يتضمن هذا الكتاب ثمانية أبحاث مهمة تركِّز جميعها على التحوُّلات السياسية والاقتصادية في دول آسيا الوسطى، التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
وتكمن أهمية تلك الأبحاث في مكانة الباحثين والعلماء والخبراء الذين شاركوا في كتابتها. وقد جمع المقالات والأبحاث وقام بإعدادها وتحريرها الكاتب والباحث بوريس رومر عضو مركز الأبحاث الروسية التابع لجامعة هارفارد الأميركية وصاحب عدد كبير من الكتب التي تناولت موضوعات اقتصادية مهمة في الاتحاد السوفييتي السابق، وآسيا الوسطى، فضلاً عن عدد من المقالات التي تناولت أيضاً الاقتصاد السوفييتي، واقتصاد ما بعد الاتحاد السوفييتي.
من أبرز التطوُّرات التي شهدتها الساحة الدولية في العقد الأخير من القرن العشرين، ظهور خمس دول مستقلة حديثاً في آسيا الوسطى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وهي: كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وتركمانستان وطاجيكستان.
وقد شدّت تلك الدول اهتمام المجتمع السياسي والاقتصادي والاستراتيجي الدولي بسبب أهميتها الجيواستراتيجية ووفرة مواردها الطبيعية، بحيث أصبحت موضوعاً لعدد كبير من الدراسات والبحوث والكتب التي تناولت المشكلات السياسية والاجتماعية والإثنية التي ظهرت في وسط آسيا منذ استقلال الدول الخمس.
ويضم الكتاب الذي تناقشه مجموعة من المقالات التي استندت إلى مؤتمر عُقد في سبتمبر 1995 في إيسيك ـ كول في قيرغيزستان برعاية مؤسسة ساساكاوا اليابانية للسلام.
ويذكر الكاتب والباحث بوريس رومر، الذي أشرف على إعداد وتحرير الكتاب، أنه يسعى إلى التصدي للمشكلات المعقدة والمتداخلة للتحوُّل الجيوبوليتيكي والاقتصادي في تلك المنطقة المهمة.
وفي بداية عرضنا لهذا الكتاب، نجد من الضروري أن نلفت نظر القراء الأعزاء إلى أن وجهات نظر الباحثين المشاركين فيه ليست متطابقة، فمثلاً سوف يجد القراء آراء مختلفة حول العلاقات الصحيحة التي يجب أن تسود بين روسيا ودول آسيا الوسطى، أو حول أفضل الاستراتيجيات للإصلاحات الاقتصادية.
ويُعتبر كتاب اليوم نتاجاً لمشروع أكبر بكثير يُسمَّى «تطبيق اقتصاد السوق في آسيا الوسطى: مضامين من تجربة آسيا الشرقية» وتدير هذا المشروع وتموّله مؤسسة ساساكاوا اليابانية للسلام.
ويرى معد الكتاب ومحرّره، بوريس رومر، في تقديمه له أنه رغم فيض المعلومات، فإن وسائل الإعلام والدراسات الأكاديمية لم تول اهتماماً كافياً للعاملين الرئيسيين اللذين سوف يقرران مصير دول آسيا الوسطى الجديدة. وهذان العاملان هما: (1) العامل الجيوبوليتيكي، وبشكل خاص العلاقة مع روسيا، والعلاقات بين دول آسيا الوسطى نفسها.
(2) نتائج محاولات تحويل اقتصادات تلك الدول.
ولا يكتفي رومر بتحرير وإعداد مقالات غيره من الباحثين، إذ نجده يشارك ببحث له يستهل به الكتاب ويدور حول التفكيك وإعادة التكامل في آسيا الوسطى، ويشير في بدايته إلى أن مصطلح «آسيا الوسطى» بمعناه الجيوبوليتيكي الجاري ينطبق على الجزء الجنوبي من الاتحاد السوفييتي ويشمل الجمهوريات السوفييتية الخمس السابقة التي أصبحت الآن دولاً مستقلة وهي:
كازاخستان، وأوزبكستان، وقيرغيزستان، وتركمانستان، وطاجيكستان، ويبلغ تعداد سكانها مجتمعة نحو ستين مليون نسمة معظمهم من المسلمين، وتشغل مساحة تبلغ نحو أربعة ملايين كيلومتر مربع (وهي بهذا تعتبر أكبر من دولة كالهند التي تبلغ مساحتها 3,3 ملايين كيلومتر مربع) وتشترك المنطقة في حدودها مع روسيا والصين وأفغانستان وإيران.
