تتناول هذه الحلقة مشاريع وبرامج الخصخصة التي جرى تطبيقها في قيرغيزستان والأخطاء التي رافقت تلك العملية منذ البداية. ففي إطار سعي الحكومة القيرغيزية للتخلص من آثار النظام الشيوعي قامت الحكومة بخصخصة عدد من المؤسسات العامة في البلاد، وأصدرت لهذا الغرض ما سمي بصكوك الخصخصة التي استهدفت تطبيق العدالة الاجتماعية.

ولكن ما حدث هو العكس تماماً، إذ سيطر بعض المتنفذين من أيام العهد الشيوعي على الحصص الأكبر في المؤسسات الحكومية واشتروها بثمن بخس يقل كثيراً عن سعر السوق.يعتبر عدد من الباحثين الذين شاركوا ببحوثهم في هذا الكتاب أن من الممكن إدراج بعض دول آسيا الوسطى في عدد الدول النامية بينما تستحق دول أخرى أن تسمى بالدول المتخلفة.

وإذا أتيح للقاريء أن يلقي نظرة على الفصل الخامس من الكتاب، والذي يحتوي على مقال عن الأزمة الاقتصادية واستراتيجية التحول في قيرغيزستان، سوف يجد على الفور أوجه شبه كبيرة بين تجربة تلك الجمهورية بعد استقلالها في محاولة عملية الخصخصة، وبين بعض الدول العربية التي تصدرت لهذه العملية.

وصاحب المقال هو البروفيسور تورار كويتشويف أستاذ العلوم الاقتصادية، ورئيس الأكاديمية الوطنية للعلوم في جمهورية قيرغيزستان، وصاحب نحو مئتي مطبوعة في مجال تخصصه في مقدمتها كتابه عن «الاقتصاد في فترة التحول».

وفي تناوله للخصخصة التي يعتبرها القوة الدافعة للإصلاح الاقتصادي، يقول الباحث إن التحول إلى اقتصاد السوق، بما فيه الخصخصة، كان قد بدأ بالفعل عام 1990 حتى قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، وكان قد تم وضع برامج وتنفيذها على كل من المستويين: «جميع الاتحاد» ومستوى الجمهورية مما أدى إلى توفير بعض الخبرة في التعامل مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية الجديدة.

وبسقوط الاتحاد السوفييتي أصبحت كل دولة قادرة على مراجعة وتحسين برامجها من أجل التحول، وأساليبها المنهجية. ومع ذلك فإن الجذور التاريخية المشتركة في كومنولث الدول المستقلة، وتشابه الظروف والمشاكل التي واجهت اقتصاداتها، آلت بالطبع إلى التحرير المسبق لأسلوب متماثل في إعداد البرامج وآليات تنفيذها. وينطبق ذلك بشكل خاص على عملية الخصخصة.

ثم يتساءل الباحث: كيف جرت عملية الخصخصة الفعلية في قيرغيزستان؟

ويجيب بقوله ان معدل الخصخصة اختلف اختلافاً كبيراً بين قطاعات الاقتصاد المختلفة.

ويرى صاحب البحث ان هناك عوامل عديدة تعرقل انجاز خصخصة فعالة وتتلخص فيما يلي:

ـ منح سلطة مطلقة لصندوق ممتلكات الدولة في عملية الخصخصة.

ـ غموض القرارات التشريعية وتناقضها.

مما يؤدي الى تمكين الأطراف المعنية من تفسيرها لخدمة مصالحها لا لخدمة الهدف العام للخصخصة المشروعة.

ـ ضعف التنسيق وحتى المواجهة من جانب صندوق ممتلكات الدولة، والوزارات المختصة بالجوانب الاقتصادية، والسلطات المحلية.

ـ اسناد مسؤولية الخصخصة إلى القيادات الاقتصادية السابقة من أعضاء الحزب الشيوعي السوفييتي وهم قادة نخبة الحزب.

التي كان يطلق عليها اسم «نومنكلاتورا»، وهم الذين ظلوا محتفظين بالمناصب العليا.

ـ تطبيق الوسائل السوفييتية في تنفيذ عملية الخصخصة، ومن بينها نقل الملكية الى ملكية جماعية في يد موظفي المصنع، واستخدام الصكوك.. الخ.

ـ الافتقار الى الترابط الوثيق بين الخصخصة والأهداف العامة للإصلاح الاقتصادي مثل بث روح جديدة منتجة لدى الإفراد، وإحياء الاقتصاد، وضمان النمو.

