تتحدث هذه الحلقة عن المشكلات الاقتصادية التي عانت منها دول آسيا الوسطى في السنوات الأولى للانفصال عن الاتحاد السوفييتي السابق وإعلان الاستقلال والتي ما زالت تلقي بظلالها على حاضر هذه الدول. ثم تنتقل بعد ذلك إلى الحديث عن أوزبكستان التي تسير في طريق التحوُّل إلى اقتصاد السوق.

والمشكلات التي تعترض طريقها، والمتطلبات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود، حيث تتطرق إلى وجود نهجين يرسمان سيناريو لمستقبل الاقتصاد في هذا البلد. وهذان النهجان أحدهما متشائم والآخر متفائل في تناوله لهذا الموضوع.يكاد يجمع الباحثون الذين شاركوا بمقالاتهم في هذا الكتاب على أن تفكيك الاتحاد السوفييتي وانهيار الروابط بين أجزاء ذلك الاتحاد، كان له تأثير كبير على النشاط الاقتصادي في جميع دول آسيا الوسطى.

ومن بين هؤلاء الباحثين ستانيسلاف جوكوف، الباحث في معهد الاقتصاديات العالمية والعلاقات الدولية في موسكو والمتخصص في دراسة النمو الاقتصادي للاقتصادات في مرحلة التحول. وهو يرى أن التاريخ شهد نماذج عديدة لأزمات تقلص فيها اقتصاد دول أخرى، ومع ذلك فإن التفكك الاقتصادي في عدد من الدول التي خرجت من بين أنقاض الاتحاد السوفييتي السابق حدث بوتيرة سريعة غير مسبوقة من ذلك مثلاً أن الفترة من 1991 ـ 1994 شهدت تقلص إجمالي الناتج المحلي بنسبة 49% في طاجيكستان، و48% في قيرغيزستان، 43% في كازاخستان، مع تقلصات أصغر حجماً في تركمانستان بنسبة 29%، وفي أوزبكستان بشكل خاص بنسبة 17%.

ويشارك الباحث جوكوف، في الكتاب الذي نستعرضه، ببحث عن النمو الاقتصادي في دول آسيا الوسطى معزز بعد كبير من الإحصائيات والجداول. وهو يرى أن التدهور شمل جميع قطاعات الاقتصاد دون استثناء ولكنه ترك الصناعة بوجه خاص في حالة عسيرة، ففي الفترة نفسها تدهور الإنتاج الصناعي بنسبة 59% في قيرغيزستان، و52% في طاجيكستان، و47% في كازاخستان، و34% في تركمانستان، ولكن أوزبكستان وحدها هي التي تعرضت لتدهور صغير في الإنتاج الصناعي بنسبة 2% فقط إذا صدقت الإحصائيات الرسمية.

أما تدهور الإنتاج الزراعي، فقد كان أقل في تلك الفترة باستثناء طاجيكستان التي انهار فيها بشدة بنسبة وصلت إلى النصف تقريباً، والسبب في ذلك هو العمليات العسكرية التي جرت فيها على نطاق واسع، والاضطرابات المستمرة التي فجرها خصوم الحكومة آنذاك. غير أن الإحصاءات الرسمية في تركمانستان أشارت مرة أخرة إلى زيادة إنتاج القطاع الزراعي فيها.

ويذكر جوكوف أن التدهور الاقتصادي في تلك المنطقة، كما هو الحال في أماكن أخرى في الاتحاد السوفييتي السابق، كان نتيجة للتدمير الذاتي للاقتصاد الموجه، وإلى جانب هذا السبب نفسه كانت سيطرة الدولة ضعيفة من خلال السياسة المركزية.

وقد نتجت الكارثة الاقتصادية من الهيكل الغريب لتقسيم العمل الذي ظهر في ستينات وسبعينات القرن العشرين وشمل جميع الجمهوريات السوفييتية السابقة. ويرى الباحث أنه يصح تقسيم الجمهوريات إلى مجموعتين مختلفتين تماماً: المجموعة «المانحة» والمجموعة «المتلقية».

