لهذه المجموعة امتلاكها لشركة اسمها «فينكو» متخصصة في السوق السوداء للعملات، وتقوم باستبدال عملات الدول الاشتراكية مقابل الدولار ثم تقوم عن طريق «أندريه ساي» بغسيل هذه الأموال .

ووجدت شركة فينكو في بيرزوفسكي عميلا نموذجيا لها في هذا التوقيت بالذات، حيث كانت بوادر الانهيار الاقتصادي في الاتحاد السوفييتي قد ظهرت، وأخذت العديد من الشركات العالمية تستعد لدخول السوق الروسية المغلقة منذ سبعين عاما بسبب الشيوعية .

وعقد بيرزوفسكي مع مجموعة «أندريه ساي» المالية السويسرية اتفاقا ذكيا للغاية، فقد أسس معها على الورق شركة مشتركة مع شركته «لوجا باز» مناصفة في رأس المال لكل منهما 50%، وذلك للاستفادة من القوانين السوفييتية في الإعفاءات الضريبية وحق الاحتفاظ بنصف العائدات المالية خارج روسيا، بينما في الواقع لم تكن «أندريه ساي» تملك شيئا في رأس مال الشركة المشتركة التي كان يملكها بيرزوفسكي كلها، ووافقت «أندريه ساي» على هذا الاتفاق مقابل احتكارها لتسويق المنتجات السوفييتية التي سيقدمها لها بيرزوفسكي.

لم يكن بيرزوفسكي رجل الأعمال الوحيد الذي يمارس هذه الأنشطة في السوق السوفيتية آنذاك، بل كان هناك غيره الكثيرون من رجال الأعمال ومن رؤساء عصابات المافيا اللذين كانوا يفرضون سيطرتهم على قطاعات أخرى من الاقتصاد السوفييتي، وزادت الأوضاع سوءا، وزادت حدة الأزمة الاقتصادية.

وزاد تسرب الأموال للخارج، بينما زاد الشعب السوفييتي فقرا، وخلت الأسواق والمحلات الحكومية من السلع الأساسية والأدوية، وحتى السجائر السوفييتية اختفت من الأسواق، وانخفض الإنتاج الزراعي بنسبة 25% في بلاد باردة يحتاج شعبها للغذاء الجيد وبكميات كبيرة .

ولأول مرة في تاريخ الاتحاد السوفييتي تقع إضرابات عمالية، فقد أضرب عمال المناجم عن العمل مطالبين بتحسين ظروف معيشتهم هم وأسرهم، ولم يعد لدى الرئيس غورباتشوف أية حلول ولا برامج مقترحة، فرجال الأعمال والديمقراطيون الجدد من حوله منهمكون في السرقات والتهريب للأموال، وميزانية الدولة أصبحت خاوية تماما، ولا توجد ضمانات لدى الحكومة بتوفير الغذاء حتى نهاية الشتاء المقبل.

في الوقت الذي رفض فيه الغرب تقديم أية مساعدات مالية لغورباتشوف الذي على ما يبدو أنهم في الغرب كانوا يعدون لإسقاطه أو استبداله بنظام أكثر ليبرالية وديمقراطية حتى لو كان ذلك في إطار الاتحاد السوفييتي الذي لم يكن أحد يتوقع انهياره حتى هذه اللحظات الأخيرة من عمره .

وزادت الضغوط على غورباتشوف ونظامه، وبدأ التذمر يزحف إلى صفوف الجيش بعد عودة القوات السوفييتية من مواقعها في الدول الاشتراكية، وتكاثرت أعداد الضباط والجنود السوفييت الذين لا يجدون مأوى لعائلاتهم، وقررت الحكومة تسريح نصف مليون ضابط لتخفيف الأعباء العسكرية، واندلعت الصراعات في الجمهوريات السوفييتية الأخرى، واشتعلت الحرب بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم «ناغورنو كاراباخ» الذي تسكنه أقلية أرمنية منذ عقود طويلة.

* انهيار «الكي.جي.بي »

في 19 أغسطس عام 1991 استيقظ العالم كله ليشاهد على شاشات التلفزيون الدبابات السوفيتية تجتاح شوارع موسكو، بينما يعلن التلفزيون السوفييتي أن الرئيس غورباتشوف محاصر مع أسرته في استراحته على البحر الأسود، وأعلنت جهة أطلقت على نفسها «لجنة الطوارئ» بأنها هي التي تسيطر على الأوضاع في البلاد وتمسك بزمام السلطة والجيش والأمن بهدف إنقاذ البلاد من الفوضى والانهيار.