ـ غياب السيطرة الإدارية والقانونية على عملية الخصخصة.

* أزمة اقتصادية

وقد أدت كل هذه العوامل الى تقويض عملية الخصخصة، والى الوقوع في الاخطاء والتشوهات والفساد. ومع اساءة استخدام تلك العملية، وتبديد ممتلكات الدولة، أدى إلى تفاقم أزمة الدولة الاقتصادية بدلاً من تخفيف حدتها. ويعود الباحث إلى الاستناد إلى بيانات صندوق وممتلكات الدولة في قيرغيزستان في يوم 6 يونيو 1994 التي تفيد بأن المشروعات الاقتصادية التي ألغي تأميمها بيعت مقابل 43% فقط من قيمتها، وبهذا يصبح اجمالي قيمة التنازلات الخاصة أضخم من نفقات اصلاح تلك المشروعات.

ولذلك يجب ألا تصبح تلك التنازلات ظاهرة شاملة وقاعدة عامة، وينبغي حصرها في حالات نادرة ولكنها أصبحت القاعدة في جمهورية قيرغيزستان وكلفت الدولة 9,109 ملايين سوم دون حساب التضخم. كذلك كانت طريقة دفع قيمة الكيانات المخصخصة شاذة جداً، ففي حالة المشروعات التي أعيدت هيكلتها وتحويلها إلى شركات مساهمة مشتركة.

وهي عبارة عن مشروعات مختلطة الملكية بين الدولة والقطاع الخاص، وتعتمد على أسهم مشتركة مع اعطاء القطاع العام حجماً من الأسهم يتيح له السيطرة على المشروع، في تلك الحالة أصبح على الموظفين المالكين لحصصهم ملكية جماعية ان يدفعوا 71% من القيمة المقدرة، وعلى أفراد القطاع الخاص ان يدفعوا 5,23% فقط، وكأنهم بهذا قد حصلوا على حصصهم بلا مقابل، فلماذا حدث مثل هذا التمييز الصارخ بين فئتي مؤسسي شركات المساهمة المشتركة؟

لقد أصبح الموظفون أصحاب الملكية الجماعية مثقلين بمسؤوليات أكبر ولا يتمتعون إلا بحقوق اقتصادية أقل، بينما لا يتحمل أفراد القطاع الخاص أية مسؤوليات ويتلقون حقوقاً أكبر، فما الذي دفع الحكومة إلى تقديم مثل هذه التنازلات الضخمة؟ أليس معنى هذا تبديد ممتلكات الدولة لمجرد اجراء عملية خصخصة واسعة النطاق؟ ويرى الباحث كرويتشويف ان هذه الطريقة لم تكن ملائمة لنشر الملكية الفردية، بل أدت إلى افساد عقلية الاستقلال الاقتصادي.

ويقول صاحب البحث ان هناك أسلوباً آخر يستحق فحصاً دقيقاً، ففي عدد من الحالات كان مديرو المشروع هم أنفسهم المشاركون في انشاء شركات المساهمة المشتركة.. ومثل هذا الاشتراك قد يكون ممكناً في حد ذاته لو ان حملة الأسهم يوافقون، وإذا كان يقدم مساهمة ايجابية في المشروع،

ولكن تفوح رائحة الشكوك هنا، فقد كان مديرو مشروعات ناجحة تجارياً، هم الذين أصبحوا مشاركين في تأسيس شركات المساهمة العامة وحصلوا على حصص ضخمة من الأسهم وصلت في بعض الحالات التي أشار إليها الباحث إلى 51% من اجمالي أسهم الشركة.

كذلك ينبه كرويتشويف إلى خفض قيمة السندات التي دفعها هؤلاء المؤسسون إلى ما يتراوح بين 34 و71% في حالات شركات خضعت للخصخصة، وبهذا تتمثل تنازلات الحكومة في عملية الخصخصة في الفارق الكبير بين سعر الخصخصة والقيمة الحقيقية لتلك الشركات.

وعندما يتناول البحث الأسباب العديدة وراء هذه الأخطاء في دراسته لحالة تجربة قيرغيزستان، يشعر القاريء بمدى تطابقها مع نفس الحالات في بعض الدول العربية، اذ يشير الباحث إلى ان أول الاسباب يتمثل في افتقار الدولة الى الخبرة والمعرفة بشأن الخصخصة، ولذلك لم تستند قوانينها ومفاهيمها وبرامجها الخاصة بالعملية إلى أي أساس علمي، وأصبحت غير جديرة بالاعتماد عليها.

