يشير محرر هذا الكتاب في هذه الحلقة إلى الأطماع الصينية في بعض الأقاليم في آسيا الوسطى وبخاصة المناطق القريبة من حدودها، حيث يصر بعض المؤرخين الصينيين على اعتبار بعض المناطق في كازاخستان وقرغيزستان تابعة للصين تاريخياً.
ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن موقف الولايات المتحدة من منطقة آسيا الوسطى التي بات لها نفوذ قوي فيها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحصول دول المنطقة على الاستقلال، ويتمحور اهتمام أميركا بالمنطقة حول ثرواتها الطبيعية الغنية من النفط والغاز والمعادن إضافة إلى موقعها الاستراتيجي القريب من الأماكن الحساسة للمصالح الإستراتيجية الأميركية.
بينما تلتزم بكين الصمت ولا تتحدث علناً عن ماضي إمبراطورية الصين في آسيا الوسطى، نجد أن علماءها ومؤرخيها يسعون في بعض المطبوعات إلى تبرير ادعاءات الحق الصيني في أراضي الاتحاد السوفييتي السابق في الشرق الأوسط.
وتؤكد هذه المطبوعات أن الصين المعاصرة هي الوريث التاريخي لإمبراطورية الصين في العصور الوسطى، وتدعي أن جميع الدول التي لها روابط تبعية مع شعب هان، كانت جزءًا لا يتجزأ من الإمبراطورية الصينية «الموحدة ومتعددة الأعراق».
ويضم المؤرخون إليها شعبي كازاخستان وقرغيزستان، وجماعات إثنية مختلفة أخرى تقطن آسيا الوسطى. وتعيد تلك الدراسات التاريخية تقييم معاهدات القرن التاسع عشر مع روسيا القصيرية بشأن تقسيم آسيا الوسطى، وتشير الدراسات دون حرج إلى ما تسميه: «الأقاليم الصينية في آسيا الوسطى»، وتعمل جميع الدراسات بالطبع على تبرير الادعاء بأن آسيا الوسطى تنتمي إلى منطقة النفوذ الصيني.
وبعد توصل البحث الأول الذي كتبه بوريس رومر، الباحث ومحرر الكتاب، إلى هذه النتيجة ينتقل إلى النظر في موقف الولايات المتحدة الأميركية التي يرى أنها قد أصبح لها وزن كبير في تلك المنطقة، في الوقت الحاضر، بينما يهتم زعماء دول آسيا الوسطى اهتماماً كبيراً بمعرفة ردود فعل واشنطن إزاء أي إجراء قد يتخذونه.
ويبذل المحللون في تلك الدول جهداً كبيراً في متابعة السياسة الخارجية الأميركية. وتوجهاتها إزاء بلادهم. ويعتقد البعض أن أميركا تعتبر آسيا الوسطى ذات أهمية هامشية بالنسبة لاستراتيجيتها الكونية ومصالحها الدفاعية، وإمدادات النفط، واحتواء انتشار الأصولية الإسلامية.
ولكن آخرين يعارضون هذا الرأي ويرون أن للمصالح الأميركية في تلك المنطقة أهمية فائقة. ويبدي خبراء السياسة في موسكو حساسية خاصة إزاء النوايا الحقيقية للولايات المتحدة .
وهم يعتقدون أنها تبذل بإصرار جهداً لكسب موطئ قدم في آسيا الوسطى، يعتمد في المقام الأول على برامج وكالة التنمية الدولية، ومن خلال القروض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكذلك من خلال برنامج «الشراكة من أجل السلام» التابع لحلف الناتو.
ويتطابق هذا الرأي مع ما جاء في تقرير للمجلة الأسبوعية «موسكو نيوز» عن الرحلة التي قام بها وليام بيري وزير الدفاع الأميركي في إبريل عام 1995، وقد ذكرت المجلة ـ نقلاً عن مصادر موثوق بها ـ أن كل هذا «يمثل بداية تعاون عسكري ـ تقني مع سلطات كازاخستان وأوزبكستان، وتسلل فعال للولايات المتحدة إلى تلك المنطقة».
ونشرت وسائل الإعلام تقارير مثيرة تفيد بأن واشنطن تدرس خططاً لإرسال حرس السواحل الأميركي لحماية شواطئ كازاخستان على بحر قزوين، وأن قادة الناتو يقترحون إرسال فرقة مشاة إلى جبال قيرغيزستان. ويستشهد صاحب المقال بتحذير وجهه أحد المعلقين السياسيين في موسكو مؤداه أن الولايات المتحدة ـ بشكل مباشر أحياناً.
