لا يعود تدهور صورة إسرائيل لدى الرأي العام العالمي في الواقع إلى «عدم فاعلية» وسائل الإعلام والاتصال لديها ولا إلى عداء مفترض فطري لوسائل الإعلام.. ولكن إلى «حقيقة الوقائع» إذ وبمقدار ما تغرق إسرائيل في إنكار هذه الحقائق فإن هذا الإنكار يولد اتجاهاً مضاداً، وتبرز التساؤلات والاتجاهات الرامية إلى البحث عن الحقيقة.
كما يقول مؤلف هذا الكتاب الذي يؤكد بأن إنكار إسرائيل لقمع الفلسطينيين أو لاعتباره «طبيعياً» يؤدي إلى زيادة عدد الإسرائيليين الذين يعتبرون هذا الإنكار أو هذا «التبرير الذاتي» غير مقبول.. وهذه الظاهرة يطلق عليها تعبير «بروز المعسكر الأخلاقي».
هذا المعسكر لا يشكل سوى «أقلية» ضئيلة جداً لكنها موجودة وتتزايد، في مطلع سنوات السبعينات كان عدد المتظاهرين أمام «الكنيست» الإسرائيلي لمناوئي حرب 5 يونيو وما ترتب عليها لا يتجاوز ال50 شخصاً تعودوا أن يجتمعوا كل سنة في ذلك التاريخ تحت شعار «يسقط الاحتلال».
واليوم تضم المنظمة غير الحكومية المدافعة عن حقوق الإنسان في الاراضي المحتلة أكثر من 800 عضو، كما أصبحت المظاهرات التي تطالب بوضع حد نهائي فوري للاحتلال تضم عدة آلاف. وفي الخامس والعشرين من يناير 2002 قام (52) من الجنود الإسرائيليين الذين أعلنوا رفضهم لتنفيذ الأوامر الخاصة بالمشاركة في عمليات بالأراضي المحتلة، بتوقيع عريضة جاء في إحدى فقراتها: «إننا لن نقوم بالمعارك ما وراء حدود 1967 من أجل قمع وطرد وتجويع وإذلال شعب بأكمله.
كان ذلك بعد 16 شهراً على بداية الانتفاضة الثانية، وقد أمضى بعض هؤلاء الجنود أكثر من عامين في السجن. لكن هذا لم يمنع واقع أن عدد الموقعين علي تلك العريضة قد تجاوز الآن ال500 توقيع، أما العدد الحقيقي لهؤلاء «الرافضين لتنفيذ الأوامر» فإنه يقارب واقعياً الألف، كما يؤكد المؤلف ليقول: «هذا قليل وكثير بالوقت نفسه. إذ أن 1000 في إسرائيل يعادل نسبياً قيام عشرة آلاف جندي فرنسي برفض الخدمة في الجزائر أثناء حرب التحرير».
ثم يسأل المؤلف: «ما هو الفرق بين أم يهودية في الشتات اليهودي وبين أم إسرائيلية؟» مردداً بذلك مضمون دعابة عبرانية. أما الإجابة فهي «أن الأولى تحلم بأن يصبح ابنها طبيباً وأن تتزوج ابنتها طبيباً. أما الثانية فتحلم بأن يصبح ابنها طياراً وأن تتزوج ابنتها طياراً». وذلك على أساس أن الطيارين يمثلون «الصفوة» والأرستقراطية الحقيقية».
من هنا كانت المفاجأة كبيرة عندما أعلن 27 طياراً بتاريخ 25 سبتمبر 2003 برسالة لقائد سلاح الطيران الإسرائيلي بأنهم يرفضون منذئذ المشاركة في أية عملية بالأراضي المحتلة.. وذلك على خلفية قناعتهم بأنه ليس هناك في قاموس الطيران «عمليات جراحية» في الواقع الملموس، وقتل الأبرياء أمر لا بد منه فعلياً، ولا يغير في الأمر شيء القول بأن الأوامر المعطاة لا تنص أبداً على قتل الأبرياء.