ولكن يفصلها عن باكستان شريط ضيق من الأرض فقط. وتتمتع المنطقة بتنوع في تضاريسها الطبيعية، وثراء هائل في الموارد الطبيعية. ولها كذلك تاريخ مأساوي عاصف حافل بالغزوات والكوارث والإمبراطوريات التي برزت ثم سقطت، والأباطرة والأمراء الذين جاءوا ثم ذهبوا وقد أدى تميزها الجيواقتصادي، والجيوـ استراتيجي.
وموقعها بين أوروبا وآسيا الجنوبية، وبين الشرق الأوسط وسيبيريا الغربية، أدى كل ذلك، على مدى قرون عديدة، إلى وقوعها فريسة مغرية لغزاة كثيرين جلبوا عليها الموت والدمار، وثقافات مختلفة، وخليطاً من الجماعات الإثنية واللغات والعقائد الدينية ورغم أن سكان آسيا الوسطى ينتمون في الأساس إلى أسرة اللغات التركية (ويقصد الباحث مجموعة اللغات التي تشمل التركية والتركمانية والقيرغيزية والأذربيجانية.. الخ).
إلا أن بعض الجماعات الإثنية لها روابط متينة إثنياً ولغوياً وثقافياً مع إيران وتمتلك المنطقة مصادر طبيعية هائلة ما زال جزء كبير منها لم يكتشف بعد ومنها الغاز الطبيعي والنفط والذهب واليورانيوم والحديد والمعادن غير الحديدية، فضلاً عن مجمع كامل للمنشآت النووية، ويزيد على ذلك أن كازاخستان.
ـ وهي أكبر دول المنطقة ـ تعتبر مقر منصات إطلاق سفن الفضاء في بايكونور ويتضمن التراث السوفييتي في آسيا الوسطى أيضاً إنتليجنسيا علمية ـ تقنية متميزة، ومستوى تعليمياً أعلى من المستوى المتوفر في دول إسلامية أخرى.
*اللعبة الكبرى
ويتحدث رومر عما حدث بعد استقلال الدول الخمس مباشرة تحت عنوان «اللعبة الكبرى» الجديدة، ويرى أن تلك الدول أصبحت مركز المصالح والاهتمام الجيوبوليتيكي، ذلك لأن تفكك الاتحاد السوفييتي أدى إلى إحداث فراغ جغرافي سياسي في آسيا الوسطى التي كانت قد شكلت في الواقع منطقة عازلة بين روسيا والصين.
ودول العالم الإسلامي وقد قدمت الصحافة العالمية عدداً من الافتراضات بشأن مستقبل دول المنطقة المستقلة حديثاً، ودورها في زمن ما بعد الحرب الباردة، وتشكيل اتحاد إقليمي، والعضوية المحتملة في التكتلات السياسية والاقتصادية المختلفة.
وبشأن الروابط بينها وبين الشرق الإسلامي الذي قد يشكل سوقاً مشتركة مع الدول التركية (مع توجه غير إيراني) أو تحالفاً تركيا ـ إيرانياً يتحدى المصالح العربية أو كتلة من الدول الإسلامية معارضة للغرب وروسيا وهو مشروع قدمته بنازير بوتو في اجتماع لزعماء آسيا الوسطى عام 1994 ولكنه رفض.
وتثير فكرة حدوث تقارب بين دول آسيا الوسطى والعالم الإسلامي قلقاً شديداً في روسيا، ودول حلف شمال الأطلنطي، والهند، والصين. ويعتبر هذا الاهتمام الشديد بآسيا الوسطى من ذكريات التنافس الأنجلو ـ روسي في هذه المنطقة في القرن التاسع عشر حتى أن الشاعر والروائي الإنجليزي روديارد كيبلنغ أطلق عليه اسم «اللعبة الكبرى» غير أن عدد اللاعبين هذه الأيام تزايد بشكل كبير.
