تتحدث هذه الحلقة عن السياسة التي اتبعتها إسرائيل في المناطق الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967، حيث كانت تعتزم في البداية الاحتفاظ بغزة وترحيل اللاجئين فيها إلى الضفة الغربية والسماح بإنشاء كيان يتمتع بالحكم الذاتي فيها، ولكن نشوة الانتصار العسكري الذي تحقق في حرب يونيو جعلت القيادات الإسرائيلية تتراجع عن هذا المخطط وتقرر الاحتفاظ بغزة والضفة الغربية باعتبارهما جزءا من إسرائيل الكبرى.
وتتطرق الحلقة أيضاً الى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى الذي كان مفاجئاً للمسؤولين الإسرائيليين الذين توقعوا القضاء عليها خلال فترة وجيزة باستخدام القبضة الحديدية وسياسة تكسير العظام، ولكنهم في النهاية اضطروا إلى الاعتراف بأن الوسيلة الوحيدة لإيقافها هي من خلال المفاوضات السلمية.
عندما كان «تيودر هيرتزل» مؤسس الصهيونية في أيامه الأخيرة كتب رسالة لمن خلفوه عام 1904 قال لهم فيها «لا ترتكبوا حماقات بعد موتي». لكن هناك الكثير من «الحماقات» التي جرى ارتكابها قبل وبعد 1948، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب ومنها تلك التي ارتكبت بعد نهاية حرب الأيام الستة ما بين 6 و11 يونيو 1967 والتي احتلت إسرائيل خلالها سينا المصرية والضفة الغربية والجولان السورية، يومها رأى «إسحاق رفائيل» أحد كبار قادة الحزب الصهيوني الديني بأنه ينبغي على إسرائيل أن تتخلى عن الأراضي التي احتلتها حديثاً؟ وإلا فإنها ستجري نحو كارثة.
لقد أصبح اسم حزبه هو الحزب الوطني الديني وسيطرت عليه «غوش امونيم» القومية المتشددة التي أنشئت عام 1974، وبعد 37 سنة ترأس هذا الحزب ايفي ايتام الجنرال السابق الذي حدت قيادة أركان الجيش من تقدمه في المناصب «بسبب أشكال سلوكه الشخصي العنيفة التي لا تليق برتبته» باختصار انه «بذرة فاشية حقيقية».
وينقل المؤلف عنه قوله في مقابلة أجراها معه يوم تعيينه عضواً في الحكومة عام 2002: «من البحر إلى نهر الأردن، هذا هو المجال الحيوي للشعب اليهودي». وهنا يشير الكاتب إلى انعدام الثقافة العامة لدى هذا الجنرال السابق بحيث إنه «لا يعرف دون شك بأن الأوروبيين الأخيرين اللذين طالبا بمجال حيوي لشعبهما هما أدولف هتلر وسلوبودان ميلوسوفيتش».
وكانت بقية مقابلته من حيث مضمونها كما من حيث لهجتها من النوعية نفسها حيث هاجم بشدة مثلاً «المرض النفسي المدهش لدى الأوروبيين الذين يخفون لإنقاذ «المجرم» عرفات» ثم يضيف: «لدينا هنا أيضاً ـ في إسرائيل ـ مدافعون عن حقوق الإنسان وعن السلام وهم ليسوا مرضى نفسيين بدرجة أقل.
هنا يتساءل المؤلف: «كيف انتقلت الصهيونية الدينية من ثقافة سياسية معتدلة على غرار ما يمثله يوسف بورج أو إسحاق رفائيل إلى ابتذال عديم الثقافة وغامض لإيثام وكرهه لنموذج السلام؟ و«لماذا وكيف استطاع هذا التيار أن يصبح حزب المستوطنين؟».
لا شك بأن «الأطروحات» التي نشرها «ايثام» كانت موجودة في إسرائيل قبل 1967 خاصة داخل الصهيونية الدينية نفسها. وإذا كانت الديانة اليهودية تضع فلسطين، الحياة فوق كل الاعتبارات، فإن إيثام واليمين المتطرف عامة يضعون «حياة اليهودي» فوق حياة جميع الآخرين وفي جميع الظروف.