ويعتمد نمو المجموعة الثانية بدرجة أساسية على تلقي الموارد والأرباح من مناطق الاتحاد السوفييتي الأكثر نمواً إذ كانت الدولة السابقة تلجأ إلى رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي في الجمهوريات المختلفة إلى نفس معدل الجمهوريات الأخرى، وقد ساعدت تلك السياسة على نشوء علاقات غير متساوية في التبادل الاقتصادي بين الجمهوريات المختلفة والمناطق المنفردة داخل تلك الجمهوريات.

وكانت النتيجة التي خلص إليها صاحب البحث هي أن الوحدات الاقتصادية الكبيرة الخاصة بالدولة في معظم الجمهوريات السابقة، لم تكن مكتفية ذاتياً ولا تستطيع العمل بطريقة مقبولة إلا إذا احتفظت بنفس هيكل تدفق الموارد والمال الذي كان موجوداً في الاقتصاد السوفييتي السابق.

ولما كانت أسعار الطاقة والكهرباء أدنى بكثير من معدل الأسعار العالمية ومتدنية أيضاً بالنسبة للمنتجات الوسيطة أو النهائية للتصنيع والزراعة، أصبحت الجمهوريات المنتجة للكتلة الكبرى من الطاقة والمواد الخام، ضحايا دائمة في عملية التبادل مع الجمهوريات المستهلكة لتلك المواد ولذلك لم يكن غريبا ان تتركز معظم الصدمات الخطيرة من التفكك والتحرر الاقتصادي في الدول المستقلة الجديدة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بنظام المبادلات بين الجمهوريات والتي فشلت في الوقت نفسه في اقامة قاعدة داخلية لإمدادها بالطاقة والمواد الخام.

ومن بين دول آسيا الوسطى وجدت كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان نفسها في موقف صعب، فقد كان ذلك الثلاثي الأكثر اندماجا في التركيبة الاقتصادية العامة لجميع دول الاتحاد مع خضوع جزء مهم من اقتصادياتها لسيطرة موسكو، كما اعتمدت أية زيادات مهمة في انتاجها على تلقي الموارد من جمهوريات سوفييتية أخرى.

* ثروة الغاز الطبيعي

أما جمهورية تركمانستان، فان الباحث يفصلها وحدها باعتبارها المنتج الرئيسي للغاز الطبيعي، ومع ذلك فانه يرى انها وقعت أيضا في نفس الورطة. ونظرا لأنها الجمهورية الغنية بتلك الثروة الطبيعة فقد كان من المفترض ان تجني ارباحا طائلة مقابل ما تمنحه للجمهوريات الأخرى، ولكن هذا لم يحدث.

ويشرح جوكوف السبب في ذلك فيقول ان مجمع الغاز الطبيعي في تركمانستان كان خاضعا لتقسيم العمل بين الجمهوريات السوفييتية، وبناء على ذلك كان يلبي في المقام الأول حاجة اوكرانيا وأرمينيا وجورجيا، غير ان هذه الجمهوريات كانت عاجزة عن دفع ثمن الغاز الطبيعي وبدلا من تقاضي قيمته كاملة بالعملة الصعبة كانت تركمانستان مضطرة إلى تحمل تراكم الديون، وقد تلجأ في أحسن الأحوال الى تخفيض الكميات المصدرة الى تلك البلاد المفلسة العاجزة عن الدفع.

وتعتبر أوزبكستان فريدة بين دول آسيا الوسطى الخمس لأنها استطاعت استغلال عدد من المميزات، فباعتبارها المنتج الرئيسي للذهب والقطن، وجدت سهولة في اعادة توجيه انتاجها إلى الأسواق العالمية،وأصبحت جزءا من النظام المالي العالمي، الأمر الذي مكنها من تعويضها عن خفض الموارد التي كانت تتلقاها من جمهوريات أخرى في الاتحاد السوفييتي السابق وباستثناء اوزبكستان استطاعت دول آسيا الوسطى استخلاص درجة صغيرة من السيطرة على حجم وهيكل الاستثمار الرأسمالي.