وكان أعضاء هذه اللجنة من كبار قادة الحزب الشيوعي وأعضاء اللجنة المركزية الذين قرروا الانقلاب على غورباتشوف ورفض سياساته الفاشلة، وكان الرئيس يلتسين قد انتخب قبل هذا الانقلاب ببضعة أشهر رئيسا لجمهورية روسيا السوفييتية، وأخذ يلتسين رجال أمنه وأنصاره من الديمقراطيين الشباب الجدد في روسيا وتوجهوا إلى مبنى البرلمان الروسي الذي كانت تحاصره الدبابات.

ومع اندفاع يلتسين مع أنصاره زحف الآلاف من الروس يؤيدونه ضد الانقلاب الذي اعتبروه انقلابا ضد الديمقراطية، وظلت قوات الجيش لمدة يومين تحاصر البرلمان ويلتسين وأعوانه في مواجهتهم، ولكن لم يحدث صدام مسلح بين الجانبين، وفي اليوم الثالث انسحبت الدبابات وقوات الجيش وعادت إلى ثكناتها العسكرية، وفشل الانقلاب ضد غورباتشوف، ووقف يلتسين في الشارع يخطب في الجماهير معلنا انتصار الديمقراطية.

ومن خلفه رفعت الجماهير، ولأول مرة منذ سبعين عاما أعلام روسيا بينما اختفى العلم السوفييتي الأحمر، وتوجهت المظاهرات إلى الجانب الآخر من الساحة الحمراء حيث مبنى جهاز المخابرات السوفييتية الرهيب « كي . جي . بي» وأمامه تمثال كبير لمؤسس هذا الجهاز «دزيرجنسكي»، وأسقط الجماهير التمثال رمز الرعب والقمع والإرهاب طيلة سبعين عاما من حكم النظام الشيوعي الشمولي.

وعاد غورباتشوف وأسرته إلى موسكو، وكان في استقبالهم في المطار يلتسين ورجاله، واضطر غورباتشوف أن يصافح خصمه اللدود يلتسين ويشكره هو ورجاله على إنقاذ البلاد.

وكانت أول خطوة اتخذها غورباتشوف بعد الانقلاب هي تفكيك جهاز المخابرات كي جي بي وتقسيمه إلى عدة أقسام مستقلة عن بعضها، وشعر العاملون في الجهاز وكبار رجال المخابرات السوفييتية أنهم مهددون، فقرر الكثيرون منهم ترك الجهاز الذي خدموه سنوات طويلة، وذهبوا يبحثون عن أعمال أخرى يرتزقون منها.

وكان في استقبالهم رجال الأعمال الجدد وعصابات المافيا التي احتضنت الكثيرين من رجال كي جي بي للاستعانة بخبراتهم العالية في عالم المافيا والجريمة المنظمة ومعرفة الكثير من المعلومات السرية عن المشاريع الاقتصادية العملاقة في روسيا، وعن الأرصدة السوفييتية في البنوك السرية في الخارج، وهكذا لم يصمد جهاز المخابرات العملاق كي جي بي الذي كان يرهب العالم كله طيلة سبعين عاما، لم يصمد أمام مظاهرات سلمية في موسكو، وكأن رجال المخابرات السوفييتية كانوا على يقين من أن ساعة الانهيار قد اقتربت.

لقد كانت مفاجأة كبيرة أن ينهار جهاز الاستخبارات السوفييتية الرهيب كي.جي.بي الذي قالت عنه رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر انه أقوى جهاز مخابرات عرفته البشرية، انهار كي. جي .بي قبل أن ينهار الاتحاد السوفييتي ببضعة أشهر، واستسلم الجهاز بلا مقاومة، وظهرت تفسيرات كثيرة لهذه الظاهرة الغريبة، وكان أكثر هذه التفسيرات منطقية وقبولا لدى الكثيرين هو أن كبار رجال كي.جي.بي كانوا على يقين من أن نهاية الدولة السوفييتية العظمى قد باتت وشيكة.

وأنه لا سبيل لإنقاذها، حتى أن بعض العاملين في الجهاز قالوا إن الجهاز تعرض لانقسامات شديدة في عهد غورباتشوف، وان أفرع الجهاز في الجمهوريات السوفييتية الأخرى فقدت التنسيق مع المركز في موسكو وتفرغت في هذه الجمهوريات لأعمال الفساد والرشوة وجمع الأموال من السوق السوداء،وبعض هؤلاء العاملين في كي.جي.بي في جمهوريات سوفييتية مثل أذربيجان وجورجيا وغيرهما كونوا في زمن الاتحاد السوفييتي ثروات تقدر بملايين الدولارات.