إن ما يوحد هذا «المعسكر الأخلاقي»، وفيما هو أبعد من نقاشاته الداخلية وبكل مكوناته «لا يكمن فقط في العداء للاحتلال وإنما أيضاً في القناعة بأنه يفسد إسرائيل من الداخل، حسب تعبير ابراهام بورغ عندما ردد جملة شهيرة قالها الكاتب البيرميمي في كتابه الذي يحمل عنوان «صورة المستعمر» وجاء فيها «إذا كان الاستعمار يدمر من يقع عليه فإنه يفسد أيضاً من يقوم به».
* تجاوز الحدود
وهناك عدد ضئيل من العاملين في حقل الصحافة يجدون بأن ما يجري قد تجاوز كل الحدود، فبعد الغارة الجوية التي قتلت عدداً كبيراً من المدنيين في قطاع غزة، جاء في مقال نشرته صحيفة «هآرتس» بتاريخ 12 يوليو 2002 في إحدى صفحات الرأي بأن «شارون أدخلنا بشكل كامل في حقبة السلوك الحيواني».
وينقل المؤلف قول أحد الجنود الإسرائيليين كان قد شارك في عمليات ربيع 2002 الشرسة: «كي نتوصل إلى ذلك الحد من نزع السمة الإنسانية عن الفلسطينيين، كان علينا أن نتوقف عن رؤيتهم كبشر وبفعلنا هذا إنما قمنا بنزع إنسانيتنا نحن».
ما يؤكده المؤلف هو أن العلاقة مع الجيش هي التي تم وضعها «بعمق» موضع التساؤل،
وذلك في إطار واقع فقدان الثقة المتعاظم في البيانات الرسمية الصادرة عنه.. وهكذا أصبحت تتردد أكثر فأكثر الجملة الشائكة: «إن الناطق الرسمي باسم الجيش يكذب»، وحتى من قبل أنصار القمع، فهكذا عندما يتم تدمير 50 منزلاً في غزة رداً على مقتل أربعة جنود ثم يُقال إن عملية الهدم جرت لـ «أسباب عملياتية» فإنه «ليست هناك من يستطيع أن يأخذ ذلك على محمل الجد».
وواقع الاحتجاج وصل بالبعض مثل «شالومين ألوني» إلى القول: «إننا لا نخوض حرب بقاء وإنما حرباً استعمارية». وفي شهر نوفمبر 2003 أبدى أربعة من الرؤساء السابقين لجهاز «شين بيت» السري هم عامي أيالون وإبراهام شالوم وكارمي جيلون ويعقوب بيري» قلقهم بقولهم «إننا نذهب نحو كارثة».
ونددوا بفكرة القيام بالحرب من أجل تحقيق «الانتصار الكلي»؛ ودعوا إلى اتفاق سياسي قد يؤدي إلى الجلاء عن المستعمرات مقابل المواجهة التي لا يمكن تجنبها مع قسم من المستوطنين، على حد قولهم، ولقد برهنوا بشكل خاص بأن «الانتفاضة قد أدّت بهم إلى التشكيك بأسس نظرتهم الأمنية التقليدية».
ويرى المؤلف أنهم بهذا يعبرون عن شعور ينتشر أكثر فأكثر لدى الإسرائيليين ومفاده: «بالتأكيد هذه الحرب سيتم كسبها، وعلى الأقل ليس من الوارد خسارتها، لكن ستقودونا إلى أين؟». هذا وقد شرح المسؤولون السابقون في «شين بيت» بأن «الضرب بشكل أقوى أكثر فأكثر من أجل دفع الفلسطينيين إلى الاستسلام» سوف يؤدي بالبلاد وبالمجتمع إلى «الحائط».