وبدلاً من ذلك كانت المؤسسات البيروقراطية هي التي أعدت كل الوثائق. وعندما خضعت مشروعات الخطط للمناقشة العامة، ركزت الحكومة جهدها على الدفاع عنها وتجاهل أي نقد بناء، وحتى إذا اهتمت ببعض التعليقات الناقدة، فإنها لم تكن ذات أثر يذكر على الوثائق النهائية للخصخصة ومفاهيمها وبرامجها التي اخترقتها تدابير مريبة، وهذه الأخطاء تشكل خلفية الآثام التي قد يرتكبها صندوق ممتلكات الدولة أثناء عملية الخصخصة،

والسبب الثاني هو أن ذلك الصندوق أصبح الجهاز الحكومي الأعلى، ونتيجة لذلك أفلتت أنشطته من السيطرة والرقابة، وأتاحت له التشريعات الفرصة للاشتراك في صنع قرارات تعسفية. ورغم القضاء على هذا النفوذ، مؤخراً. إلا أن ذلك تم بعد أن تسبب في أضرار سلبية ومدمرة.

أما ثالث الأسباب فهو أن تغيير قيادات صندوق ممتلكات الدولة أدى إلى فشلها في تخفيف الأخطاء، بل زاد منها بالفعل. ففي خلال ثلاث سنوات، في الفترة بين 1991 و1994 تناوب على رئاسة الصندوق في قيرغيزستان خمسة أشخاص لكل منهم مستواه المختلف من المعرفة والخبرة الاقتصادية العملية والمهارات التنظيمية.

ويعود السبب الرابع إلى وجود مصدر آخر للتشويش والخطأ يتمثل في تعرض صندوق ممتلكات الدولة لضغوط قائمة فعلاً ومتخفية في شكل «طلبات» من مسؤولين رفيعي المستوى ذوي نفوذ وصلات واسعة. وكثرت هذه الطلبات إلى حد أنها بدأت تقرر سياسة الصندوق الذي عجز عن الاحتفاظ باستقلاله وحزمه، وأدى هذا الضعف إلى حدوث تشوهات في سياسة الصندوق استغلها أفراد معنيون لتحقيق أطماعهم الذاتية، وبالتالي أدى كل هذا أيضاً إلى انتشار الفساد.

ومن هنا ينبغي أن تكون المعركة ضد الفساد الجزء المركزي في السياسة الاقتصادية للدولة. وأثناء فترة التحول يجب على الدولة ألا تضعف سيطرتها الاقتصادية والقانونية على الإصلاح الاقتصادي بما في ذلك عملية الخصخصة، وإلا فسوف تجد نفسها مضطرة إلى استخدام سلطتها لتساعد على تجنب انفجار اقتصادي.

* صك الخصخصة

وينتقل البروفيسور تورار كويتشويف إلى دراسة حالة يعتبرها حملة لا جدوى لها لتمكين كل فرد من أن يصبح مالكا، ويقول في بحثه إن جمهوريات كومنولث الدول المستقلة تبنت برنامجاً يسمى «صك الخصخصة» وهو عملية أصبحت شائعة جداً لدى شعوبها، وفي قيرغيزستان اتخذ ذلك الأسلوب شكلاً آخر هو تحويل صكوك الخصخصة إلى «نقاط». وهذا التحويل من القيم النقدية إلى النقاط يحمي كل نصيب في العملية من التضخم لأن القيمة الإجمالية للصك تم تقديرها بالنقاط في عملية الخصخصة.

ومنذ اللحظة التي يودع فيها الفرد نقاطه من أجل خصخصة كيان معين، يحتفظ بنصيبه بغض النظر عن أي تغيير في الأسعار. ومع ذلك ورغم الأعداد الهائلة من الأفراد الذين أصبحوا «من أصحاب الأملاك»، فإن قيمة الحصص والقيمة الإجمالية لصكوك الخصخصة، تعتبر ضئيلة، بحيث لم يصبح أي واحد منهم «صاحب أملاك» يتمتع باستقلال حقيقي. وربما تدر عوائد نصيب جماعي معين، في شركة مساهمة عامة، دخلاً معيناً إلا أنه لا يضمن مستوى حياة جيداً.