وتحت ستار الناتو والأمم المتحدة أحياناً أخرى ـ تعمل بنشاط في الجنوب السوفييتي السابق، وتستهدف بأسلوب منهجي طرد روسيا خارج هذه المنطقة. ويدعي المعلق أن واشنطن تسعى لتحقيق ميزة إستراتيجية لا سابقة لها إما عبر وسائل سلمية أو بالحد الأدنى من استخدام القوة العسكرية.
ويضيف المعلق أن الولايات المتحدة، بتحقيق وجودها العسكري في آسيا الوسطى، تعمد ضمناً إلى دعم موقفها الإستراتيجي بالنسبة للصين وإيران والعراق وأفغانستان وباكستان والهند وروسيا نفسها بطبيعة الحال.
ويذكر نفس المعلق أن واشنطن تريد السيطرة على المنشآت النووية والصاروخية السوفييتية السابقة، بما في ذلك مركز رواد الفضاء في بايكونور، فضلاً عن المواد الخام التي تزخر بها المنطقة (وخاصة النفط) ثم تحرم روسيا منها.
* شطط في الخيال
غير أن الباحث بوريس رومر يعترض على هذه الآراء ويعتبرها نوعاً من الشطط في الخيال من جانب المحللين الجيوسياسيين في موسكو، ويرى أن الطموحات الأميركية في تلك المنطقة، أكثر تواضعاً ويتساءل: هل تريد الولايات المتحدة حقاً طرد روسيا من آسيا الوسطى؟
فيجيب قائلاً: يبدو أن واشنطن ليست لديها سياسة واضحة بالنسبة لميول السيطرة أو التحرير في موسكو التي ليست لديها نية التخلي عن سيطرتها العسكرية ـ السياسية والاقتصادية على مستعمراتها السابقة، فمن جهة تبدي الولايات المتحدة وحلفاؤها أعضاء حلف شمال الأطلسي رغبة في الاعتراف بالمصالح الروسية في آسيا الوسطى.
ومنح موسكو دورا في ضمان الاستقرار ودوام الأمر الواقع في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك يوفر دور موسكو المهيمن في أوراسيا توازناً في قوتها الآخذة في التدني في أوروبا، أو بمعنى أكثر دقة يوفر نوعاً من المقايضة بتعويض روسيا مقابل توسع حلف الأطلسي إلى الشرق.
ومن جهة ثانية تعارض واشنطن وحلفاؤها أية محاولة تقوم بها روسيا لتقوية نفسها عن طريق إعادة الاندماج مع آسيا الوسطى، ذلك لأن الولايات المتحدة وحلفاءها يخشون تزايد نفوذ القوى العدوانية الإمبريالية الجديدة في موسكو، ويرفضون في الوقت نفسه محاولة الكرملين الإبقاء على سيطرته على موارد النفط والغاز الطبيعي في آسيا الوسطى.
وتبدو بوضوح تناقضات وازدواجية سياسة واشنطن في آسيا الوسطى في كتابات كبار خبراء الجيو ـ استراتيجيا الأميركيين، من ذلك مثلاً أن زبغنيو بريجنسكي كتب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مقالاً يقول فيه:
«الآن أصبحت الولايات المتحدة قادرة لأول مرة على (حقن) وجودها السياسي في جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفييتي الجديدة في أوراسيا وعلى مدى المسافة حتى حدود الصين، بالإضافة إلى السيطرة على منطقة الخليج على الحواف الجنوبية لأوراسيا» .
وفي مناسبة أخرى يقول بريجنسكي: «لا تستطيع الولايات المتحدة أن تلعب دوراً حاسماً» في آسيا الوسطى. ويشير بوريس رومر إلى أن أهم الجوائز في تلك المنطقة، هي المخزون الهائل من النفط والغاز الطبيعي في كازاخستان وتركمانستان المطلتين على بحر قزوين.
وتحتدم المنافسة هنا لا على حق استغلال تلك الموارد فحسب، بل وكذلك على الطرق التي تمر بها أنابيب النفط وعبر أية أراضٍ، وكل هذه الأمور تصطدم بالمصالح الحيوية للعديد من الدول وأكبر شركات النفط والغاز العالمية.
ولذلك يرى صاحب المقال أن واشنطن أبدت حذراً شديداً تجاه أي تورط استراتيجي في آسيا الوسطى لأن التحليلات تبين فداحة تكاليفه ومخاطره لأن تلك المنطقة المتفجرة تقع على مفترق طرق القوى الرئيسية المتنافسة على الساحة السياسية العالمية.