وعلى سؤال كان قد وجهه أحد الصحافيين في ربيع عام 2002 خلال بث تلفزيوني يحظى بأكبر عدد من المشاهدين مساء السبت إلى «عامي أيالون» الوحيد من بين الأربعة الذي أطلق التصريحات علانية منذ بداية الانتفاضة وجاء فيها: «ألا تعتقدون بأنه يمكن كسب هذه الحرب؟»
فأجاب: «ألا تفهمون بأن كسب هذه الحرب قد يكون أسوأ شيء يمكن أن يحدث لإسرائيل؟» وبالمعنى نفسه كان قد كتب أحد الصحافيين في «هآرتس» بتاريخ 29 سبتمبر 2002 إذ قال: «إننا نجهل الخطر الملازم لانتصار كبير قد يجبرنا على العيش بجانب شعب جرى انتزاع كل أمل منه، إن المصلحة العليا لإسرائيل ليست في تحطيم الفلسطينيين وإنما العيش بقربهم بكل شرف. إن الحرب ليست متابعة السياسة بصورة أخرى، وإنما فشلها».
ثم إن التشكيك بالعنصر الأكثر ترسيخاً تاريخياً للعلاقة الإسرائيلية مع الوسط المحيط أي الأولوية المعطاة لـ «الأمن» لا تمر دون عواقب. هكذا بدأت شريحة متعاظمة من الإسرائيليين بالتشكيك بعناصر أخرى «أساسية» وهذا ما عبّر عنه المؤرخ والصحافي «جدعون ليفي» بالقول: «منذ عشر سنوات، كنت أقول فلننس 1948، فمن غير المفيد استعادة التاريخ، وإنما ينبغي التفكير بالمستقبل، كنت من بين أولئك الذين يعتقدون بإمكانية الوصول إلى السلام دون أي ذكر للاجئين.
لكن الانتفاضة أعادت طرح الأسئلة التي كانت مطروحة عام 1948 في حياتنا اليومية. وغدا صنع السلام مع تناسي اللاجئين سراباً. إن هذه القضية لا تمنع فقط الفلسطينيين من السير نحونا، فإنها تمنعنا نحن من صنع السلام معهم ومع أنفسنا». وفي الواقع ان مسألة اللاجئين هي الأكثر عرضة للإنكار من قبل الإسرائيليين تاريخياً، والحديث عنها بالتالي يشكل «التطوّر» الأكبر في مواقفهم.
* عودة على جرعات!
إن غالبية القائلين بالانسحاب النهائي من الأراضي المحتلة يتفقون مع الرأي الذي عبر عنه يوسف بورغ منذ انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية وهو الاعتراف للاجئين بـ «حق العودة» وإنما من أجل عدم تطبيقه إلا بـ «جرعات» يقول بورغ: «من المستحيل الطلب إلى الفلسطينيين بأن يتخلوا عن حق العودة بالنسبة للاجئين منهم، علينا التوصل إلى حل يجمع بين المسارين التاريخيين، مسارنا ومسارهم.
وإذا طلبنا منهم التخلي عن هذا الحق، فلن يكون هناك أي اتفاق أبداً»، وكان عامي أيالون أكثر تحديداً عندما قال: «مسألة اللاجئين أساسية. إنها تبني هوية الفلسطينيين. إذا أردنا الحفاظ على إسرائيل علينا أن نأخذها في اعتبارنا خاصة إذا أردنا الحصول على عدم عودتهم، أو عودة القليل منهم عملياً» لكن هناك آخرين لا يقتنعون أبداً بمثل هذا الحل مثل المؤرخ شلومو ساند الذي يقول: «إن قول نعم لمبدأ حق العودة وليس لتطبيقه يمثل نفاقاً.
فماذا يمكن أن يقال عن قانون يقول بالطلاق لكنه تطبيقه يغدو مرفوضاً بالنسبة للنساء عملياً». إن هذا المؤرخ هو بكل صراحة ووضوح ضد «حق العودة» لماذا؟ لكون أن هذه الفكرة «تخلق وهماً رهيباً لدى الفلسطينيين وذعراً مخيفاً لدى الإسرائيليين».
