تركز هذه الحلقة على الوضع الاقتصادي في دول آسيا الوسطى وتأثرها بانهيار الاتحاد السوفييتي وإعلان استقلال هذه الدول عن روسيا، وتبحث بإسهاب في الثروات الطبيعية التي تزخر بها دول المنطقة وبخاصة النفط والغاز والذهب والمعادن الأخرى، الأمر الذي يجعلها عرضة للأطماع المختلفة من دول الجوار وساحة لصراع المصالح بين القوى الإقليمية والعالمية.
وتعرج الحلقة كذلك على المشاكل التي تعاني منها دول المنطقة، مثل الاضطرابات العرقية والخلافات الحدودية والمشاكل المتعلقة بأنظمة الحكم الشمولية، ناهيك عن المشكلات الاقتصادية التي تأمل بأن تجد لها حلاً من خلال تنامي عائدات النفط والغاز.
صاحبة البحث الثاني في هذا الكتاب هي باحثة متخصصة في الاقتصاديات العالمية، بالإضافة إلى اهتمامها بآسيا الوسطى، وقد نشرت مقالات عديدة في كبريات المجلات الأكاديمية وهي تعمل الآن في معهد الاقتصاديات الدولية والعلاقات العامة الدولية، في أكاديمية العلوم الروسية، وتهتم الباحثة أوكسانا ريزنيكوفا بالشركات العابرة للقارات،
وتستهل مقالها بقولها ان الدول المستقلة الجديدة، التي خرجت من بين أنقاض الاتحاد السوفييتي السابق، باشرت على الفور عملية محاولة الاندماج في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، وتختلف مسارات وآليات هذه العملية من دولة إلى أخرى، كما تقررها في المقام الأول متطلبات السوق العالمية.
وإذا نظرنا من زاوية مصالح البنى والمؤسسات القائمة على المستوى العالمي، لوجدنا ان درجة جاذبية دمج أجزاء من محيط العالم الناشيء تختلف اختلافاً كبيراً من دولة لأخرى، وفي التحليل النهائي يعتمد اندماج كل دولة من دول ما بعد الاتحاد السوفييتي في المجتمع الدولي على تركيبة معقدة من العوامل الاقتصادية والسياسية والعسكرية ـ الاستراتيجية.
وبالنسبة لدول آسيا الوسطى، تحتل الشؤون الاقتصادية أهمية بارزة وحاسمة في تحديد شكل وإيقاع اندماجها في الاقتصاد العالمي والفضاء السياسي، كما أن الثراء الهائل الحالي في المواد الهيدروكربونية الخام التي لم تستخرج بعد، والمعادن الثمينة، يقرر سلفاً مصير تلك الدول في المستقبل المنظور.
وهذه الموارد من المواد الخام نفسها هي التي تحدد بالذات شكل القوى والمصالح الدولية وتفاعلاتها ومواجهاتها، وسوف تمكن دول آسيا الوسطى من احتلال موقع مهم في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي في المستقبل القريب. وتتركز احتياطيات النفط والغاز في تركمانستان وكازاخستان، وتشترك هاتان الدولتان في الحدود مع أوزبكستان التي تمتلك مخزوناً أكثر تواضعاً من المواد الهيدروكربونية الخام وخاصة النفط،
ولكن أوزبكستان تعتبر واحدة من بين أكبر منتجي الذهب والفضة العالميين، وقد عثر كذلك على طبقات غنية من المعادن النفيسة في قيرغيزستان وكازاخستان وطاجيكاستان وتعرف النخبة الحاكمة في كازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان وقيرغيزستان معرفة جيدة الحقيقة التالية: يعتمد المستقبل الاقتصادي والسياسي لهذه الدول باعتبارها دولاً مستقلة، اعتماداً كاملاً على قدرتها على إدراك إمكانيات بلادها بالنسبة للمواد الخام.