ثم إن الجملة التوراتية التي تتردد 70 مرة في التوراة والقائلة ما معناه «تذكر أنك كنت أجنبياً في مصر» لا يفسرونها على أنها دعوة لاحترام «الأجنبي» على اعتبار أن الفلسطينيين أجانب يحتلون بغير حق أراضي فلسطين، بل إنهم يفسرون الجملة بالطريقة التالية: «ليس لك أي أرض أخرى غير هذه، ذلك لأنك ستكون في أي مكان آخر أجنبياً ولا ينبغي أبداً أن تصبح كذلك بعد الآن»، ومنذ السنوات الأولى التي تلت حرب الأيام الستة، فإن هذا «التيار الغيبي ـ القومي الاستعماري لم يمكن مشروعاً فحسب، وإنما كان موضع التمجيد».
وقد تم تقديمه من قبل عدد من رجال السياسة وليس فقط من قبل اليمين بأنه يمثل «الرواد لجيش لإسرائيل. وهذا ما يجد تطبيقه باستيلاء مجموعات من الشباب المنضوين تحت رايته على أرض فلسطينية وإقامة مستعمرات عشوائية عليها كما يفعل «الرواد الأوائل».
* حزب المستوطنين
هذا التيار العريض هو الذي بنى بطريقة غير رسمية «الحزب» الذي يدعم عملية بناء المستوطنات، خاصة في الضفة الغربية المحتلة، وباستثناء الفترة القصيرة التي أعقبت اتفاقيات أوسلو فإنه «تراجع كي ينقضّ بقوة أكبر ويذلل بعض العقبات التي جرى وضعها أمامه أو من أجل أن يفرض إراداته أو حتى أن يأخذ جميع الحكومات كـ «رهائن». وذلك على خلفية «إرغامها» أو قناعتها بضرورة «استخدامه» لصالحها عندما تريد متابعة سياسة بناء المستعمرات.
ويعيد مؤلف الكتاب التذكير بقدرة غوش اليمونيم على أن تصبح المحرك الرئيسي لـ «حزب المستوطنين». وهذه «الكتلة» وبما تدعو إليه من «قيم» وفي مقدمتها «احتلال الأرض» و«أفضلية اليهودي» و«العنصرية المتطرفة ضد العرب»، هي التي بنت فكرياً ضرورة مثل هذا الاحتلال وقدمت له «المسوغات الأخلاقية».
في المحصلة أصبحت إسرائيل من خلال حرب الأيام الستة عام 1967 في موقع القوة «الأعظم» في منطقة الشرق الأوسط. يقول المؤلف: «حتى عام 1967 مثلت إسرائيل في الواقع مفارقة كبرى، وذلك على أساس أن الفلسطينيين الذين لم يتم طردهم أصبحوا «مواطنين إسرائيليين» وبحيث لم يكونوا يمثلون مع وصول موجات المهاجرين اليهود الكبرى سوى 10% من السكان (إنهم يمثلون اليوم 20% تقريباً) وهم بشكل خاص «محطمون» سياسياً بسبب «الهزيمة» وغياب أية قيادة وطنية وتبعثر نخبهم في المنافي، و«محطمين» اجتماعياً بالرحيل القسري المفاجئ لـ 80% من أهلهم وذويهم وأبناء وطنهم.
وبسرعة كرّست «الدولة العبرية» مفهوم «الأقليات» على أساس الأصل والمعتقد الديني.. لماذا؟ هذا ما يجيب عنه تقرير ساهمت في إعداده وزارات عدة عام 1949 عندما جاء في أحد فقراته: «بما أن إسرائيل لا تستطيع أن تفرض على الأقليات انحلالاً ثقافياً، فإن الطريقة الأفضل من أجل إدارة الأقليات هي تفريقها وتقسيمها أكثر بعد ذلك». إنه المنطق الاستعماري المعروف بـ «فرِّق تسد».