ومع ذلك أبدت الإدارة الأميركية تصميماً واضحاً على مد نفوذها ليشمل استخراج ونقل النفط والغاز الطبيعي، وقامت بمواجهة موسكو دفاعاً عن مصالح شركات النفط الأميركية. وقد لقيت رحلة ويليام وايت وزير الطاقة الأميركي في مايو 1995 اهتماماً كبيراً من عواصم آسيا الوسطى وموسكو.
وبشكل خاص عندما أخذ الوزير يحث جمهوريات تلك المنطقة على النظر إلى نفسها باعتبارها منتجة عالمية مهمة للنفط والغاز الطبيعي في المستقبل القريب، ويحرضها على التعامل مع روسيا وإيران باعتبارهما منافستين لها. كذلك أيدت واشنطن اقتراحات لدول آسيا الوسطى لتجاوز روسيا في نقل نفطها وغازها الطبيعي إلى الأسواق الأجنبية.
وفي فبراير 1995 أعلنت وزارة الخارجية الأميركية رسمياً دعمها لاقتراح بإنشاء خط أنابيب جديد يمر عبر تركيا لا روسيا وقد كتب ستيف لوفاين في مجلة نيوزويك تقريراً يقول فيه: ذكرت مصادر وزارة الخارجية لمجلة نيوزويك أن النهج الجديد، الذي وضعه مجلس الأمن القومي، تم تصميمه لكي يكسر قبضة روسيا على تصدير نفط آسيا الوسطى وذلك لتحقيق هدفين هما:
المساعدة في ضمان بقاء الدول المستقلة في المنطقة، وحماية المصالح الأميركية المشتركة وأما موسكو فقد مارست كل الضغوط الممكنة لضمان مرور خط الأنابيب عبر أراضيها وأبدت صحيفة «نيويورك تايمز» ملاحظة مفادها أن النتائج العملية ما زالت في حدودها الدنيا وأن الاحتمال الأكبر ان يبقى النفط مدفوناً في باطن الأرض لعدة سنوات.
وفي رأي الصحيفة ان هناك توازناً بين الأطراف المتنافسة، وأن الجمهوريات الجديدة المطلة على بحر قزوين تفتقر إلى التنظيم، وأن الاحتياطيات وفيرة وموجودة في كل مكان، ولهذه الأسباب، فإن اتجاه السياسة الأميركية ما زال مجرد احتمال وليس قراراً. وقد يحتاج إنهاء النزاع إلى تسوية توفيقية.
* الخوف من البلقنة
يلاحظ قارئ البحث الطويل الذي استهل به رومر الكتاب ترديده لكلمة الاستقرار أكثر من مرة وفي أكثر من موضع من بحثه، ثم يعود بعد حديثه عن علاقات دول آسيا الوسطى العالمية، إلى تناول الصراعات الإثنية الدموية بين أوزبكستان وقيرغزستان التي كانت قد تفجرت قبل انهيار الاتحاد السوفييتي بوقت قصير، فضلاً عن الحرب الأهلية التي نشبت في طاجيكستان. ويرى الباحث أن تلك الصراعات هي أساس الشعور بالخوف من بلقنة آسيا الوسطى.
ويعبر بوريس رومر عن اعتقاده بأن هناك خمسة عوامل لعبت دوراً حاسماً في الحفاظ على استقرار آسيا الوسطى: العامل الأول تقوية وتماسك النظم الشمولية التي التزمت بقوة بالمحافظة على الحدود الحالية القائمة، والتي اتخذت إجراءات صارمة لتجنب الصراعات الإثنية الداخلية، والعامل الثاني اقتصادي، فقد استطاعت دول آسيا الوسطى تجنب انهيار اقتصادي شامل، بتكثيف صادراتها من المواد الخام والمعادن.
والاقتراض من المؤسسات المالية الدولية، والحصول على استثمارات من مؤسسات غربية، وخاصة من أجل استكشاف واستخراج النفط والغاز الطبيعي، والحفاظ على الروابط الاقتصادية وتجديدها مع روسيا وبين الجمهوريات السوفييتية السابقة. ويتمثل العامل الثالث في تأثير المذبحة التي وقعت بين الأخوة في طاجكستان المجاورة والتي طحنت شعبها وعرضته للمعاناة.
وقد دفعت تلك المأساة بقية دول المنطقة إلى الاتزان وعدم التطرف. وكان العامل الرابع هو خطر الحركات الإسلامية الراديكالية رغم أنها لم تكن قد امتدت بعد إلى جمهوريات آسيا الوسطى. أما العامل الخامس والأخير فهو الرغبة الواضحة لدى أقوى جارين (روسيا والصين)، والعمل بدلاً من ذلك على دعم النظم القائمة.