وقد تبع ذلك إعلان دولتي كازاخستان وتركمانستان برامج طموحة لزيادة عمليات استخراج وتصدير النفط والغاز. وتحاول أوزبكستان مجاراتهما فقررت زيادة إنتاج الغاز الطبيعي إلى جانب القيام بحملة استكشاف واسعة النطاق لمخزونات النفط والغاز.
وفي هذا المجال فاقت اوزبكستان تركمانستان وأصبحت الآن تحتل مكانة ثاني أكبر منتج في عالم ما بعد السوفييت «ولا تسبقها إلا روسيا». وفي نفس الوقت فتحت أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان سواء كليا أو جزئياً ـ أبواب قطاع مناجم الذهب للاستثمار والتنمية أمام رأس المال الأجنبي.
ولكن كيف السبيل إلى دخول الأسواق العالمية؟
تشير الباحثة أوكسانا ريزنيكوفا إلى عدد من العوامل الموضوعية التي ترى أنها كفيلة بتوفير الظروف الملائمة لتحقيق ذلك الهدف ومن أهم تلك العوامل بالنسبة للنفط والغاز توفر شروط تتعلق بمدى العمق وارتفاع الضغط ومنطقة التخزين، بالإضافة إلى درجة التآكل واللزوجة والاحتواء على الكبريت.
وتفرض هذه الشروط بالنسبة لنفط آسيا الوسطى استخدام أحدث التقنيات، وهذا بدوره يتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، كذلك يحتاج تطوير مناجم الذهب في تلك الدول إلى تقنيات متقدمة وموارد مالية هائلة وترى الباحثة أن هذين العاملين كليهما ـ التكنولوجيا المتقدمة ورأس المال الاستثماري ـ يتوفران فقط في مؤسسات أميركا وأوروبا الغربية واليابان.
*الشركات العابرة للقارات
والعامل الثاني في تهيئة الظروف لدخول الأسواق العالمية تلخصه الباحثة ريزنيكوفا في ضرورة الأخذ في الاعتبار آليات استهلاك الطاقة بعيدة المدى في المراكز الرئيسية للاقتصاد العالمي، ويتمثل جوهر هذا العامل في تنويع مصادر النفط والغاز الذي تطلبه أساساً أوروبا الغربية، واليابان، وربما الصين «في حالة ما اذا استطاعت الاستمرار في تحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع».
ويشكل الهيكل الجغرافي للتوزيع في صناعة النفط العالمية عاملاً آخر، ومن المنطقي افتراض ان تخفيض نفقات الإنتاج إلى أقصى حد يجعل التنمية في المنطقة تعتمد على أقصى درجة على نظم الأنابيب والموانيء، ومنشآت التكرير القائمة، والعامل الأخير هو ان التنافس مع مناطق أخرى في العالم غنية بالمواد الخام الهيدروكربونية يفرض قيداً آخر فالشركات الرائدة العابرة للقارات تتبع استراتيجيات شاملة صممت للسيطرة على النفقات وزيادة الأرباح الى الحد الأقصى،
وفي الوقت نفسه ينبغي ان يوضع في الاعتبار عامل آخر وهو أن حجم الموارد التي يمكن ان تحشدها القوى الكبرى في صناعة النفط والمؤسسات المالية العالمية، في فترة محددة من الزمن، هو حجم محدود مع ذلك، وقد ظهر بوضوح الدور القيادي لشركات النفط الأميركية والأوروبية الغربية في استغلال قدرات دول آسيا الوسطى.
وتركز بؤرة اهتمامهم الرئيسي على كازاخستان وتركمانستان، ووفقاً للتقديرات الحكومية لحجم الاستثمارات الأجنبية الموظفة في مشروعات في كازاخستان فقد تجاوز هذا الحجم بحلول بداية عام 1995 مبلغ 42 مليار دولار، وبالمثل تقدر حكومة تركمانستان أنه بحلول عام 2020 سوف يكون قد تم استثمار أكثر من 300 مليار دولار في قطاع النفط والغاز الطبيعي والمشروعات المتعلقة به،
وقد أدت المصالح الاقتصادية للمؤسسات الساعية إلى استخراج الوقود والذهب، إلى دفع الدول الغربية إلى تبني سياسة أكثر فاعلية فيما يخص دول آسيا الوسطى وفي مقدمتها كازاخستان وفيرغيزستان، ومن بين جميع تلك الدول، حققت هاتان الدولتان أعلى مستوى من التعاون مع الغرب.