هكذا إذن أعطت إسرائيل لمدة تسع عشرة سنة لنفسها ركزية «اثنية» بحيث بدا أن «المسألة العربية» لم تعد سوى بمثابة تهديد خارجي مصدره الدول العربية التي كانت جميع دول الطوق فيها (باستثناء العراق الذي لا يمتلك حدوداً مباشرة مع الدول العبرية) قد وقّعت معها اتفاقية هدنة لوقف إطلاق النار.
* حزب الأرض
وكانت الرؤية «الأمنية» هي التي تشكل الجذر الذي يقوم عليه الفكر السياسي الإسرائيلي. ويشير المؤلف إلى أن عدداً من المناضلين العرب، من «عرب الداخل» كما شاعت التسمية، حاولوا عام 1958 تشكيل حزب قومي مشروع هو «حزب الأرض» ذي التوجه الناصري، كما يحدد المؤلف القول لكن تم حظره دون أي نقاش.
هكذا أصبح التعبير عن الاحتجاج السياسي مربوطاً حصراً بالحزب الشيوعي، وهو الذي كان قد وافق على قرار التقسيم عام 1947 استجابة لمطلب ستالين وحارب إلى جانب القوات الإسرائيلية عام 1948، لكنه كان في الوقت نفسه الوحيد الذي أشار إلى القمع الذي مارسته هذه القوات.
وفي صباح السادس من يونيو 1967 أعلن موشي دايان في تصريحه للإذاعة عن بداية العمليات العسكرية، مؤكداً «أن هذه ليست حرباً من أجل الفتح». وفي عشية اليوم السادس زادت إسرائيل من مساحة الأرض التي تقوم عليها ثلاثة أضعاف.
وقبل أسبوع قبل ذلك كان يوجد في إسرائيل 7. 2 مليون يهودي و300 ألف عربي بحيث كانت النسبة هي عربي واحد مقابل تسعة يهود. وبعد نهاية تلك الحرب الخاطفة أصبح عدد الفلسطينيين الذين يعيشون تحت السيطرة الإسرائيلية هو 3. 1 مليون نسمة لتصبح النسبة هي واحد لاثنين.
ويشير المؤلف هنا إلى أنه عند بداية الحرب طرح رئيس «الموساد» على رئيس الوزراء الإسرائيلي السؤال التالي: «علينا أن نعرف أهدافنا في الضفة الغربية فهل نريد البقاء فيها؟ هل نرغب بوحدة أم شيء آخر أيضاً» كان واضحاً بأن الإسرائيليين كانوا واثقين من انتصارهم، فأجاب ليفي أشكول: «وحتى لو قمنا باحتلال المدينة القديمة (من القدس) فإنه سيتوجب علينا تركها عاجلاً أم آجلاً».
بعد شهر واحد فقط «تطور هذا الخطاب» إذ لم يعد هناك من يفكر بالتخلي عن الأراضي المحتلة. وقد قال ليفي أشكول نفسه أمام قيادة حزب العمل الإسرائيلي : «بإحرازنا الانتصار تلقينا مهراً جيداً من الأراضي، ولكن أيضاً عروساً لا تروق لنا.
إن الحكومة بمجملها ترى بأن قطاع غزة ينبغي أن يبقى في إسرائيل وتريد أن يكون نهر الأردن حدودنا، والحكومة تعرف بأن هناك مشكلة لاجئين من المطلوب حلها. (...) دون سلام لن نتحرك. وإذا كنا نعتبر نهر الأردن كحدود لنا، فإنه لن يكون هناك خيار آخر إلا إيجاد منطقة سيكون لمليون من العرب ـ في الضفة والقطاع ـ فيها مكانة قانونية خاصة».
وفي هذا السياق عرض «ليفي أشكول» الإشكالية القادمة التي ستتم مواجهتها إذ قال: «ماذا سوف يجري بعد جيل؟ لا أعرف، إن لجنة هامة من الخبراء تدرس إمكانية إيجاد أراض في الضفة الغربية سيكون ممكناً فيها، مع زيادة إضافية للمياه، إقامة للاجئين وكان المقصود كما يحدد المؤلف هو فلسطينيي غزة».