وفي كل شركة مساهمة عامة أو صندوق استثماري يكتسب كل صاحب صك «قيمة صكه الجديدة» أو «السعر» اللذين يعتمدان على رأس المال الذي تحوزه الشركة أو الصندوق، ولكن عند التوزيع يكون النصيب أكبر إذا كان هناك عدد أقل من حاملي الأسهم أو المستثمرين «إذا ظلت العوامل الأخرى ثابتة»، ومن الطبيعي أن تكون الأرباح أكبر لأولئك الذين يستثمرون صكوكهم في كيانات أضخم وأكثر ربحاً،

وهكذا فإن من يسعى للبحث عن فرص أكثر ربحاً سوف يضع صكوكه إما في مؤسسات صغيرة مع عدد أقل من حملة الأسهم، لكي يحصل على نصيب أكبر، أو في شركة أكبر مع عدد أكبر من حملة الأسهم، ولكن مع معدل عائد أكبر. وفي رأي الباحث، فإن صك الخصخصة هذا لن ينتج صاحب أملاك عظيماً، مهما كانت طريقة استخدامه لأن المواطن السوفييتي كان يحصل على القليل، كما أن الصكوك التي استحقتها جموع كبيرة من الناس لا يعتد بها.

وقامت قيرغيزستان في السنوات الأخيرة الماضية بالتنازل عن أملاك الدولة مقابل لا شيء تقريباً، لأن هدفها كان خلق أساس مادي للقطاع الخاص وأشكال الملكية الأخرى البعيدة عن الدولة. وقد نشأ صك الخصخصة على أساس أيديولوجية «العدالة الاجتماعية» والهدف غير القابل للتحقيق المتمثل في جعل كل فرد صاحب أملاك،

وهكذا أدى هذا الخطأ إلى اضطرار الدولة إلى تبديد ممتلكاتها المادية وتسريع انهيار الاقتصاد. وكانت هذه العملية الأكثر حدة لأن السيطرة الإدارية على مؤسسات المساهمة المشتركة كانت في أيدي النخب السوفييتية القديمة، رغم أنها تدعي الآن أنها خصوم للاشتراكية، ومع ذلك فهي تتبع أساليب العمل نفسها، التي استخدمتها الإدارة السوفييتية القديمة، ويؤكد الباحث أن سلوك هذه النخب أثناء مرحلة التحول اتخذ طابعاً شريراً فضلاً عن كونها مصدر الفساد.

وبينما كانت هذه النخب تشعر بخوف دفين من أجهزة الحزب التي كانت رادعاً قوياً أثناء العهد السوفييتي، أصبحت الآن تسعى إلى تكوين كل شيء لأنفسها أثناء مرحلة غياب المسؤولية والعقاب، وقد فعلت كل ذلك تحت ستار «الخصخصة».

وأصبح أصحاب الأملاك الجدد فيما بعد السوفييت من نخبة الحزب، جزءاً من نظام اختلطت فيه أشكال الملكية بما فيها الملكية الفردية، ولكنهم لم يدركوا الحقيقة الأساسية لأية دولة تقوم على أساس حكم القانون ونظام سوق مختلط، ومؤدى هذه الحقيقة هي أنه لكي يصبح الشخص مالكاً، يجب عليه احترام حقوق الأشكال الأخرى من الملكية الخاصة أو الجماعية أو العامة.

* عملية بربرية

ويرى البروفيسور تورار كويتشويف أن هذا الاحترام غير موجود الآن وأن الاحترام السائد الوحيد هو لحقوق كل فرد على حدة لا لحقوق الآخرين الجماعية ولم يفهم أحد أن تلك الحقوق لا تخضع للقيود ويجب أن تمارس في الحدود التي يقرها المجتمع ولم تكن الآليات المعيارية الاقتصادية والقانونية والأخلاقية، قد صممت أو طبقت بعد، وكانت النتيجة هي بروز عملية متوحشة وبربرية لخلق قطاع اقتصادي لا دخل له بالدولة،

ولكنه نشر المظالم والجرائم بالفعل، ويزيد على ذلك أنه ثبت فشل عملية الخصخصة التي أقامت قطاعاً لا علاقة له بالدولة، ولكنه أيضاً قطاع عديم الإنتاج، بينما حلت اللعنة على القطاع العام باعتباره أثراً قديماً من آثار الشيوعية يمكن تحمله إلى حين ولكن يجب محوه في أسرع وقت ممكن. وقد تجاهلت الحكومة نفسها القطاع العام وشنت حملة لعملية خصخصة واسعة النطاق ومدمرة، يرى الباحث أنها بالتحديد حملة تنازلات بالجملة.