وانعكس هذا الاتجاه أيضاً في تنسيق سياستهما الاقتصادية مع صندوق النقد الدولي الذي وقعتا معه عدة اتفاقيات. ومازال الأمر الأكثر دلالة هو الاتفاقية التي كرست علاقات شراكة بين الولايات المتحدة وكازاخستان وعلى عكس ذلك نشأت اتصالات في المقام الأول مع القطاع الخاص وعبر جماعات اللوبي ذات النفوذ التي تضم عدداً من كبار الساسة الغربيين السابقين.
اهتمام متزايد
وفي الوقت نفسه اجتذبت آسيا الوسطى اهتماماً زائداً وملحوظاً من تركيا وإيران وباكستان والمملكة العربية السعودية.وفي رأي الباحثة ريزنيكوفا ان ذلك الاهتمام يرتبط قبل كل شيء بالمصالح الاقتصادية، فالسعودية تهتم بالقدرة المتنامية على التنافس لدى منتجي النفط والغاز الجدد، بينما تهتم باكستان بإمكانية تنشيط نموها الاقتصادي عن طريق خفض نفقات استيراد المواد الهيدروكربونية، لأنها لا تستطيع إغفال حقيقة قرب منتجي آسيا الوسطى من أراضيها من الناحية الجغرافية،
وتنطبق الأسباب نفسها على تركيا التي تستورد الكميات الرئيسية من الطاقة والوقود التي تستهلك. وتولي تركيا وإيران أهمية قصوى لاحتمال اشتراكها في نقل النفط والغاز عبر أراضيها إلى الأسواق العالمية لأنهما سوف تتقاضيان رسوم مرور كبيرة. وتعتمد باكستان على إمكانية تحول كراتشي الى المنفذ البحري التجاري الرئيسي لدول آسيا الوسطى، في حالة إنشاء شبكة طرق حديثة،
ويعتمد اندماج آسيا الوسطى اندماجاً كاملاً في الاقتصاد العالمي على مدى سرعة ونجاح الشركات الكبرى العابرة للقارات في توفير وسائل لحل المشاكل التي تواجهها في تلك المنطقة من العالم. وتتلخص المشاكل الحقيقية التي تعيق سرعة اختراق رأس المال الأجنبي فيما يلي: 1 ـ عدم الاستقرار السياسي، 2 ـ عملية بناء الدول التي لم تكتمل، وعلاقات الملكية التي لم تتحدد، 3 ـ الصراع الحاد على النفوذ والسيطرة على المجالات الاقتصادية والسياسية،
ويشير البحث إلى أن منطقة آسيا الوسطى تعاني من مشاكل عدم الاستقرار طويل المدى، فقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي الى إضعاف أعمدة الاستقرار الرئيسية في الدولة حديثة استقرارها المحلي جزئياً على الأقل ـ بتقوية أنواع مختلفة من نظم الحكم.
