كتب الشاعر الانجليزي روديارد كيبلنغ رواية قصيرة رائعة تحت عنوان «في جدار المدينة»، يمكن تفسيرها على أنها استعارة مجازية للانتداب البريطاني في شبه القارة الهندية، وكذلك للحكم البريطاني السيئ في العراق حالياً. ويمكن الاستدلال بسهولة بان المدينة محط النقاش هي مدينة لاهور، التي تغلي بالطقوس والمتضادات العرقية والدينية.

قد تقولون إنه من الممكن دائما التأكيد على أن جل ما تفعله هذه الرواية ينحصر في توضيح المفهوم الذي يروق للبريطانيين امتلاكه عن أنفسهم، أي مفهوم الإيثاريين والحراس ذوي النخوة والشهامة والمدافعين عن السلام. لكن الواقع يفيد بأنهم هم من شجعوا بشكل مقصود الشقاقات بين الطوائف والعرقيات هناك حيث امتدت سيطرتهم.

شخصيا، أنا لم أصدر حكماً أبدا على هذا المنطق المقنع جداً. في المقام الأول، فإن الانقسامات وكذلك العنف الذي يترتب عليها انتشرا قبل السيطرة البريطانية بكثير، ناهيك عن أن أسوأ الصراعات والشقاقات في تاريخ شبه القارة الهندية اندلعت عندما بات واضحا أن البريطانيين رحلوا.

مع ذلك، فإن الناس يفضلون التفكير في عبارات الشرور الامبريالية التي لا تفكر إلا بالتقسيم لتحقيق الانتصار. وما كان من الممكن أن تجري الأمور بطريقة أخرى عندما اندلعت أخيرا الأحداث الأخيرة في البصرة، فلقد عادت الشتائم واللعنات على كل لسان، بدءا من حاكم البصرة محمد الوالي.

الذي اتهم القيادة البريطانية المكلفة بعملية إنقاذ اثنين من العملاء البريطانيين من أيدي من اعتقلوهما «بالغطرسة الامبريالية» فالعميلان، حسب الناطق باسم رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، « كانا قد تآمرا لإشعال حرب أهلية عن طريق هجمات جماعية ضد مدنيين شيعة .

ومن ثم إلقاء اللوم في تلك الهجمات على جماعات سنية». يبدو لي أكثر منطقيا ذلك التفسير الذي يقول إن كلا العميلين كانا سيقتلان على أيدي ميلشيات الصدر عندما تم إنقاذهما، في اللحظة الأخيرة، عن طريق تدخل الجنرال جون لوريمير، القائد العسكري الذي أدار عملية الإنقاذ.

وفي ضوء ذلك، فإنه يبدو من الصعب تصنيف أحداث البصرة كنصر في العلاقات العامة، فمحطات التلفزة الأميركية تمكنت بالكاد من إخفاء ابتهاجها، لكن بعد كل تلك الثرثرة المغرورة، التي ترمي إلى الإيحاء بأن البريطانيين يعرفون أكثر من الأميركيين كيف يضعون حداً لمثيري الاضطرابات.

لا بد من إلقاء نظرة على تلك المشاهد الخاصة بجنود كتيبة «كولدستريم غواردس» وهم يقفزون من آلياتهم المشتعلة للنجاة بحياتهم.وبالمناسبة، فإن تلك الأحداث وقعت بعد أيام قليلة من هجوم أميركي خطط له جيدا ضد المتمردين في تلعفر.

مهما كان عليه الأمر، إلا أنها ليست اللحظة المناسبة لتسجيل نقاط بين هذا الطرف أو ذاك على جانبي الأطلسي، فالواقع هو أنه سواء المتمرسون أو التلاميذ الجدد الأعضاء في ائتلاف الحازمين يجدون أنفسهم في هذه اللحظات في وضع هش بشكل ينذر بالخطر. قبل عام مضى، كان الأمر يقتصر على الإشارة إلى إمكانية حرب أهلية في العراق.

لكن الحقيقة هي أنه في هذه اللحظات يمكن القول إن الأمر يتعلق بواقع يمضي قدما أتى على حياة مئات الأشخاص في الأسبوع الماضي فقط وأن القضية برمتها تقوم على معرفة كم من الوقت ستبقى القوات الأميركية والبريطانية في ظروف تسمح لها بالتدخل بشكل فعال لمنع هذه الحرب الأهلية من أن تتقدم وتخرج على السيطرة. والأدهى من كل ذلك يعكسه السؤال التالي: ترى هل تخلوا عمليا عن كونهم ممثلين ليتحولوا إلى مجرد مشاهدين ؟

البقاء في البلاد بعد أن اختار العراقيون حكومتهم الخاصة ما كان أبدا ليكون أمرا بسيطا، ففي كتابي «صرح ارتقاء وسقوط الإمبراطورية الأميركية»، المنشور بعد الغزو مباشرة، بينت أن أي وجود عسكري أنجلو أميركي مطوّل سيكون نوعا من النفاق المنظم والمنتظم إن شئت..

. وقمت حينها بتثبيت عادة فكتورية لحكومة تحكم بصورة غير مباشرة عز عليها إعطاء الحكومات المحلية مظهرا من مظاهر السلطة، لا سيما في قضايا الأمن، بينما كانت هذه الحكومات تحكم في الواقع حسب مصالح العاصمة.