ومن الخطأ الاعتقاد بدوام هذه العوامل واعتبارها ضماناً للسلام يعتمد عليه، وكما تشير صحيفة «الإيكونومست» فإن الدولتين تلعبان دوراً مهماً في السياسات العالمية، وتؤكد الصحيفة أن «الشكل الاستراتيجي للكون سيظل محكوماً بالقرارات المتخذة في أميركا وروسيا والصين.
ويتساءل صاحب البحث: هل يعد التقارب الصيني ـ الروسي، تطوراً بعيد المدى؟
ويجيب بأن مجموعة من خبراء السياسة الخارجية ذوي النفوذ في موسكو تشعر بالشك، وترى أن مسألة إمكانية أو احتمال وجود خطر عسكري من الصين مسألة جدية تقلق أمن روسيا القومي.
ويعتقد هؤلاء الخبراء أن السبب الرئيسي لنشوب نزاع ممكن مع الصين يتمثل في الزيادة السكانية المتصاعدة في الصين، وانخفاض الكثافة السكانية في سيبيريا والشرق الأقصى، ويتنبأ الخبراء بأن النمو المتزايد في الصين سوف يدفعها إلى التوسع الخارجي.
ورغم البرود الذي يسود العلاقات الأميركية ـ الروسية، يرى رومر ميلاً عاماً من الطرفين لتحسينها، ويعبر عن اعتقاده بأن موسكو لن تعود إلى سياسة المواجهة القديمة مع الولايات المتحدة، حتى لو جاء إلى السلطة في روسيا «الوطنيون القوميون» والمعادون للغرب وأميركا.
وحتى لو انضمت دول أخرى من الكتلة الشرقية السابقة إلى حلف الناتو، وحتى لو لم تلغ واشنطن قيودها الاقتصادية على روسيا، لأن ذلك يعادل الانتحار، ويحتمل جداً أن تسود علاقات البلدين برودة مؤقتة، ولكن الآليات طويلة المدى لصالح علاقات أوثق، سوف تكون لها اليد الطولى وتتغلب على التعقيدات والصعوبات قصيرة المدى.
*مفجر شرارة الأزمة
ويتعلق أكثر الجوانب أهمية ومسؤولية في التعاون الروسي الأميركي بالأمن المتبادل بينهما، وكذلك بالأمن الدولي، وبالاستقرار الاستراتيجي العالمي على نطاق أوسع، والشيء الوحيد الذي قد يفجر شرارة أزمة خطيرة قد يكون قراراً من واشنطن بأن تصبح معارضاً عنيداً لاستعادة روسيا نفوذها على فضاء ما بعد السوفييت الذي يشمل آسيا الوسطى.
والمشهد السائد في الدوائر السياسية الأميركية مغاير لهذا الموقف، ولا تستطيع أن تنزل برأيها إلى مجرد رغبة أميركية في معارضة المصالح والنفوذ الروسي في تلك المنطقة، وهناك كثيرون من مؤيدي التعاون الروسي ـ الأميركي، الذين يعارضون توسع حلف الناتو في شرق أوروبا، والذين يودون أيضاً كسب تعاون روسيا بإطلاق يدها داخل أراضي الاتحاد السوفييتي السابق.
ويرى تشارلز مينس رئيس تحرير صحيفة «فورين بوليس» في واشنطن أن روسيا وحدها، ولا أحد غيرها، في موقف يسمح لها «بممارسة السلطة» على أراضي الاتحاد السوفييتي السابق، ومن ثم يجب منحها مهمة حفظ السلام، وهنا يضع محرر الكتاب تحفظاً بين قوسين يقول: «وللتأكد، يشترط أن تراعى المعايير الدولية للقانون والأخلاق».
ولكن روسيا لا تثق بأن الغرب ـ وفي مقدمته أميركا ـ يميل إلى إطلاق يدها في محاولة استعادة السيطرة على أراضي الاتحاد السوفييتي السابق، وتنبأ محللوها بمواجهة تلوح في الأفق بين روسيا والولايات المتحدة، بسبب هذه القضية بالذات.
ويرون أنه لا مجال لتجنب ظهور مواقف تتطلب تدخل روسيا في عالم الاتحاد السوفييتي السابق، سواء باعتبارها حامية للسلام أو مانعة لانفجار النزاعات في أراضيها هي. وإذا دُرست المسألة بحكمة وعناية فلابد من التسليم بأن روسيا وحدها هي التي تستطيع أن تلعب دور «الشرطي»، فيما كان يعرف بالأقاليم الجنوبية للامبراطورية السوفييتية.