إنني أرى إذن منطقة شبه مستقلة تسيطر إسرائيل فيها على الدفاع والشؤون الخارجية وسيان بالنسبة لي في نهاية المطاف بأن يطالبوا بتمثيلهم في منظمة الأمم المتحدة. لقد بدأت بمنطقة مستقلة ذاتياً وإذا لم يكن هذا ممكناً أي مستحيلاً، فسوف يكون لهم استقلالهم (...) إنني أخشى اندماج عدد كبير من العرب ��ي الدولة اليهودية».
وفي عام 1967 ومن أجل «الاحتفاظ» بغزة، تصور خبراء مهمون الصيغ العملية لإمكانيات ترحيل السكان منها، نحو الضفة ا لغربية على أساس أن عددهم كبير جداً بالنسبة للمساحة الجغرافية الصغيرة، وكانوا يقولون بأنه من السهل «نقل» العرب إذا أرادت إسرائيل ذلك. لكن بانتظار ذلك كان قد تم التخلي نهائياً عن الانسحاب من الأراضي المحتلة.
من جهة أخرى كانت قد بدأت تبرز مخاوف حيال «دمج عدد كبير من العرب» في إطار الحدود الجديدة، وبالفعل بعد 20 سنة انفجرت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في ظل واقع سكاني «ديمغرافي» جديد حيث أصبح يعيش في الأرض التاريخية لفلسطين التي وقعت تحت الانتداب البريطاني 2. 5 ملايين من اليهود الإسرائيليين و3. 4 ملايين من الفلسطينيين، أي ما يقترب كثيراً من التعادل العددي، وهذا ما يعلق عليه المؤلف بالقول: «على نفس الأرض، يقوم نصف السكان بفرض إراداتهم على النصف الثاني، وهذا ما كان ليفي أشكول يقول بأنه يخشاه أكثر من غيره بالتحديد».
بل وما كان يخشاه القادة الإسرائيليون كلهم، وفي مقدمتهم ديفيد بن غوريون نفسه، هكذا تابع البعض إظهار مخاوفه لفترة قليلة، ثم لاذوا بالصمت، واختفت نهائياً أية فكرة للتخلي عن الأراضي المحتلة، بينما تكرست سياسية «الأمر الواقع» من قبل غولدا مائير وموشيه دايان وشيمون بيريس، وايغال ألون وغيرهم. وبنفس الوقت ساد في «نشوة الانتصار» الاعتقاد بأنه ليس هناك من أحد قادر على عقاب إسرائيل، التي تبنت تماماً منطقة الاحتلال.
وخلال 20 سنة «لم يتحرك» الفلسطينيون كثيراً في ظل الاحتلال، فالقمع كان مباشراً بالمقابل لم يتم أبداً في القاموس الإسرائيلي تسمية «فلسطين» باسمها، فهي غير موجودة، وبالمقابل شاعت بعض التسميات مثل «سوق العبيد» الذي شاع في أوساط سنوات السبعينات، حيث كان يجتمع كل صباح، وعند الساعة السادسة، العمال القادمون من غزة بالشاحنات الصغيرة التي تعيدهم مساء إلى بيوتهم.
ويرى مؤلف هذا الكتاب بأن تعبير «سوق العبيد» يعبر جيداً عن مجموعات من السكان «محرومة من كل الحقوق السياسية والاجتماعية، وممنوع عليها القيام بأي شكل من أشكال التنظيم، ولا تمارس الاقتراع، ولا تملك أي حق سوى حق العمل والسكن»، وهكذا قامت بنظر الجميع، وفي إطار موقف سلبي عام. علاقة هيمنة على فلسطيني الأراضي المحتلة الذين يعرف العالم بأنهم موجودون وإنما «لا تتم رؤيتهم».