كما برهنت على أنه طالما هناك إصرار على وجود أميركي مهم في العراق، فان نقل السلطة الكاملة إلى حكومة عراقية شرعية لن يغير في الوضع شيئاً، إذ أن سيادة السلطات العراقية ستبقى في الواقع مقتصرة على رغبات وإرادة القيادة العسكرية الأميركية. وبدلاً من ذلك، فلقد رحنا نتعامل بشيء يشبه نفاقاً حقيقياً مشوشاً ومضعضعاً. ما الذي سار على نحو سيئ؟ التاريخ يشير إلى إجابتين ممكنتين لهذا السؤال.

الأولى هي أن قوات التحالف قليلة العدد بحيث تكون قادرة على فرض النظام. في عام 1922، عندما أخمدت القوات البريطانية تمرداً مهماً في العراق.

بلغ تعداد تلك القوات 135 ألف جندي. ومن قبيل المصادفة، فإن هذا العدد يقترب من عدد القوات العسكرية الأميركية العاملة في العراق حالياً. والمشكلة هي انه بينما كان عدد سكان العراق يزيد على ثلاثة ملايين نسمة بقليل في عام 1920، فإن هذا العدد يصل الآن إلى 24 مليون نسمة تقريباً.

وبالتالي فإنه إذا كانت نسبة العراقيين للقوات الأجنبية حوالي 23 إلى 1، فإنها اليوم تقارب 174 إلى 1. ومن أجل بلوغ نسبة 23 إلى 1 في الوقت الحالي، فإنه من الضرورة بمكان نشر مليون جندي في العراق، مما يعني أن جهوداً بهذا المستوى هي خارج كل التصورات.

المشكلة الثانية هي نوعية أكثر من كونها كمية. فالواقع الحقيقي والقاسي يبين أن السيطرة على قطاعات سكانية مدنية معادية أو معارضة هي اليوم أصعب بكثير مما كانت عليه في زمن كيبلنغ.

ففي الرواية «في جدار المدينة»، يتمكن هوغونين، مفتش الشرطة العشريني، من احتواء بعض الاضطرابات بين المسلمين والهندوس وهو على رأس ثلاثين حارساً يمتطون الخيول ومسلحين بالسياط إلى أن وصلت إلى المكان قوة مكونة من 500 جندي. بعد مرور وقت قصير ـ كما يشير الراوي في حكاية كيبلنغ ـ «سمعت صرخات رجال المشاة البريطانيين وهم يصيحون: عليهم... ملاعين...

شحاذين، لنذهب، تحركوا. وعلى الفور تسنى سماع طلقات نارية من بنادق مجموعة من الجنود وصرخات وهلع، حيث كان الجنود يضربون الأقدام العارية للحشود بأعقاب بنادقهم لأنه لم يكن لتلك البنادق حراب... لم تسحق مظاهرة عامة حماسية وحارة لرجال الدين بهذا القدر من الوحشية أبداً».

الحقيقة هي أني ترددت للحظات قبل أن أشير إلى تلك الأيام، لكن لا بد من ملاحظة أنها كانت أوقاتاً سابقة لقاذفات القنابل الحديثة ومعدات عسكرية أو حربية أخرى. وكما يحذر راوي حكاية كيبلنغ، فلو أن شيعة ما قبل قرن من الزمان كانوا قد اعتمدوا على شيء أكثر من قبضاتهم، لهلكت نصف مدينة.

ألم يحن الوقت، إذن، كي ينبش الأميركيون سياستهم الخاصة بالتغني بالنصر والرحيل؟ أتصور أن العديد من قرائي يرغبون بشكل حماسي بأن يفعلوا ذلك. ومع ذلك وكما فهم كيبلنغ الأمر جيدا، فإنه توجد أشياء أسوأ من محاولة الحفاظ على النظام في بلد أجنبي. وفي هذه المناسبة وبعد عودتي من كمبوديا، قفزت إلى ذهني المشاهد المرعبة التي خيمت على إندونيسيا عندما رحل الأميركيون عن فيتنام الجنوبية.

إن نوع العنف الذي يمكن أن نشهده في العراق إذا رحلنا الآن، تاركين الحرب الأهلية تهدر بكل قوتها، سيصغر معه كل ما قد حدث منذ عام 2003. ذات مرة، سألت صديقاً في بيروت كيف سينتهي الأمر في العراق، فأجاب: «تماماً مثلما حصل في لبنان الثمانينات، لكن مضروباً في عشرة أضعاف».

كما لا توجد أي ضمانة بأن يبقى كل شيء عند حدود حرب أهلية، فلقد نقل وزير الخارجية السعودي،الأمير الفيصل، تحذيراً مدوياً لإدارة بوش يفيد بأن العراق على شفير هاوية.

، وأعرب عن خشيته من أن ذلك الوضع قد «يجر بلداناً أخرى من المنطقة إلى النزاع». وبالمقارنة مع هذا المشهد الكابوسي فإن أحداث البصرة الأخيرة، كانت زلة بسيطة في بيئة محلية، وذلك كي نستخدم تعبيراً كلاسيكياً آخر للامبريالية البريطانية.

ترجمة: باسل أبو حمدة