وتحت عنوان «اللاعبون الجدد» يبدأ رومر بالحديث عن تركيا وإيران قائلاً: اندفع هؤلاء اللاعبون الجدد إلى ملء الفراغ السياسي بالسعي إلى إعادة تحديد الروابط التي تعثرت زمناً طويلاً، بل وانقطعت في بعض الحالات طويلاً، والتي تستند إلى عوامل إثنية ولغوية وثقافية ودينية وجغرافية وتاريخية واقتصادية .
وهكذا أصبحت تركيا وإيران الأكثر نشاطاً بين الدول الإسلامية في اقتناص فرص جديدة في آسيا الوسطى، والبناء على الروابط الإثنية واللغوية والثقافية الوطيدة في المنطقة. وتعتبر تركيا آسيا الوسطى فرصة سياسية لا تقاوم لتعزيز موقفها الدولي ولا يشعل طموحها مجرد ذكريات إمبراطورية زالت فحسب.
أو التطلع نحو نفوذ لها بين العشيرة الإثنية، بل يزيد من طموحها الأمل في أن تؤدي قيادة تركية لآسيا الوسطى إلى تعزيز وقوفها على قدم المساواة مع شركائها الغربيين وفي الممارسة الفعلية نجد أن نفوذ تركيا كان الأقوى بعد أن نالت دول آسيا الوسطى استقلالها وقد أبدت طشقند وألماآتا حماساً كبيراً تجاه «النموذج التركي» العلماني المتطلع إلى الغرب.
وتجاه القروض السخية التي كانت تركيا قد وعدت بها شركاءها الصغار الجدد في الشرق ومع ذلك، سرعان ما أدرك قادة آسيا الوسطى أنهم قد بالغوا في تقدير قوة تركيا الاقتصادية التي لم تكن في موقف يسمح لها بتقديم مساعدة جوهرية لاقتصاداتهم المتهاوية.
وفضلاً عن ذلك لم تحظ تجارب تركيا مع الديمقراطية بإعجاب نظم الحكم الشمولية في آسيا الوسطى ونتيجة لذلك بدأ الحماس للتحرك عبر الأسرة التركية يخفت سريعاً، مما دفع آسيا الوسطى إلى استئناف بحثها عن شركاء لتشجيع التنمية وضمان أمنها.
وقد تزايد اقتناع المحللين السياسيين في آسيا الوسطى بأن الغرب أراد استخدام تركيا في إبعاد الدول الجديدة عن روسيا والترويج للنموذج العلماني الموالي للغرب، وفي الوقت نفسه مساعدة تركيا في اقتحام مجال اقتصادي جديد، ولكن لم يؤهلها لذلك الدور، لا السياسات المحلية.
ولا حالة تركيا الاقتصادية، وفي هذه الأثناء أصبحت دول آسيا الوسطى مهيأة لإقامة روابط اقتصادية مباشرة مع الغرب وتركز الهجوم الأولي لاختراق الاقتصاد التركي في آسيا الوسطى على قطاعات الصناعة الخفيفة (وخاصة صناعة النسيج) والسياحة التي تضمنت عملية بناء شامل للبنية التحتية وخاصة بناء مركز التجارة الدولي في طشقند، والفنادق في طشقند وبخارى وسمرقند.
* النفوذ الإيراني
لا ريب في أن إيران انجذبت بقوة نحو إمكانية وجود مجال لنفوذها في المنطقة فضلاً عن الفرص المتاحة لتصدير النمط السياسي لنظام حكمها الإسلامي.
يزيد على ذلك أن إغراء وجود مجال للنفوذ في آسيا الوسطى يكفي في حد ذاته للمساعدة على تلميع صورة إيران كدولة قائدة، وإنهاء عزلتها التي دامت سنوات طويلة، بالإضافة إلى أن هذا الوجود يعتبر ذا أهمية قصوى في التعامل مع أفغانستان، حيث لعبت إيران دوراً مهماً فيها منذ زمن طويل.
كذلك أصبحت طاجيكستان هدفاً لمحاولات تصدير «الثورة الإسلامية». وقد حققت إيران بعض النجاح في محاولاتها لمد نطاق نفوذها لكي يشمل تركمانستان التي تشترك مع إيران في حدود طويلة بينهما.