وكان نطاق التراكم الوطني يتحدد بواسطة العمليات الجارية في الاتحاد الفيدرالي الروسي الذي كان في السابق يشكل نواة الاقتصاد السوفييتي، ويضخ الموارد الاستثمارية ـ طوال عدة عقود ـ إلى آسيا الوسطى وكازاخستان.ويرى الباحث ان الموقف الذي لا يقل تعقيداً عن العوامل الأخرى هو موقف قوة العمل فقد حققت جميع الدول الخمس معدلاً عاليا في النمو السكاني.

ونظريا على الاقل ينبغي ألا تعاني أي منها نقصا في العمالة، ومع ذلك ينبغي ان يؤخذ في الاعتبار عمليات الهجرة الكثيفة التي نشطت في تلك المنطقة منذ سنوات، فخلال الفترة بين 1990 و1993 بلغ تدفق المهاجرين من كازاخستان إلى روسيا وحدها بمعدل 700. 307 آلاف نسمة يمثلون 9. 1% من مجموع السكان و4. 3% من قوة العمل في الجمهورية عام 1989.

وهذه هي الأرقام بالنسبة للجمهوريات الأخرى 258 ألفا وثمنمئة من أوزبكستان (3. 1 % من مجموع السكان و7. 2% من قوة العمل)، و187 ألفا وخمسمئة من طاجيكستان (2. 3% من مجموع السكان و8. 7% من قوة العمل)، و175 ألفا وأربعمئة من قيرغيزستان (1. 4% من مجموع السكان و2. 8% من قوة العمل)، و28 ألفاً وأربعمئة من تركمانستان (8. 0% من مجموع السكان و6. 1% من قوة العمل)،

ويجب ملاحظة أن هذه البيانات تعكس فقط المهاجرين الذين أمكن حصرهم في الإحصائيات الروسية الرسمية التي تميل في العادة إلى تخفيض نطاق الهجرة الحقيقي بهامش كبير، وإذا كان لنا أن نصدق إحصائيات كازاخستان الرسمية فإن صافي عدد النازحين ما بين 1990 ـ 1994 ارتفع إلى 973 ألفاً (9. 5% من مجموع السكان و7. 10 % من قوة العمل).

والملاحظ أن الذين يهاجرون من آسيا الوسطى هم من السكان الذين هم في سن العمل وأصحاب المؤهلات العليا. وهذه الهجرة الجماعية الكثيفة لأصحاب الخبرة تخلق ضغطاً هيكلياً على قطاع الاقتصاد الحديث، والواقع ان هؤلاء السكان النازحين من آسيا الوسطى وجدوا وظائف في الصناعة والخدمات الحديثة، ووفقاً للبيانات الخاصة بجمهورية كازاخستان في عام 1993 مثلاً.

نجد أن السكان الذين ليسوا منها يشكلون غالبية الذين تم توظيفهم في الصناعة (76%) وفي الإنشاءات (78%)، وفي المعلومات خدمات الكمبيوتر (78%) والمواصلات (69%) والتجارة (67%) وفي خدمات التقنية والمواد (67%) والاتصالات (64%) ويرى جوكوف ان الموقف في آسيا الوسطى بالنسبة للهجرة يماثل الهجرة الجماعية في أوائل ستينات القرن الماضي في الجزائر عندما أدت هجرة عدة ملايين من الفرنسيين إلى شلل تام في عدد من فروع الاقتصاد الجزائري، ولكن لا شك في أن النتائج في آسيا الوسطى أكثر خطورة.