* المخابرات مع المافيا

لقد كان رجال كي.جي.بي رغم سلطاتهم ونفوذهم القوي في الدولة ووسط الشعب، يعيشون حياة عادية لا تختلف كثيرا عن حياة باقي أفراد الشعب، ويتقاضون رواتب متواضعة، ويقفون في الطوابير من أجل الحصول على سلعة غذائية أو زجاجة خمر في الأعياد، ولم يكن يلزمهم في عملهم إلا الواجب الوطني والمبادئ الشيوعية، ولكن كيف لجهاز استخبارات أن يتمسك بمبادئ وهو يرى حكومته وقيادته لا تتمسك بها.

لقد كان قادة جهاز كي جي بي يعلمون منذ بداية عهد غورباتشوف أن النهاية مقبلة، وكانت كل المؤشرات على المستويين الداخلي والخارجي تدل على ذلك، ناهيك عما يقال من أنهم كانوا يعرفون الكثير عن اتصالات لغورباتشوف سرية مع دوائر غربية معادية قبل وبعد توليه السلطة، وإن كانت هذه شائعات لو كان لها أي أساس من الصحة لتمسك بها خصومه.

إلا أن المؤكد هو أن الكثيرين من رجال جهاز كي جي بي كانوا في عهد غورباتشوف، وربما قبله، على صلة بكثيرين من كبار رجال العصابات والمافيا في روسيا وباقي الجمهوريات السوفييتية، وذلك بحكم عملهم الأمني في مكافحة الجريمة والفساد في الداخل، وغالبية رجال الأعمال الروس في عهد يلتسين إن لم يكن جميعهم على صلة وثيقة بهذه العصابات.

وقلما يوجد نشاط أعمال في عهد يلتسين غير مرتبط بالمافيا والجريمة، ومن هنا توطدت علاقات رجال المخابرات في كي جي بي مع رجال الأعمال الجدد في روسيا، وعلى رأسهم اليهودي بيرزوفسكي الذي توغل بعيدا في نشاط الأعمال والسياسة ودهاليز السلطة والكريملين بفضل علاقاته مع رجال الدولة والمخابرات، وزميله رجل الأعمال اليهودي الروسي ألكسندر سمولينسكي الذي كان ضالعا في عالم الجريمة في زمن الاتحاد السوفييتي، وله ملف أسود لدى أجهزة الأمن، ثم أصبح بعد ذلك أحد الأباطرة العشرة الأوائل في عالم الأعمال والبنوك في روسيا، ولديه جهاز أمنه الخاص الذي يعمل فيه العشرات من رجال كي جي بي السابقين.

انتهز اليهودي بيرزوفسكي فشل الانقلاب على غورباتشوف وانهيار سمعة جهاز كي جي بي، وأيضا الفوضى التي حدثت في أجهزة الدولة، فلجأ إلى وزارة التجارة الخارجية السوفييتية وحصل منها على ترخيص بالتصدير للخارج، وهذا الترخيص لم يكن يمنح في الاتحاد السوفييتي إلا لجهات حكومية فقط، لكن على ما يبدو أن غورباتشوف كان قد وصل بعد الانقلاب إلى درجة اليأس الكامل من الحزب الشيوعي ومؤسساته وقوانينه.

وأصبح على استعداد لأن يتحالف مع الشيطان في سبيل البقاء، ولكن على ما يبدو أيضا أنه حتى الشيطان نفسه لم يعد له حاجة بغورباتشوف الذي أصبح ورقة محروقة على الساحة السياسية داخليا وخارجيا، فقد أخذ منه الغرب كل ما يمكن أن يأخذه منه من إنهاء الحرب الباردة وتحطيم حلف وارسو وسور برلين والمعسكر الاشتراكي كله، وداخليا تحطيم الحزب الشيوعي السوفييتي وجهاز المخابرات العملاق كي جي بي.

خرج يلتسين من انقلاب أغسطس 1991 منتصرا، فقد أنقذ غورباتشوف والديمقراطية، إلا أنه قد آن الأوان للتخلص من غورباتشوف نفسه، خاصة وأن يلتسين أصبح الشخصية الشعبية الأولى في روسيا، وأصبح رمزا للتحرر من قيود وأغلال العهد السابق.