من جهة أخرى فإن رفض «عدم المساواة» السائد حالياً في إسرائيل ونتائجه يمثل القاسم المشترك بين أنصار الانسحاب في إسرائيل ونتائجه يمثل القاسم المشترك بين أنصار الانسحاب من الأراضي المحتلة. هكذا يقول «ابراهام شالوم» الذي كان من أكثر رؤساء جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «شين بيت» تشدداً: «كل، كل، كل ما تفعله مخجل، إننا نقوم بإذلال الفلسطينيين كأفراد وكمجموعة ولا أحد بيننا قد يتحمل ما نجعلهم يتحملون»
وقد فقد الجيش الإسرائيلي قدراً أكبر من أي كابح أخلاقي في ظل قيادة موشيه يعالون، الذي خلف «شاؤول موفاز» في قيادة الأركان وينقل المؤلف عن «أوري أفيري» الكاتب المعروف، أنه عندما جرى استبدال «موفاز» بـ «ايالون» تذكر قصة يهودية تقول بأن أحد المعروفين بسوء السلوك قد توفي وكان لابد من أن يقوم أحدهم بإلقاء الكلمة التي تتطلبها مراسم الدفن لكن الجميع تهربوا من ذلك
وبالتالي وجد الحاخام نفسه بحكم موقعه مكلفاً بالقيام بالمهمة فقال: «إنكم جميعاً يا أصدقائي تعرفون جيداً الميت وتعرفون مثلي كم كان بخيلاً وأبلهاً وقاسياً ومتكبراً وكاذباً ولم أعدد كل مسالبه لكنني سوف أقول لكم أمراً جيداً هو أنه بالمقارنة مع ابنه الموجود هنا، كان ملاكاً».
ويسوق المؤلف في هذا الإطار العديد من الوقائع والأحداث التي تثير «خجل» أولئك الذين ينضوون تحت اللافتة العريضة لـ «المعسكر الأخلاقي» مثل رواية امرأة عادية بأنها شاهدت ثلاث شرطيات إسرائيليات يتسلين بالاستهزاء من عجوز فلسطيني جاوز السبعين من العمر وتركنه ينتظر طويلاً في أحد المداخل الحدودية وعندما «سمحت» هذه المرأة لنفسها بالطلب من الشرطيات الاهتمام به كانت إجابتهن هي استدعاء الشرطة لاقتياد تلك المرأة إلى القسم لأنها «تزعج قوات الأمن أثناء قيامها بمهام عملها»
ويشير المؤلف بأنه في بعض الأحيان قد يحدث ويعلن أهالي القتلى من الإسرائيليين غضبهم ضد السياسة الإسرائيلية وينقل المؤلف عن «اسحق برانكنتال» رئيس منتدى أسر ضحايا التفجيرات قوله في صيف عام 2002: «ابني العزيز ايريك فلذة كبدي، قتله أحد الفلسطينيين، والمنظومة الأخلاقية ينبغي أن تكون متحررة من مشاعر الثأر
لكننا فقدنا أية منظومة أخلاقية قبل بداية العمليات الانتحارية لقد حدث المنعطف عندما شرعنا بالسيطرة على شعب آخر ان ابني ايريك قد ولد في إطار ديمقراطي وكان له حظ بإمكانية العيش الجيد أما قاتل ايريك فهو مولود في مجتمع خاضع للاحتلال وفي إطار من الفوضى ولو أن ابني كان قد ولد في مكانه فربما كان قد أنهى حياته بنفس الطريقة».
بل قد يحدث نادراً وأن يعرب بعض الحاخامات عن غضبهم حيال السياسة الرسمية الإسرائيلية القائمة على القمع، كما فعل الحاخام «دانييل ابستاين» يوم 11 سبتمبر 2003 عندما قال: «إن المسألة الجوهرية هي وجه الآخر وبهذا الصدد هل للفلسطينيين وجه؟ بالنسبة لي هذه هي المشكلة الأساسية فأي منطق شيطاني تركنا نعتقد بأننا سوف نكسب أمننا بالإكثار من عدد الضحايا الأبرياء؟
إن سياسة ترمي للتدمير ولمطاردة الإنسان هي نوع من الانتحار» ويقول ابراهام بورغ الرئيس السابق للكنيست، ما يلي: «إن الأمة الإسرائيلية لم تعد اليوم إلا كتلة لا شكل لها من الفساد والاضطهاد والظلم وحتى إذا طأطأ العرب رؤوسهم وابتلعوا إذلالهم فإنه سوف يأتي اليوم الذي لن يغدو فيه أي أمر يسير على ما يرام. وكل بناء يقوم على آلام الآخرين لابد وأن ينهار».