ويحدد جوكوف ثلاثة عوامل تحدد مسار التنمية في تلك المنطقة، أولاً الهجرة الجماعية للروس من آسيا الوسطى لأنهم هم الذين يمكنون قطاعات الاقتصاد الحديثة من العمل.

والعامل الثاني: الحد الحاسم من دور روسيا كدولة مانحة. غير ان روسيا لم تعد تستطيع ضخ موارد الطاقة والمواد الخام والسلع الاستهلاكية إلى المنطقة دون أن تلحق ضرراً مؤلماً لا خلاص منه باقتصادها وبيئتها.

ويتخلص العامل الثالث في ارتفاع معدل النمو السكاني في آسيا الوسطى الذي شكل عبئاً إضافياً خطيراً على الموارد الاقتصادية النادرة أصلاً، والتي تتضمن الأراضي في المقام الأول وفي رأي الباحث أن تلك الدول لن تستطيع استعادة مستوى نشاطها الاقتصادي في العهد السوفييتي الأخير قبل الفترة من العام 2015 إلى 2020.

* النخبة الحاكمة

وبالنسبة لثروة المنطقة من النفط والغاز الطبيعي، يرى الباحث أن النخبة الحاكمة الجديدة تحتاج بشدة إلى البحث عن مصادر لإدامة النمو الاقتصادي.

وتدرك تلك النظم جيداً أن المستقبل الاقتصادي والسياسي لكل من كازاخستان وتركمانستان يعتمد اعتماداً كاملاً على قدرتهما على إدراك قدراتهما في مجال المواد الخام. ونتيجة لذلك وضعت كلتا الدولتين برامج طموحة لزيادة استخراج وتصدير النفط والغاز الطبيعي وظهور مصدّرين كبار يهدد بحدوث إغراق خطير لأسواق العالم بهاتين المادتين، مما سيؤثر بالتالي على المصالح الوطنية لكثير من الدول والمؤسسات الكبرى العابرة للقارات.

ومن العسير التنبؤ بنتائج الصراع الدولي الشرس للحصول على حق استغلال هذه الموارد الطبيعية، ولكن تلك المنافسة سوف تؤدي بلا شك إلى تأخير محاولات كازاخستان وتركمانستان للاستفادة من قدراتهما، بالاضافة إلى ان المشاكل التقنية الاقتصادية جراء استخراج تلك الموارد، تعني ان تصدير المواد الهيدروكربونية على نطاق كبير من هاتين الدولتين لن يبدأ قبل الفترة من أواخر هذا العام 2005 حتى عام 2010.

وكذلك يجب التنبه إلى العودة التي لا مفر منها لعدة منتجين كبار إلى الأسواق العالمية (مثل العراق وايران وليبيا) بالاضافة إلى التزايد المستمر في الكميات المصدرة من دول مثل روسيا واندونيسيا.

ويصل بنا حديث جوكوف إلى مقال آخر عنوانه: اوزباكستان والطريق الوطني إلى السوق، وصاحبه هو رستم دوسوموف رئيس دائرة الادارة والتسويق الصناعي في جامعة طشقند للتقنية.

وتقع اوزبكستان في وسط آسيا الوسطى، وقد اعلنت جمهورية مستقلة ذات سيادة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وكانت قبل ذلك جزءا مكملاً لما يسمى الاقتصاد الكلي للاتحاد» وبذلك كان دورها الاساسي هو ان تكون القاعدة الاساسية للمواد الخام مما ادى بها إلى تبادل اقتصادي غير متكافئ، والى اتباع التعليمات المفروضة من السلطات المركزية في موسكو، ثم اصبح ضروريا بعد الاستقلال اختيار حكومة واستراتيجية للنمو الاجتماعي والاقتصادي تمكنها من التحول إلى علاقات السوق، واقتضى مسار التحول إلى اقتصاد السوق تركيبة من الخبرة الأجنبية مع خواص الجمهورية الديموغرافية والاجتماعية ـ الثقافية والاقتصادية وغيرها.