* إسرائيل الكبرى
وضمن نفس السياق رفض الإسرائيليون أن يستخدموا على الإطلاق تعبير «الأراضي المحتلة» الذي كان قد أصبح يستخدم دوليا وفي قرارات الأمم المتحدة وإنما كانوا يستخدمون «الأراضي المحررة» وذلك في منظور «إسرائيل الكبرى» وبالطبع مورست ضد أبناء تلك الأراضي المحتلة جميع الضغوط التي يلجأ لها المحتلون ولا يتردد المؤلف في القول بان المستوطنين ووراءهم أغلبية الإسرائيليين على قناعة بأنه قبلهم لم يكن هناك شيء. وقبل استيطانهم لم يكن الفلسطينيون يسكنون هنا ولا يعملون هنا ولا يزرعون هنا ولا يمتلكون الأراضي».
وتبقى الجملة التي كانت تتردد وكأنها بمثابة مسلمة لا تحتاج إلى نقاش هي أو لا شيء ولا احد» أن مثل هذا الإنكار للواقع مسيطر نهائيا على العقول وعلى الفكر السياسي في إسرائيل التي لم تعد ترى في الفلسطينيين سوى «مسألة أمنية» ولا شيء غير ذلك.
في عام 1987 استمر التمييز العنصري «الاباتهايد» في الأراضي المحتلة، حيث كان الجيش الإسرائيلي يقوم بما يشاء من عمليات باسم «الضرورات الأمنية» وجهاز الاستخبارات الإسرائيلية «شين بيت» يعتقل من يحلو له أن يعتقله ولفترات غير محدودة قد تستمر إلى سنوات من دون محاكمة ودون توجيه أية اتهامات «كما يقتضي القانون الإسرائيلي نفسه» هذا إلى جانب «التعذيب» بدون أي عقاب وفي مقابل هذا كله:
«فإن الإسرائيليين المسكونين بالهاجس الأمني لم يروا عملية النضوج الهادئة لجيل جديد من الفلسطينيين الذين لم يكن هناك أي شيء يعادل تصميمهم سوى غضبهم ضد القمع والإذلال والشعور بالعجز» وفي هذا السياق انفجرت الانتفاضة التي أذهلت المسؤولين الإسرائيليين الذين لم يروا قدوم أي شيء وساد الاعتقاد أولاً بان المسألة هي مجرد «انفجار للعنف» ينبغي إخماده دون إبطاء بل اعتبر بعضهم بان المسألة تتعلق بـ «عصابات» ولم يتردد إسحاق رابين، الذي كان عندها وزيراً للدفاع في حكومة ائتلاف موسع في القول «إننا سوف نكسر عظامهم» إذا لزم الأمر لكن الانتفاضة كانت أعمق من هذا بكثير.
لقد أبرزت تلك الانتفاضة «الشراسة والقسوة» العامة لدى الجنود الإسرائيليين الذين اخذوا على عاتقهم القيام بعمليات القمع والتعذيب بالإضافة إلى ما يقوم به الأجهزة السرية.
ويسرق المؤلف هنا «حادث» قرية سالم في مطلع شهر فبراير 1988 حيث قام الجنود الإسرائيليون بدفن أربعة مراهقين فلسطينيين وهم أحياء بعد ضربهم.. ولم يستطع السكان إنقاذهم إلا في اللحظة الأخيرة.
هذا العمل كان همجياً إلى درجة انه دفع الجنرال «ابرام متسناع» المرشح العمالي لاحقاً لمنصب رئيس الوزراء إلى القول: «في أسوأ الكوابيس، ما كان لي أن أتصور أن يقترف الجنود الإسرائيليون مثل هذا العمل».
مع نهاية السنة الأولى للانتفاضة كانت الحصيلة على الجانب الفلسطيني هي 400 شهيد و10000 جريح و6000 معتقل، لكن رغم هذا كله «لم تتراجع التعبئة الفلسطينية» وأصاب الجنود الإسرائيليون الإنهاك من قمع «تبدى غالبا انه عبثيا ولا جدوى منه» كان الأمر يتعلق في الواقع بانتفاضة عامة للشبيبة كتب عنها المسؤولون عن جهاز «شين بيث» إلى إسحاق رابين يقولون: «إنها ليست حرب عصابات. فالجيش لا خصم له. انه يقاتل ضد اطفال وحجارة».