في 8 ديسمبر من العام نفسه سافر يلتسين إلى جمهورية روسيا البيضاء، والتقى هناك مع رئيسها شيسكوفيتش ورئيس جمهورية أوكرانيا كرافتشوك، والجمهوريتان هما أكبر الجمهوريات السوفييتية بعد روسيا، وقرر الرؤساء الثلاثة إعلان استقلال بلادهم عن الاتحاد السوفييتي وطرح الأمر في استفتاء شعبي، ورغم أن نتيجة الاستفتاء الشعبي كانت تؤيد بأغلبية ساحقة بقاء الاتحاد السوفييتي، مما يعني أن قرار استقلال الجمهوريات الثلاث غير دستوري.

إلا أن الأساس كان قد انهار بخروج الجمهوريات الثلاث الأم، وتفتت الاتحاد السوفييتي إلى خمس عشرة جمهورية مستقلة، وحصلت روسيا بالطبع على نصيب الأسد من ميراث الدولة العظمى، حيث استأثرت بمفردها بنحو 84% من ثروات الاتحاد السوفييتي، كما احتفظت بالترسانة النووية السوفييتية لنفسها، وبالمقعد الدائم في مجلس الأمن الدولي.

يكاد يجمع المراقبون والمحللون على أن الرئيس يلتسين رغم شعبيته ودوره الكبير في انهيار الاتحاد السوفييتي، إلا أنه يفتقر إلى حد كبير للخبرة في الإدارة والحكم وتوجيه السياسات الداخلية والخارجية للبلاد، وهذا ما انعكس بوضوح على مسيرته في الحكم طيلة التسعينات والتي حفلت بالأزمات والفوضى والتخبط الشديد في إصدار القرارات من القيادة، وكثرة التغييرات في المناصب الحكومية والوزارات بشكل كبير، لدرجة أن الحكومة الروسية في خلال سبع سنوات من حكم يلتسين عمل فيها أكثر من مئتي وزير.

وكان الرئيس يترك زمام الأمور كلها للحكومة والوزراء إلى أن تتأزم الأمور فيطيح بها ويأتي بحكومة جديدة، وهكذا، أضف إلى ذلك أن الحالة الصحية للرئيس يلتسين كانت في تدهور مستمر، وتعرض لعدة أزمات قلبية، وكان يختفي عن الساحة للعلاج لمدة قد تصل إلى عام كامل أو أكثر، كما حدث عام 1996، أما المشكلة الكبرى في حياة الرئيس يلتسين فهي إدمانه للخمر والتي كانت تسبب له ولإدارة مكتبه الكثير من المشاكل، وتسبب لروسيا الكثير من الفضائح، وخاصة في بعض المحافل الدولية التي كان يلتسين يحضرها وهو سكران.

* حكومة جيدار

أعطى يلتسين لرؤساء الحكومات في عهده سلطات واسعة، واستعان كثيرا بالشباب الجدد الذين تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والأربعين، ووضع في أيديهم زمام الأمور في روسيا وخاصة في مجال الاقتصاد، ومن أبرز هؤلاء الشباب إيغور جيدار أول رئيس وزراء في عهد يلتسين، والذي لا يزيد عمره على ثلاثة وثلاثين عاما، ولم يكن جيدار معروفا في زمن الاتحاد السوفييتي، إلا أنه برز في العامين الأخيرين من عهد جورباتشوف كواحد من مجموعة أطلق عليها جورباتشوف اسم «الديمقراطيين الجدد».

لقد بدا على أول حكومة في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أنها وضعت نصب أعينها أهدافا رئيسية، من أهمها التغيير الجذري وبسرعة والقضاء على الشيوعية ورفع يد الدولة عن كل شئ وتطبيق سياسة السوق الحر المفتوح بلا قيود، وخصخصة كل ما تملكه الدولة من مؤسسات ومشاريع إنتاجية واقتصادية.

وضمت حكومة جيدار مجموعة من الشباب المؤمنين تماما بهذه الأهداف، أو بمعنى أدق، الموجهين نحو تحقيق هذه الأهداف دون غيرها ودون مراعاة لأي ظروف تعيشها روسيا داخليا أو خارجيا، وكأن هذه المجموعة من الشباب الديمقراطيين الجدد في روسيا مكلفة بأداء مهمة محددة منفصلة عن تاريخ روسيا ومستقبلها ومسيرتها في الحياة وموقعها في المجتمع الدولي، ولم تعر حكومة الشاب جيدار اهتماما كبيرا للظروف السيئة التي يعيشها الشعب الروسي ولا للأزمة الاقتصادية الحادة التي خلفتها سياسات عهد جورباتشوف.