وبدأت تلك المحاولات أساساً من خلال تقديم اقتراحات ببناء خطوط أنابيب جديدة عبر الأراضي الإيرانية إلى الخليج، ومن ثم تحرير تركمانستان من اعتمادها على روسيا. وأخفت إيران ضغوطها السياسية على هاتين الدولتين تحت ستار الأنشطة الاقتصادية، والثقافية.
كذلك تشعر إيران بغيرة شديدة من دولتين منافستين أخريين هما تركيا وباكستان، في سعيهما للنفوذ في آسيا الوسطى، لشراكتهما الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية.
ورغم قرب إيران الجغرافي، وروابطها اللغوية والإثنية مع طاجيكستان، فإن تطلعات طهران لدعم نفوذها في آسيا الوسطى معرضة للزوابع، ذلك لأن النخبة الحاكمة «والإنتليجنسيا» في آسيا الوسطى، تشعر بقلق عميق من النفوذ الإيراني لأنها تعتقد النخبة الدينية الإيرانية تدعم وتسلح الإسلاميين الطاجيك لنشر وجودهم في المنطقة بموافقة ضمنية من القيادة السياسية.
ونتيجة لذلك تتردد دول آسيا الوسطى في تمتين علاقاتها مع إيران، باستثناء دولة واحدة هي تركمانستان.
ويشير صاحب المقال إلى أن المملكة العربية السعودية اهتمت بآسيا الوسطى، باعتبار أن المملكة ترعى الأنشطة الدينية والثقافية، وتهتم بلا شك بمصير إخوانها المسلمين في تلك المنطقة، ولكنها تبحث أيضاً عن فرص للتنافس مع إيران في بسط نفوذها على العالم الإسلامي.
ولا شك عندي في أن كل قارئ عربي سوف يشاركني الشعور بالحزن والأسف عندما يقرأ الفقرات التي كتبها الباحث بوريس رومر في مقاله عن النجاح الذي حققته إسرائيل في دول آسيا الوسطى بعد تسللها إليها من باب الاقتصاد.
يقول بوريس رومر: من بين «اللاعبين الجدد» تعتبر إسرائيل أقل الدول التي يتوقع أحد دخولها المنطقة، ولكنها كانت أكثر الدول نشاطاً هناك وخاصة في المجال الاقتصادي أولاً. وكانت السفارة الإسرائيلية بين السفارات الأولى التي افتتحت في طشقند.
وفي عام 1994 قام شيمون بيريز، وزير الخارجية آنذاك، بزيارة آسيا الوسطى، وقابل رئيسي أوزبكستان وكازاخستان. واستطاع نشاط الأعمال الإسرائيلي اختراق آسيا الوسطى بسرعة ونجاح بالاعتماد أساساً على المهاجرين حديثاً من آسيا الوسطى لأنهم يعرفون اقتصادها جيداً ويتفهمون المعايير والعادات المحلية في الأعمال والعلاقات الشخصية، ويتمتعون بعلاقات وثيقة مع الدوائر الاقتصادية والسياسية هناك.
ولم تستطع الأنشطة الإسرائيلية في تلك المنطقة أن تتوارى عن أعين طهران. من ذلك مثلاً تصريح إسلام كريموف رئيس أوزبكستان أثناء اجتماعه مع بيريز، والذي قال فيه بوضوح: «إن لدى طشقند موقفاً واضحاً ومحدداً وهو أن نبني علاقات مع طهران على أساس المساواة، وأن نتعاون بصدق في جميع المجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية، ولكن دون السماح بتوسع أيديولوجي ونفوذ للقوى الإسلامية الراديكالية».
ويتبع ذلك أن أوزبكستان تنوي توسيع علاقاتها مع إسرائيل، شاءت طهران أم أبت، لأنها شديدة الاهتمام بالمنتجات والاستثمار، والتكنولوجيا الإسرائيلية، وخاصة تصنيع المنتجات الزراعية، والخبرة في تنمية الزراعة في ظل الأحوال القفرة في آسيا الوسطى.
أما الهند وباكستان فهما تعتبران المنطقة حلبة جديدة للتنافس وتعزيز دور كل منهما كقوة إقليمية عظمى. وقد كانتا في الواقع تتصارعان في مجال الطرق الخارجية وخطوط السكك الحديدية المؤدية إلى المحيط الهندي، فالهند تقترح شق طريق عبر إيران، وتواجهها باكستان باقتراح طريق عبر أفغانستان.