وهنا يطرح الباحث بوريس رومر السؤال التالي: هل سوف تقتصر روسيا على وظيفة مثل هذه؟ وعلى الفور يجيب بأن الغرب يمانع في إسناد هذا الدور لروسيا، لأنه يرى أن الامبرياليين الجدد يكسبون بثبات قوة دافعة في الحياة السياسية الروسية.
وتتضح الصورة فيما يقوله صاحب البحث في موضوع آخر من بحثه، عندما يتناول رد الفعل لدى دول آسيا الوسطى قائلاً: إن من الطبيعي لدى الدوائر السياسية في تلك الدول أن تشعر بالسخط بسبب لغة الشوفينيين في موسكو، وأن تعتبرها تعبيراً عن نوايا الكرملين نفسه.
ويروي رومر حكاية إسلام كريموف رئيس أوزبكستان والرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين، فقد أعلن كريموف في مقابلة أجريت معه، أنه طلب من يلتسين مرات عدة إعلان رأيه فيما يردده فلاديمير جيرينوفسكي. وقال إنه أيضاً: «أخبرنا إلى أي مدى تتقبل تصريحاته أو ترفضها؟
قل لنا رأيك أيها السيد بوريس نيكولايفيتش. أنا جاد في طلب هذا»، ولكن يلتسين لم يستجب لطلبه ولم يرد على سؤاله، فعاد كريموف يسأله: «ألا يعكس جيرينوفسكي وجهات النظر التي تدور في أذهان مسؤولين رسميين معينين؟
هذه ظاهرة خطيرة جداً»، ويتضح استياء كريموف إذا علم القراء الأعزاء أن فلاديمير جيرينوفسكي كان نائباً لرئيس مجلس الدوما البرلماني، وهو زعيم الحزب الديمقراطي الحر ومعروف بتشدده القومي ومناداته دائماً بضرورة استعادة روسيا لدورها في آسيا الوسطى قبل انهيار الاتحاد السوفييتي.
ورغم أن القيادة الروسية هي السبب في توفير مبررات كثيرة للقلق، إلا أن رومر يرى أن على قادة آسيا الوسطى ألا يفكروا في احتمال اهتمام موسكو بالدعوة التي أطلقها جيرينوفسكي «للاندفاع نحو الجنوب» لأن صدمة الشيشان لا تشجع الصقور الروس على التورط في نزاعات في الجمهوريات غير الروسية.
وعلى الأخص الجمهوريات الإسلامية، فضلاً عن أن رؤساء آسيا الوسطى بشكل عام، يبدو أنهم لا يستطيعون التوصل إلى فهم واقعي لقدرة موسكو على تخطيط وتنفيذ أي نوع من السياسات.
وتبقى في البحث الكبير والمطول للباحث بوريس رومر، موضوعات وتفاصيل كثيرة تحتاج إلى مساحات واسعة، ولذلك نكتفي بأن نختتم عرضنا هذا برأيه المهم حول ما آلت إليه دول آسيا الوسطى، إذ يقول: حتى الآن لم تتمتع تلك الدول بمكانة اللاعبين المستقلين في الحلبة العالمية.
ومازالت بعيدة عن إنجاز استقلال حقيقي، وطوال الفترة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي، أخذت تلك الدول الجديدة تسعى للعثور على التوجه الصحيح في عالم متغير ومعقد، وعليها مواجهة وحل عدد من المسائل بالغة الصعوبة، ويلخصها الباحث في أسئلة عدة هي: هل يجب عليها الاحتفاظ بروابط مع موسكو؟
وإذا كان الأمر كذلك، فأي شكل تتخذه هذه الروابط؟ وهل تشكل معاً كتلة متحدة في تعاملها مع موسكو؟ وأي نوع من الروابط الخارجية يجب عليها أن تقيمه؟ وإلى أي مدى تنحاز إلى العالم الإسلامي؟
وإلى أي مدى تسمح هذه الدول للمنظمات الغربية بالتسلل إليها وتقديم المساعدة من خلال مؤسساتها المالية؟ ومن المنظور العالمي العام هل يجب على هذه الدول الانتماء إلى الشرق أم إلى الغرب؟
مازالت كل هذه الأسئلة في حاجة إلى إجابات، غير أن هذه المسائل السياسية تعتبر ثانوية بالنسبة لمشاكل لها الأولوية القصوى لوقف التدهور الاقتصادي واستعادة استقرار ونمو اقتصاداتها.