في أواخر صيف عام 1992 كان مخزون الحبوب في روسيا يكفي فقط حتى منتصف فصل الشتاء، وهذا يعني أن الشعب تنتظره المجاعة، والمزارع الروسية لا تعمل في الشتاء بسبب البرد القارس والطقس المتجمد، وروسيا كانت تعتمد في الأساس على ما يأتيها من الجمهوريات السوفيتية الأخرى من الغذاء في فصل الشتاء، وقد امتنع الفلاحون الروس عن توريد محاصيلهم للمدن في صيف 1992 خوفا من الموت جوعا في الشتاء، وخزانة الدولة خاوية، ولا أحد يتوقع من الحكومة أن توفر أية سلع غذائية للشعب في الشتاء المقبل.

في بداية يناير 1992 صدر قرار بتحرير الأسعار على جميع السلع ما عدا السلع الاستراتيجية، وارتفعت الأسعار بجنون وتضاعفت مئات الأضعاف، فقد ارتفع سعر البيض بنسبة 1900%، والطحين بنسبة 3100%، والسجائر 3600%، والخبز 4300%، هذا في الوقت الذي زادت فيه الرواتب للمواطنين بنسبة ضئيلة لم تتجاوز 50%.

واضطر المواطنون الروس إلى سحب مدخراتهم من بنك التوفير الحكومي بعد أن انهارت قيمة هذه المدخرات، فمن كان يدخر مبلغا يكفي لشراء سيارة أصبح لا يكفيه لإطعام أسرته شهراً واحداً، وانهار سعر العملة الروسية الروبل بشكل حاد أمام الدولار حتى أصبح في نهاية عام 1992 الدولار الواحد يعادل 415 روبلاً في السوق التي لم تعد سوداء في عهد يلتسين بل أصبحت سوقاً حرة لتصريف العملة ولكن بشكل غير رسمي.

وقد ظل الدولار في ارتفاع مستمر والروبل في انهيار مستمر حتى نهاية عهد يلتسين حيث وصل سعر الدولار إلى 28 ألف روبل، ولم تتخذ الحكومات المتعاقبة في عهد يلتسين أية إجراءات لحماية العملة الوطنية الروبل، بل على العكس غضت البصر تماما عن السوق السوداء للعملة، والتي أصبحت شبه علنية تعمل من خلال أكشاك في الشوارع.

في الواقع أن عدم اهتمام الحكومات الروسية في عهد يلتسين بدعم العملة الوطنية وحمايتها لم يكن إهمالا منها أو عدم قدرة على فعل شيء، بل كانت سياسة متعمدة من هذه الحكومات تساعد بشكل مباشر رجال الأعمال الجدد وأعضاء مافيا الاقتصاد الروسي أمثال اليهودي بيرزوفسكي على تكوين ثروات خيالية بأقل مجهود، حيث كانوا يشترون الإنتاج الروسي من السلع الحيوية والاستراتيجية مثل النفط والمعادن والأخشاب والسيارات وغيرها من الشركات الروسية الحكومية بالعملة الروسية وبالسعر الرسمي، ويبيعون هذه المنتجات في الأسواق العالمية بالدولار وبالأسعار العالمية.

الأمر الذي كان يحقق لهم أرباحا خيالية كونوا من ورائها في سنوات قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة ثروات تقدر بالمليارات لا يستطيع أي رجل أعمال في الغرب أن يكونها في عشرات السنين، علما بأن روسيا المنهارة اقتصاديا آنذاك كانت من أغنى دول العالم في الثروات الطبيعية ومصادر الطاقة، إن لم تكن أغناها على الإطلاق، فهي أغنى دول العالم في النفط والغاز الطبيعي والفحم والأخشاب والماس والذهب والألمونيوم وغيرها الكثير.

الأمر الذي جعلها سابقا دولة عظمى وجعل منها الآن هدفا للعصابات واللصوص والمجرمين وللأطماع الأجنبية من كل أنحاء العالم، وجعل المليونيرات والمليارديرات يظهرون فيها بسرعة خارقة، حتى أن بعض هؤلاء المليارديرات مثل بيرزوفسكي وسمولينسكي وجوسنيسكي وخودركوفسكي، والأربعة من اليهود الروس كونوا ثرواتهم في أقل من خمس سنوات.

وكان من الممكن أن تسير الأمور في روسيا للأسوأ لولا وجود معارضة قوية في البرلمان الروسي الذي كانت تسيطر عليه الغالبية الشيوعية، والتي كانت تتصدى للعديد من القوانين والقرارات المدمرة للاقتصاد الروسي، وتكشف وتفضح العديد من مؤامرات رجال الأعمال الجدد وتحالفاتهم مع عصابات الجريمة ومع العديد من كبار موظفي الدولة.