ومن أهم المشكلات الاقتصادية التي تواجه جميع دول آسيا الوسطى مشكلة بُعدها عن البحر، ولذا فإن حصولها على منافذ من الطرق للنقل البري أمر حيوي لتصدير مواردها المعدنية.
ولما كانت أقرب الموانئ البحرية، تقع في إيران وباكستان فقد اكتسبت هاتان الدولتان ميزة في التنافس على النفوذ في المنطقة، وكذلك تتنافس الدولتان في الحصول على حق استيراد الطاقة الكهربائية من كيرغيزستان وطاجيكستان.
وهناك جهات أخرى تتسابق إلى الوجود في المنطقة، فقد أخذت المؤسسات اليابانية والكورية الجنوبية تزيد من تواجدها كما أقامت ماليزيا وإندونيسيا ومصر علاقات اقتصادية وسياسية هناك ـ كذلك حصلت دول أوروبية على موطئ قدم مماثل بما في ذلك ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. أما بريطانيا فقد تصرفت بدرجة أكبر من الحذر ربما لعلمها بالتكلفة العالية للعبة الكبرى، وبأن الشرق بكل مشكلاته، يمكن أن يكون عبئاً مرهقاً على قوة كولونيالية.
* اللاعبون الجدد
ثم ينتقل البحث إلى من يسميهم الباحث اللاعبين الجدد مرة، أو الوافدين الجدد مرة أخرى، ويتناول لاعباً كبيراً هو الصين التي يقول إنها ربما تكون أكثر الدول اهتماماً مباشراً بآسيا الوسطى وخاصة أن إقليم زنجيانغ المسلم يطل بحدوده مباشرة على تلك المنطقة، ويقيم فيه مئات الآلاف من الكازاخستانيين والكيرغيزستانيين.
وهو أيضاً موطن عدد يتراوح بين ستة وسبعة ملايين من السكان الذين ينتسبون الى الأوزبكيين، ولهم مئات الآلاف من الاقارب في آسيا الوسطى، كما ان وراءهم تاريخا طويلا من مقاومة بكين.
ولا يثير الدهشة أن يجددوا رغبتهم في الوحدة التي ظلت تتعرض للقمع زمنا طويلا، وان تجد تلك الدعوة أصداءها على كل من جانبي حدود الصين في آسيا الوسطى. وغني عن القول، فان احتمال وقوع اضطرابات إسلامية في غرب الصين، أمر يثير قلق بكين التي تزعجها مشكلة التيبت.
وما تزال العلاقات بين الصين ودول آسيا الوسطى حتى الآن علاقات عمل إلى حد كبير، ويقوم رؤساء تلك الدول بزيارة بكين ويعاملون كما لو كانوا ملوكا، كذلك تتعدد زيارات الزعماء الصينيين لعواصم آسيا الوسطى. وتقدمت الصين باقتراح ـ رغم حذرها المعهود ـ لربط نظام النقل في آسيا الوسطى بنظامها الخاص بها.
ولن تمر إلا سنوات قليلة إلا وتطرح مقترحات لبناء خط أنابيب عبر آسيا لنقل النفط والغاز الطبيعي من كازاخستان وتركمانستان عبر الأراضي الصينية إلى أسواق كوريا الجنوبية واليابان، وتعتبر الصين الآن ثاني أهم شريك اقتصادي لكازاخستان (بعد روسيا).
ويرى بوريس رومر ان من المسلم به ان مصلحة بكين في دعم نظم الحكم القائمة في آسيا الوسطى لا يمليها فقط كره عام لعدم الاستقرار، ولكن أيضا لان هذه الأنظمة تتوافق ايديولوجيا مع «النموذج الصيني» الذي يتبع سياسة تحرير اقتصادي حتى بينما تتشبث بنظام شمولي قاس. وتبدو المصلحة هنا مصلحة مشتركة.
وبتطوير الروابط الاقتصادية مع دول آسيا الوسطى تستطيع الصين أيضا مساعدة تلك الدول على تقليص اعتمادها الاقتصادي على روسيا.