* دعابة يهودية
وما بين قطبي القوة غير المتكافئة على الإطلاق، أي الجيش والمستوطنون من جهة و«أنصار الدعوة الأخلاقية» من جهة أخرى يتأرجح الإسرائيليون بأغلبيتهم بين تنامي النزعة القومية المتشددة والتطلع نحو حياة طبيعية في ظل الهدوء والازدهار، وهذا ما تعبر عنه الدعابة اليهودية التالية.
- «بكلمة واحدة، كيف أنت؟
- بكلمة واحدة: جيد.
- كلا، كلا، تستطيع أن تقول كلمتين.
- بكلمتين: غير جيد».
- من جهته لم يبد ميزان القوى أبداً مع «الخصم» أكثر ملاءمة لاسرائيل مما هو الآن.. ولكن من جهة أخرى توفر أزمة لم تكن هي الأخرى أكثر عمقاً مما هي الآن. والنتيجة؟ هذا ما يعبر عنه «ابراهام بورغ» بالقول: «اسألوا أطفالكم من من بينهم متأكد بأنه سيكون موجوداً للعيش هنا بعد عشرين سنة. ولا شك بأن الأسئلة الأكثر تبرصاً قد تصدمكم؟ لأن العد التنازلي قد بدأ».
- ان لغة الأرقام شديدة البلاغة في هذا الميدان. ففي عام 2002 دل استطلاع للرأي أن 25% من الإسرائيليين الذين تتراوح أعمارهم بين 30 سنة و39 سنة «يفكرون بطريقة عملية بإمكانية مغادرة إسرائيل». وهذا بالإضافة إلى أن الذين تقل أعمارهم عن الـ 10 سنوات كانوا أكثر لدى الفلسطينيين من اليهود الإسرائيليين في «الأراضي المشتركة الإسرائيلية ـ الفلسطينية»..
وهذا ما خرج منه الباحث الاجتماعي «شالوم شطريت» بالقول: «ان تفكيك المستعمرات وإجلاء المستوطنين إلى ما وراء حدود 1967، هذا هو الحل الذي سوف نتوسل كي تتم الموافقة عليه بعد عشرين سنة اضافية من الاحتلال أو من التمييز العنصري عندما تصبح البلاد هرمة ومجزأة من الداخل ومغسلة كبيرة للأموال القذرة».
- إن الفساد والرشوة وإفلاس دولة القانون وأشكال العنف هي مواضيع تتردد باستمرار في الصحافة الإسرائيلية ووسائل الإعلام الأخرى. وبالوقت نفسه تبدي أجهزة الشرطة المختصة قلقاً متزايداً من تعاظم الوجود المافيوزي الذين رافق وصول المهاجرين الجدد، وخاصة الروس منهم.. لاسيما وأن أموالاً «غير محددة المصدر» أصبحت تغزو المنظومة المصرفية.
وبالوقت نفسه تتزايد أعداد أولئك الذين يبحثون عن «النجاة» من الخدمة العسكرية بـ «ألف وسيلة ووسيلة». وقد كتب الجنرال «جيل ريغيف» في عام 2002 بأن هناك «زيادة كبيرة في أعداد الفارين «بين أولئك الذين يتم استدعاؤهم لأداء الخدمة العسكرية.
وقد أشارت صحيفة هآرتس في عددها الصادر بتاريخ 12 نوفمبر 2002 بأن عدد عمليات الفرار من الجيش قد ارتفعت بنسبة 7% عام 1999 و31% في عام 2000 واقتربت من 40% عام 2001. ووصلت هذه الزيادة حسب مصادر الشرطة العسكرية إلى 67% في عام 2002. وهذا ما يتناسب مع فرار 2616 عام 2002 مقابل 1564 بالنسبة لعام 2001 من أصل جيش يبلغ عدد عناصره 186500 عنصر.