إذن ما هو الحل المثالي لهذه المشكلة ما دام الخبراء والمحللون الاقتصاديون والسياسيون من أمثال البروفيسور كويتشويف يوجهون انتقادات كثيرة لعملية الخصخصة في بعض دول آسيا الوسطى التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي؟!

يسعى صاحب البحث الذي نستعرضه إلى إيجاد عدة بدائل في إجابته على تساؤلنا فيقول: من الممكن إجراء التحول من الملكية الاشتراكية بطريقة مختلفة من خلال برنامج مدروس بعناية لا تنتج عنه إلا خسائر طفيفة أثناء عملية التحول.

ففي المقام الأول يجب السماح لعملية الخصخصة بأن تتطور بشكل طبيعي عن طريق ضمان الحرية الاقتصادية وتوفير فرص إقامة الأعمال الخاصة مع ترك البلاد لكي تخوض «آلام الولادة» وانتظار تماسك القطاع الخاص وتطوره من تلقاء نفسه، والأمر الثاني هو أن من الضروري تقديم المساعدة بتوفير القروض بشروط ميسرة، ومنح امتيازات ضريبية لمدد محددة، وتقديم المساعدة التقنية وأشكال المساعدة الأخرى من الدولة.

ويتحدث البروفيسور كرويتشويف وعينه على تجربة قيرغيزستان قائلاً إن حكومتها سعت إلى إعطاء جميع سكان البلاد موقفاً أولياً كبداية ينتقلون منها إلى اقتصاد السوق ويحوزون الملكية على أساس فردي، ولذلك اتبعت الحكومة سياسة بيع ممتلكات الدولة بأسعار أقل من قيمتها في السوق. وكان الأكثر منطقية إجراء عملية الخصخصة عن طريق بيع الممتلكات بأسعار السوق الحقيقية وجدولة كوبونات الخصخصة أو قيمة الأنصبة في ممتلكات الدولة تحسباً للتضخم.

ورغم رأي الباحث تنشأ عقبة أخرى وهي أن توزيع صكوك الخصخصة في بلاده قد تم أثناء تصديه لبحث المشكلة، ولكنه يقترح أن تكون المرحلة التالية بعد ذلك هي استثمار الصكوك في صناديق استثمارية أو في مشروعات مساهمة مشتركة، أو في الأشكال الأخرى للملكية. وعندئذ تبدأ عملية أخرى حقيقية للخلاص من سيطرة الدولة والخصخصة، وهي تعني إعادة توزيع الصكوك من خلال التبادل والبيع الحر للكوبونات (أو الأسهم).

وعند تمام هذه العملية سوف يتضح من الذي يمتلك الجزء الأكبر من حصص الملكية، ومن الذي حرم منها. ويمكن بذلك إنشاء الملكية الخاصة من خلال النشاط الطبيعي للسوق، ثم يلي ذلك مجال أوسع للإنتاج حيث يتوافق حجم الأعمال مع الطلب، ثم تؤدي الحاجة إلى تراكم الموارد، إلى ضرورة إنشاء شركات مساهمة مشتركة، واجتذاب رؤوس الأموال، والمساهمة والتعاون مع الآخرين.

وفي الدول النامية التي برز فيها قطاع خاص قوي منذ زمن طويل، نجد أن الملكية الخاصة، في بداية عذريتها، ظلت محصورة في المشروعات الصغيرة ومتوسطة الحجم، غير أن المشروعات الكبيرة أظهرت ميلاً واضحاً إلى إنشاء المؤسسات وشركات المساهمة المشتركة.

ولكن دول ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي سعت في البداية إلى تكوين شركات المساهمة ثم بدأت بعد ذلك في «توليد» صاحب الملكية الخاصة من خلال توجيهات الدولة، غير أن حكومات تلك الدول ظلت حبيسة نفس «الأغراض المرضية الشيوعية» القديمة، وأرادت فرض كل شيء «من فوق» أي من السلطة الحاكمة، بينما يجب أن يترك القرار للاعبين على مسرح الاقتصاد أنفسهم.