وفي شرحه لوضع أوزبكستان الجغرافي والاقليمي يستعين الباحث بالأرقام اذ تغطى اراضيها مساحة قدرها 447400 كيلومتر، ويبلغ مجموع طول حدودها 5300 كيلومتر، ويمر جزء كبير منها عبر الصحارى والسهول فيما عدا الحدود الشرقية وحدها التي تمر عبر وديان ووهاد وجبال،

وهنا تشترك حدود اوزبكستان مع طاجيكستان وقيرغيزستان. اما في الشمال تصبح حدودها طويلة للغاية مع كازاخستان، وفي الغرب مع تركمانستان، ثم تقع حدودها المشتركة مع أفغانستان في الجنوب. ويتكون ثلثا الأراضي الاوزبكية، من مناطق صحراوية، وشبه صحراوية، وسهول الاستب، والثلث الباقي تغطيه وديان خصبة.

* تعقيدات اثنية

وتشير المعالم الديموغرافية لتلك الجمهورية إلى وجود جذور تاريخية عميقة وتعقيدات اثنية كبيرة. وتمتد هذه الجذور إلى عدة قرون سابقة، وتبين مدى اكتمال ووحدة وتفاعل العملية الشاملة بالنسبة لتطور شعوب آسيا الوسطى الديموغرافي والاجتماعي، ففي احصائيات عام 1991 نجد ان الاراضي الاوزبكية، تضم من السكان 7. 20 مليون نسمة كانوا يمثلون اكثر من مئة من الدول والجنسيات، وكانت اكبر مجموعة اثنية هي الاوزبك (70%)، ثم الروس (9%)، يليهم الكازاخستانيون (4%) وآخرون (2%).

وتبلغ نسبة أهل الريف الوطنيين نحو 60% الامر الذي ادى إلى تغليب الطابع الزراعي على حياتهم الذي لا يعرف الانتقال من مكان لآخر، مع الارتباط القوي بالمناطق التي ينتمون اليها والاهتمام بكثرة الاطفال، اذ يقول أحد أمثالهم: «اذا فقدت واحدا من العائلة أو صهرا لك فسوف تبكي سبع سنوات، واذا فقدت ارضك ستبكي طوال عمرك كله».

وقد أدى ارتفاع نسبة المواليد إلى زيادة كبيرة في سكان اوزبكستان بحيث اصبحت تلي روسيا وأوكرانيا من بين دول الاتحاد السوفييتي السابق.

ويشير البحث إلى أن الخصائص الديمغرافية في أوزبكستان كان لها أيضاً أثرها على البنية الاجتماعية فنجد مثلاً ان نسبة 1. 43% من السكان تحت الخامسة عشرة من العمر مقارنة بنسبة 24% في روسيا وبلاروسيا، و2. 33% في كازاخستان. ثم يستعرض الباحث رستم دوسوموف الاحوال الاقتصادية المختلفة، وخاصة التجارة والزراعة، بادئاً بما كانت عليه أوزبكستان في ظل الاتحاد السوفييتي وما تلا ذلك.

وفي رأي دوسوموف فإن وضع نهاية للتدهور الاقتصادي وتحقيق الاستقرار يعتمد، الى درجة كبيرة، على كيفية حل مشاكل عدة على نطاق واسع وكامل، من بينها الغاء التأميم والخصخصة وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتعزيز العملة الوطنية، وتوفير الحماية الاجتماعية للسكان عامة. ويضاف إلى ذلك شرط مهم لأي تغيير كيفي، وهو المزيد من «دمقرطة» المجتمع واحترام حقوق وحرية الفرد.

ويضيف الباحث شرطاً آخر مؤداه ضرورة إعداد سيناريو لمستقبل الاقتصاد في تلك الجمهورية سواء كان ذلك على الاساس المتشائم أو المتفائل، ويجب على «المنهج المتشائم» ان يبدأ بافتراض ان المستقبل سوف يكرر أحداث الماضي، وهذا المنهج يرفض ما يسمى «العلاج بالصدمات» رفضاً تاماً، وكان متغير التنمية هذا قد سبق اتباعه في بولندا ودول أوروبية معينة.