وفي شهر ديسمبر 1991، أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة وتشكيل الدول المستقلة في آسيا الوسطى، قام وفد صيني برئاسة وزير الخارجية بزيارة كازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان، وكان ذلك الوفد أول وفد أجنبي رفيع المستوى يزور تلك الدول الجديدة.
وادت الزيارة الى توقيع اتفاقيات تجارية وإقامة علاقات بناءة بين الصين وجمهوريات آسيا الوسطى، وأخذت العلاقات الاقتصادية بينهما في التوسع بسرعة منذ ذلك الوقت، واتصلت اورموكي (عاصمة اقليم زنجيانغ) وألماآتا اتصالا مباشرا بالسكك الحديدية والرحلات الجوية.
وازدهرت تجارة المقايضة أيضا وأصبح الجانب الصيني يتولى امدادات المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية في مقابل قيام الجمهوريات السوفييتية السابقة بتصدير المواد الخام والأسمنت والصلب والسماد وعربات النقل ومنتجات أخرى من الصناعة الثقيلة التي كان إقليم زنجيانغ بأشد الحاجة إليها من أجل التنمية الصناعية والزراعية في الإقليم.
*الحماية الروسية
ويرى صاحب المقال الأول في الكتاب انه يجب النظر الى العلاقات بين دول آسيا الوسطى والصين في سياق العلاقات الصينية ـ الروسية، لان روسيا مازالت تمارس نوعا من الحماية على آسيا الوسطى ما بعد الاتحاد السوفييتي، ولهذا فهي بلا شك تعتبر هذه المنطقة مجالا حيويا لمصالحها الوطنية.
ويمكن القول اليوم ان هناك مصلحة مشتركة لكل من الصين وروسيا في إقامة علاقات سلمية وإيجاد حلول توفيقية للخلافات القائمة بينهما، حتى ان موسكو تكشف عن رغبتها في تقديم تنازلات في قضايا الحدود في الشرق الأقصى، وتبدي للصين ايماءات سخية. وبكين بدورها أقرت بالأمر الواقع القائل بأن آسيا الوسطى تنتمي إلى منطقة النفوذ الروسي.
وفي مؤتمر الأمن والتعاون في آسيا الوسطى، الذي انعقد في سبتمبر 1995 في طشقند، أعلن مندوب الصين بوضوح ان «استقرار آسيا الوسطى يمكن ضمانه فقط في حالة وجود تحالف بينها وبين روسيا بحيث يربط دول هذه المنطقة بالتزامات عسكرية».
ويعلق رومر على هذا الموقف بقوله ان من الصعب معرفة المدى الزمني الذي يمكن ان يستمر فيه زواج المصلحة هذا، ولكن حتى الآن يجده الشريكان ذريعة مفيدة جدا في التعامل مع واشنطن اذ تلعب موسكو بالورقة الصينية، وتلعب بكين بورقتها الروسية.
ويحذرنا بوريس رومر ان ننخدع بعلاقات الصداقة المصطنعة مع الصين لان كلا من روسيا ودول آسيا الوسطى مازالتا تغمران شعورا بعدم الثقة فيها والتوجس من قوتها المتنامية، ويسود شعور لدى الطرفين بأن العلاقات الطيبة مع الصين أمر مؤقت. ويبدي الناس في الصين إعجابهم بعبارة منسوبة إلى كونفوشيوس تقول: «عند لحظة معينة في الزمان، ودون حروب وأسلحة، سوف ينتمي العالم كله الى الصين».
ويرى الباحث انه يجب ألا ننسى أن جزءا مهماً من أراضي آسيا الوسطى كان يشكل جزءا من الإمبراطورية الصينية في القرون الماضية، ومازال بعض علماء الصين يعتبرون وادي فرغانا الخصيب أرضا صينية، كل ذلك بالرغم من أن بكين حريصة على تجنب الحديث علنا عن هذه المجادلات الإقليمية.
ولم تنس الماضي الصيني لأقاليم آسيا الوسطى، بل انها ترى في انهيار الاتحاد السوفييتي فرصة سانحة لنشر قيادة الصين لآسيا الوسطى، وهي تعتمد باطراد سياسة طويلة المدى تهدف بوضوح الى دفع تلك المنطقة، الى فلك النفوذ الصيني اقتصاديا وسياسيا.