ويبقى من المواضيع الأكثر «تحريماً» من حيث التعرض لها في إسرائيل موضوع المقارنة بين أولئك الذين يغادرون إسرائيل بالقياس إلى أولئك الذين يهاجرون إليها. ويقرر مؤلف هذا الكتاب بأنه خلال 60 سنة من وجود إسرائيل تقريباً قدم إليها 5,2 مليون يهودي وغادرها حوالي المليون.
وبالطبع ليس معروفاً بدقة عدد أولئك الذين يرحلون عنها اليوم وعدد الذين يأتون للعيش فيها. لكن هذا لم يمنع صحيفة «يديعوت أحرونوت» بأن تختار أحد عناوينها بتاريخ 20 يوليو 2003 بالقول: «مغادرة إسرائيل تأخذ نسبة هائلة». وهذا ما يدل عليه بوضوح واقع أن عدد الإسرائيليين المسجلين لدى الدوائر الأميركية يبلغ 488000 شخص، وتدل المصالح القنصلية الإسرائيلية إلى أن عدد الذين غادروا إسرائيل يصل إلى 65000 إسرائيلي أي 5,12% تقريباً من مجموع اليهود الإسرائيليين.
ويضيف المؤلف: «إن النسبة هي في الواقع أكبر، لأن الإحصائيات لا تحسب سوى أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 18 سنة وكانوا قد غادروا ولم يعودوا منذ أربع سنوات ويضاف إلى هذا أولئك الذين لم يسجلوا أنفسهم في القنصليات.
* هجرة العقول
ويشير المؤلف في هذا الإطار إلى أن هؤلاء المغادرين ليسوا بالضرورة من «التقدميين» وربما أنهم معادون للعرب وإنه قد يعتريهم الحنين لإسرائيل. لكن غياب منظور «الحياة الطبيعية» في إسرائيل يتفوق لديهم على هذا كله. ثم إن العولمة تشجع ظاهرة «هجرة العقول» إلى البلدان الغنية.
وقد أشار «يوسي بيلين» إلى أن من بين الذين فضلوا الارتحال عن إسرائيل عدد من أبناء الأسر التي جاءت إلى فلسطين قبل قيام الدولة العبرية هكذا اختارت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عنواناً لها بتاريخ 28 يناير 2002 جاء فيه: «الأهل يديرون شؤون البلاد والأبناء ما وراء البحار».
وأظهر تحقيقها بأن ولدي الوزير «روني ميلو» يعيشان في نيويورك وكذلك ابنة وزير الدفاع آنذاك بنيامين بن اليعازر وابن اسحق رابين، كما أن حفيدة مناحيم بيغن قد غادرت إسرائيل واختار ابن حاييم هرتسوغ العيش في جنيف..
لقد تم اتهام «تبيلين» كما هو الأمر غالباً في مثل هذه الحالات، بأنه «ينسف معنويات الأمة» وذلك عبر المساس بصورتها. لكن المؤلف يرى بأن «رحيل هؤلاء الشباب يكشف بالفعل عن ظاهرة عميقة ومتعددة الوجوه». وهي تشمل أولئك الذين لا يرون مستقبلهم فيما يعتبرونه «بلادهم»
حيث إن «أطفالهم وأحفادهم سوف يعرفون الحرب أيضاً» حسب تعبير أرييل شارون نفسه ثم إن هؤلاء الشباب قد فقدوا «التصميم»، الذي كان لدى جيل 1948. ويقول الكاتب ديفيد غروسمان: «إن الخطر يأتي من واقع أن شبابنا لا يتصورون إنهم يعيشون حياة طبيعية». أضف إلى هذا إن العديد من الأهّل لا ينظرون بسوء لرحيل أبنائهم نحو سماوات أخرى «طالما يستمر الوضع على ما هو عليه».
* ظاهرة الرحيل
ويشير المؤلف إن وراء ظاهرة رحيل أعداد متزايدة من الشباب أسباب اقتصادية أيضاً. وكانت اسرائيل قد عرفت موجتين من «الرحيل» هامتين وذلك خلال فترة 1954 ـ 1956 ثم فترة 1964 ـ 1966 تعودان بالدرجة الأولى ل«الانحسار الاقتصادي».