وفي هذه الحالة يضع المنهج التشاؤمي فرضية تقول: اذا سلمنا بنجاح اوزبكستان في دخول الأسواق المالية والتجارية العالمية، وزادت من احتياطي الذهب لديها، وتوفرت لديها فرص مناسبة للتوسع في التجارة الخارجية، فإن البلاد لن تعاني من نقص الموارد الاستثمارية بما فيها تلك الواردة من الخارج، ولكن الموقف سيزداد تعقيداً بالنسبة لعامل المواد الخام مثل المعادن، وخاصة في الفروع التي كانت مرتبطة بشدة باقتصاد «كل الاتحاد» مثل صناعة الآلات والكيميائيات.

وكذلك في بعض الفروع الجديدة مثل صناعة المركبات والالكترونيات والأجهزة اللاسلكية، وهي فروع تضررت بفعل التقلبات الراديكالية في السوق العالمي، ويترافق مع ذلك تحول عامل «قوة العمل» إلى مشكلة حيث يصبح من الصعب تزويد الفروع الصناعية بالعمالة المؤهلة مثل الصناعة الثقيلة والبناء والمواصلات. وسبب هذا النقص هو هجرة الروس والأقليات الوطنية الأخرى، والتي نشأت بدورها بسبب تدهور مستوى الحياة والظروف الاجتماعية.

أما «المنهج المتفائل» فإنه يفترض ان الحكومة سوف تشرع في اعتماد برنامج جسور لإعادة هيكلة الصناعة الثقيلة والخفيفة أيضاً، وصناعة المعالجة الصناعية للأغذية، وسوف تشرع الحكومة أيضاً في تنفيذ إصلاحات واسعة في الزراعة، وهيكلها، والمعالجة الصناعية لمنتجاتها.

كذلك يفترض ذلك المنهج أيضاً إمكانية العثور على حل أساسي لمسألة المشاريع التي لا تحقق ربحاً، ووقف الدعم المالي لها، وتنظيم مبيعاتها للناس ووجوب العمل بجد أكبر لتوسيع دائرة الاصلاحات الاقتصادية وضرورة تحديد الحكومة لموقفها بوضوح تجاه التوظيف وانتاجية العمالة، وتقديم حوافز مادية أكبر، فاذا ما تحقق كل ذلك، فسوف تحقق الجمهورية الاستقرار الاقتصادي من خلال اصلاح هيكلي أساسي وتنفيذ مشروعات وبرامج مهمة. ويتطلب تنفيذ المتغير المتفائل ان تحقق الحكومة الأهداف التالية:

(1) الحدّ من التضخم

(2) فرز وتصحيح الأولويات في استراتيجية التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

(3) إعادة فحص سياسة خصخصة الممتلكات وظروف التوسع فيها.

(4) زيادة وتوسيع دور التقدم العلمي ـ التقني في تعزيز الاستقرار الاقتصادي.

(5) دعم قيمة العمل باعتباره «أباً للثروة» وذلك بزيادة الأجور والمرتبات.

(6) منح الأولوية لإنشاء الأعمال الصغيرة.

وفي ختام البحث، يقول صاحبه: يبدو أن الإصلاح الاقتصادي يتطلب درجة عالية من المهارة المهنية والانتماء الوطني من جانب الموظفين لأن الإعداد التعليمي ضعيف، ومع ذلك، فمن الضروري جذب المتخصصين وخاصة في مجال مشاكل الإدارة، فضلاً عن الحاجة إلى إعداد البرامج والخطط التنبؤية من أجل التنمية الاجتماعية ـ الاقتصادية وينبغي ألا تكون تلك الوثائق مجرد تعليمات غامضة بل يجب أن تكون توصيات محددة لتنسيق العمل.