وشمل ذلك نظماً شمولية في أوزبكستان وكازاخستان، ونظاماً شمولياً أولياَ مستنيراً في قيرغيزستان، ونظام «زعامة» شرقية في تركمانستان، غير ان مشكلة تحقيق أمن خارجي تظل مشكلة شديدة التعقيد، فبينما تظهر دول آسيا الوسطى علامات سيادة شكلية إلا انها لا تملك موارد ومؤسسات كافية لحل مشكلة أمنها الخارجي، ورغم اختلاف المستويات بين تلك الدول، إلا أنه لا تتوفر لدى أي منها القدرة على الاحتفاظ بسيادتها في جميع جوانبها،
وترى صاحبة البحث ان ذلك ينطبق على طاجيكستان التي لم تستطع تعويض انهيار البنى السابقة التي كانت مهمتها ضمان الاستقرار، وأصبحت هشة أمام التهديدات الخارجية بعد تدمير اقليم الدفاع السوفييتي الوحيد، وإضعاف النظام العسكري المحلي بدفاعاته الجوية والصاروخية، وشبكة الاتصالات العسكرية، ونظام السيطرة على القوات والاتصالات وإعداد الكوادر، وجميع أشكال الدعم،
وقد تباينت قنوات نقل عدم الاستقرار إلى قلب آسيا الوسطى، بين أعمال ذات طابع عسكري، أو التدفق الهائل للاجئين، ووفقاً للبيانات المتاحة، حتى نهاية عام 1994، بلغت أعداد المهاجرين من طاجيكستان 300 ألف مهاجر في تركمانستان، و10 آلاف في أوزبكستان، و80 ألفاً في كازاخستان، و40 ألفاً في قيرغيزستان، وأصبحت الآمال في حصر النزاع العسكري محلياً في طاجيكستان ضرباً من الأوهام.
وحاولت دول آسيا الوسطى بناء نظام أمني مشترك بعد ان أدركت ضعفها الخارجي، وفي بداية الأمر كان معنى ذلك الدخول في فلك منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وفي الوقت نفسه سعت تلك الدول حديثة السيادة إلى تعزيز وضعها كدول بالاعتماد على الآليات الدولية. وساعدتها مشاركتها في النظام الأوروبي للأمن والتعاون على إقامة حاجز دفاعي في وجه أية مطامع امبريالية جديدة من جانب روسيا،
ومع ذلك اتضح سريعاً ان أيا من نظم الأمن العاملة على مستوى أعلى لا تمتلك آليات حقيقية للحفاظ على الاستقرار في آسيا الوسطى، وليس من قبيل الصدفة ان يعرب رئيس كازاخستان نور سلطان نزار باييف علنا عن خيبة أمله في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا قائلاً إنها لا تملك أية قدرات اقتصادية، أو قوات لحفظ السلام لضبط النزاعات الاقليمية.
وقد أظهرت مشكلة آسيا الوسطى أسلوبين أساسيين: الأول تبنته روسيا ويحظى بتأييد دوائر معينة في الغرب، والثاني تتبناه أولئك الذين يقترحون انتهاج سياسة خشنة مع روسيا التي يعتبرونها دولة مهزومة في الحرب الباردة، ويمكن وصف الأسلوب الذي اقترحته روسيا بأنه «تعاوني» لأنه يسعى إلى تحقيق أقصى درجة ممكنة من اشتراك جميع الأطراف المعنية في استقرار الموقف وإقامة نظام أمن إقليمي.
وعلى عكس هذا «التعاون» يبرز أسلوب «العزل» ويتضح ذلك من خلال مقال مفصل لواحد من الاستراتيجيين في عصر الحرب الباردة وهو زبغنيو بريجنسكي الذي يقترح تحويل استراتيجية «احتواء الاطماع الأيديولوجية والجيوسياسية السوفييتية» الى استراتيجية «عزل» روسيا حتى ولو ضمن نطاق الفلك السوفييتي السابق. وهذا النهج هو ببساطة محاولة لإدامة ونشر سياسة «الاحتواء» القديمة.
وهناك مصدر آخر هو ستيف لوفاين مراسل صحيفة فاينانشيال تايمز المطلع على سياسات ما وراء الأبواب بالنسبة للنفط والغاز في أنحاء العالم، وهو يعلن بصراحة ان واشنطن تعمل على ممارسة ضغوط على موسكو فيما يختص بمسألة أسواق النفط لأعضاء كومنولث الدول المستقلة.
* صراع المصالح
ثم تتناول الباحثة الروسية مشكلة تسميها واحدة من أخطر نماذج صراع المصالح بين أكبر القوى العالمية والاقليمية، وهي تتعلق بإقامة خطوط أنابيب إضافية يفترض فيها ان تربط بين آسيا الوسطى والأسواق العالمية، وهناك قضية أخرى هي وضع بحر قزوين وخاصة تقسيم الترسبات الهيدروكربونية بين الدول الساحلية.