وهذا السبب موجود من جديد، لكن المؤلف يرى ان اسباباً «أعمق» من هذا ولكن نادراً ما يتم الافصاح عنها صراحة، ويحددها بصورة سؤالين محددين هما: كم من الزمن يمكن لاسرائيل هذه أن تبقى أيضاً في محيطها؟ وكم من الزمن يمكنها المحافظة على «الآخر» محصوراً خلف جدران وتنغلق هي نفسها داخل جدرانها؟
وينقل المؤلف مرة أخرى عن ديفيد غروسمان قوله: «ما عليكم سوى الذهاب الى القنصلية البولندية لتروا طوابير انتظار أولئك الذين طلبوا الجنسية البولندية من أجل الحصول على جواز سفر أوروبي «فأية سخرية عبثية فطالما انه ليس هناك أي أفق لحياة طبيعية فإن هذه الظاهرة سوف تتعاظم».
والأمر نفسه بالنسبة للقنصليات التشيكية والمجرية واللتوانية والرومانية والبلغارية، اي البلدان التي أصبحت أعضاء في الاتحاد الأوروبي أو أنها مرشحة كي تصبح كذلك في أفق عام 2007.
ويدل تحقيق قام به معهد «داجاف» الإسرائيلي بطلب من المفوضية الأوروبية بأن هناك أكثر من 700000 اسرائيلي يمكن ان يكونوا معنيين بهذا الأمر، وأن 140 ألفاً قد سبق لهم وطلبوا الحصول على جنسية أخرى غير الجنسية الإسرائيلية. و«هذا السباق نحو جواز السفر الأوروبي» يبرز مدى نقص الثقة الضمني حيال مستقبل إسرائيل بـ «الصورة التي هي عليها».
وفي ابريل 2002، بعد أحداث جنين مباشرة، قام مؤلف هذا الكتاب، كما يقول، بالاتصال بـ «ناحوم برنيع» أشهر صحافيي «يديعوت أحرونوت»، والذي كان قد أسدى النصح للسلطات كي تزيل بسرعة جثث الفلسطينيين المكدّسة، قائلاً: «إذا لم تجد إسرائيل الوسيلة لدفن الجثث بشكل كريم فإن هذه الجثث سوف تدفننا». وكان العالم كله قد بدأ ينظر إلى إسرائيل كـ «مجرم حرب» من قياس الصربيين في البوسنة.
فقال له الصحافي: «هل تتصل بي من أجل نقدنا أيضاً؟ وأنتم الفرنسيون ماذا صنعتم في الجزائر؟ ومن أنت كي تسمح لنفسك بإصدار الأحكام؟» فعلّق المؤلف قائلاً: «ماذا يمكن أن يُقال عن شخص متهم بارتكاب جريمة ويصرّح بأن جاره قد ارتكب جرائم أكثر خطورة من جرائمه؟ إن أية محكمة ستعتبر مثل هذه المنظومة الدفاعية على أنها اعتراف بالذنب».
ومن الشائع في إسرائيل أن يتردّد قول «ماذا فعل الفرنسيون في الجزائر؟ والأميركيون في فيتنام؟ والروس في البلدان التي فتحوها؟ والإنجليز في كل مكان تقريباً وابتداءً من فلسطين؟». وهذه كلها وسائل من أجل «طمس أفعال» أولئك الذين يطرحون مثل هذه الأسئلة و«صرف النظر» عن الوقائع الجارية.
وفي المحصلة يبدو المجتمع الإسرائيلي ممزقاً ومشدوداً في اتجاهات مختلفة ومتعارضة، بل ومتناقضة أحياناً تؤدي به إلى الطريق المسدود.. وحيث تبدو إسرائيل مثل «قلعة مدججة بالسلاح، وليس لها أي مستقبل سوى الحرب الأبدية» والتي ستؤدي في النهاية إلى «اختفائها» هي نفسها.