وحل القضيتين يؤثر لا على دول آسيا الوسطى وروسيا فحسب، بل وأيضاً على كثير من الدول المجاورة وفي مقدمتها إيران وتركيا ولذلك لاسبيل إلى إيجاد حل لهما إلا على المستوى العالمي، كذلك من الضروري حل قضايا النزاع الإقليمي وفي مقدمتها جميعا النزاعات بين أذربيجان وأرمينيا، وبين جورجيا وأبخازيا، وبين روسيا والشيشان. وكل هذه المناطق أما ان تكون طرقا محتملة لخطوط الأنابيب الجديدة أو شديدة القرب منها.
وتثير هذه القضية أيضا مشاكل سياسية على مستوى أعلى بكثير. وعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة تعمل بكل ما في طاقتها لمنع توسيع العلاقات بين الشركات الأميركية وإيران، وتبذل جهوداً هرقلية جبارة لضمان عدم اشتراك إيران في كونسورتيوم نفطي في أذربيجان. وأصبح معروفا تماما ان الولايات المتحدة مصممة على عدم استخدام الأراضي الإيرانية في إنشاء خطوط أنابيب نقل الغاز الطبيعي والنفط.
وعلى نفس المنوال يسود التوتر بين تركيا وروسيا بشأن شحن المواد الهيدروكربونية من آسيا الوسطى إلى الأسواق العالمية والسؤال الذي يبحث عن إجابة هو: كيف السبيل إلى حل كل هذه المشكلات والصراعات؟ يبدو أن صاحبة البحث لم تجد إجابة على هذا السؤال غير افتراض إيجاد صفقة لحل توفيقي عن طريق إنشاء عدة شبكات من خطوط الأنابيب عبر أراضي كل من تركيا وروسيا،
وذلك لأن الحجم المحتمل لتصدير النفط والغاز يبدو ضخما إلى حد ان نقل تلك المواد سوف يحتاج إلى أكثر من طريق واحد وربما إلى ثلاثة طرق. ونتيجة لضخامة ذلك الحجم، تخطط كازاخستان لإنتاج ما لايقل عن مئة مليون طن من النفط سنويا، بينما تتوقع تركمانستان إنتاج ثمانين مليون طن من النفط ومائتين وثلاثين مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، ولدى أذربيجان نوايا مشابهة للحصول على نصيب مهم في الأسواق العالمية.
وترى أوكسانا ريزنيكوفا أن التحليل النهائي يوضح ان العامل الحاسم لن يكون في الإدعاءات السياسية لهذه الدولة أو تلك، وإنما في الحقائق المالية والاقتصادية رغم أنه لا يمكن إغفال الاعتبارات السياسية. كذلك تهيمن الاعتبارات الاقتصادية على تقرير مصير بحر قزوين. وهناك منهجان رئيسيان في تناول هذه المسألة: الأولى تتبعه روسيا وإيران باعتبارهما دولتين موقعتين على معاهدات في عامي 1921 و 1940، وكلتاهما تتحفظان إزاء أي تغييرات أساسية في الوضع القائم لبحر قزوين.
وعلى العكس تصر كازاختسان وأذربيجان على التنسيق الفوري لمناهج جديدة لتقرير وضع البحر تضع في الاعتبار الأوضاع الجيو ـ سياسية التي تغيرت نتيجة انهيار الاتحاد السوفييتي. أما تركمانستان فقد اتخذت موقفا محايداً ومن الواضح أن السبب الحقيقي الدفين، وراء المناورات السياسية والقانونية، هو الصراع على السيطرة على موارد البحر الهيدروكربونية.
وتشير الباحثة إلى مشكلة خطيرة وهي أن مستوى مياه قزوين أخذ في الارتفاع باستمرار منذ عام 1978، ويمكن لهذا الارتفاع أن يؤثر على مصيره. فقد ارتفع بمستوى الماء بنحو مترين ونصف المتر في السنوات السبع عشرة الأخيرة، وتتوقع بعض التقارير أن يرتفع المستوى مرة أخرى بالقدر نفسه بحلول عام 2020. وقد أغرقت مياه البحر أكثر من مليون هكتار من أراضي كازاخستان وروسيا، ومازالت ملايين أخرى مهددة بالغرق.
وإذا تركنا كل تلك القضايا السابقة جانبا يلفت نظر القاريء حديث الباحثة عن الشركات العابرة للقارات صاحبة النفوذ على المستوى الكوني، وهي تلمح في بحثها فرصة حقيقية متاحة أمام تلك الشركات للتأثير على مسار الأحداث ودفعها إلى الوجهات المحققة لمصالحها وتستطيع ممارسة تأثير كبير على المجال السياسي باستخدامها موارد مالية ضخمة فضلا عن وسائل الأخرى.
والأكثر خطورة من ذلك محاولات تلك الشركات لتشكيل تحالفات وائتلافات ضخمة تضم أيضا رأس المال الروسي والمحلي. ويشير البحث الذي نستعرضه إلى أن ذلك يجعل من الشركات قوة ذات نفوذ على الاقتصاديات والسياسات الإقليمية في آسيا الوسطى.
وتقول ريزنيكوفا إن النخب السياسية في تلك المنطقة بدأت منذ عام 1994 تنسى فورة سنوات الاستقلال الأولى عندما تصورت ان استخراج الموارد الطبيعية المحلية سوف يأتي بالازدهار الاقتصادي ويحول دولها إلى ما يشبه الكويت أو المملكة العربية السعودية، وبدأ رجال النخبة السياسية من أصحاب التفكير البراغماتي يدركون بوضوح أن «رأس المال يمحو الحدود» عند الاندماج.
وأخيراً، وإزاء تعدد المحاور التي يتناولها البحث، لا نملك إلا أن نستعرض سريعا وجهة نظر الباحثة ريزنيكوفا في المخاطر الجديدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وتقول الباحثة إن تشكيل منطقة، عدم استقرار منتشرة ببطء بالقرب من حدود قوة عظمى سابقة، يجعل من الضروري إعادة النظر في مشاكل الأمن في زمن ما بعد العالم ثنائي القوة. ومن الممكن ان يصل تركيز المخاطر المحتملة على المستوى الدولي، إلى مستوى شديد الخطورة، وفي منطقة آسيا الوسطى بالتحديد.
وتلخص الباحثة المخاطر الرئيسية في آسيا الوسطى فيما يلي:
1 ـ انتشار الأسلحة النووية، مما يهدد بنسف معاهدة منع الانتشار النووي عام 1970.
2 ـ الانتشار التدريجي لتقنيات إنتاج الأسلحة الكيميائية.
3 ـ نمو المطالبات والصراعات الاقليمية التي تنذر بإشعال حريق على مستوى واسع النطاق.
4 ـ انتشار تجارة المخدرات.
5 ـ انتشار الإرهاب الدولي.
6 ـ حدوث مجاعة عامة لا يمكن السيطرة عليها.
7ـ التطهير العرقي والنزعة القومية العنيفة والعدوانية.
8 ـ كوارث تقنية وبيئية.
والواضح أن هذه المشاكل تعرض للخطر الدول القريبة والمجاورة في المقام الأول.. وفي الوقت نفسه تحمل كلها طابعا عالميا وتهدد الاستقرار العالمي.. وفضلا عن ذلك فإنه كلما زادت هشاشة الموقف في تلك المنطقة قد تتحول تلك المخاطر من كونها مجرد احتمال إلى أمر حقيقي، وفي العادة يفترض البعض أن خلخلة الاستقرار تؤثر على حكومات تلك المنطقة وروسيا.
وهو افتراض قصير النظر لأن المخاطر الحقيقية لعدم الاستقرار في آسيا الوسطى تمتد أيضا الى العالم الإسلامي وخاصة إلى أفغانستان وباكستان، فضلا عن إمكان امتداده إلى آسيا والمحيط الهادئ.