كان إسحاق رابين، وزير الدفاع، الذي كان سابقاً رئيساً لأركان الجيش ثم دبلوماسياً ورئيساً للحكومة، قد فهم بإنه إذا كان «تكسير العظام» لم ينفع مع الانتفاضة فانه ينبغي «تجريب رسائل أخرى» وفي عام 1992 ترشح الجنرال رابين للانتخابات على رأس قائمة حزب العمل لقد كان يعرف جيداً إلى أين أدت «القبضة الحديدية» فما كان منه إلا أن وعد الإسرائيليين بأنه يعرف كيف يضع حداً للانتفاضة التي كانت لا تزال مستمرة منذ أربع سنوات لم يحدد كيف..
لقد فاز بالانتخابات وانفتحت بذلك الطريق نحو «أوسلو». هذا وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد أخذت شرعية جديدة بفضل الانتفاضة وبأنها تمثل شعباً يناضل ضد الاحتلال ومن اجل نيل استقلاله.
وفي هذا السياق تم توقيع اتفاق 13 سبتمبر 1993 في ساحة «البيت الأبيض» الأميركي ليلوح أمل الوصول إلى سلام وإمكانية التعايش مع قبول كل طرف للآخر شريطة أن يكون سلاماً عادلاً ودائما وشاملاً لكن رغم إعلان الكثير من النوايا «الطيبة» إلا انه لابد من انتظار سبع سنوات أخرى كي تبدأ المفاوضات الحقيقية في منظور ذلك السلام «الشامل والعادل والدائم» وذلك تحقيقا لهدف «المصالحة التاريخية» الذي كان بمثابة «الأفق» الذي حددته اتفاقية «أوسلو».
* مجزرة الحرم الإبراهيمي
لكن الأمور سارت في اتجاه آخر.. وبرزت منعطفات تنبئ بموجة عنف جديدة كان أولها قيام الطبيب اليهودي المتطرف «باروخ غولد شتاين» يوم 25 فبراير 194 بقتل المتطرف.
25 من المصلين الفلسطينيين في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل. وكان مستوطنون قوميون دينيون من بين الأكثر ترفقا قد أقاموا منذ عام 1968 في قلب هذه المدينة العربية التي يقطنها مئة ألف فلسطيني.
وهم مستوطنون معادون للعرب وللمسلمين و« في عمقهم أعداء لكل ما هو غير يهودي» كما يشير المؤلف مضيفا« باستثناء المسيحيين الأصوليين الأميركيين». نقلا عن صحيفة «لوموند» الفرنسية الصادرة بتاريخ 17 ديسمبر 2002».
بعد تلك المذبحة، قال مسؤولون في «شين بيت» لإسحاق رابين بضرورة «إجلاء هؤلاء المستوطنون عند الخليل». لكنه تردد في ذلك إذ لم يكن يريد أن يعطي منظمة التحرير الفلسطينية الانطباع بان إسرائيل يمكن أن تنسحب من أي مكان دون مقابل مع ذلك كان عدم فعل شيء يعني إعطاء الانطباع بالمقابل لأولئك المستوطنين بأنهم بمنأى عن أي عقاب، بكل الأحوال لم يتم اتخاذ أي خطوة إلا «إخضاع عرب الخليل لمنع تجول شامل هذا إلى جانب توجيه حول تجنب القيام بأعمال ثأر ضد المستوطنين أو ضد الجنود الإسرائيليين.
وكان قد جرى لفترة طرح فكرة إخلاء قسم من مستوطني الخليل، فيسرب أنصار الانسحاب شائعة إمكانية قيام المعنيين بالانسحاب بعملية «انتحار جماعي» وما يعني اتهام رابين بإثارة «حرب بين اليهود» بعضهم ضد بعض واليهود لا ينبغي أن يقاتلوا ضد يهود آخرين». هكذا وبعد أن همدت لفترة حمية كتلة غوش ايمونيم بعد اتفاق أوسلو مباشرة عادت للنهوض من جديد.
ووجدت الدعم لدى حاخامين رددوا بأنس التخلي عن سنتمتر مربع من ارض إسرائيل إنما هو عمل تدنيسي و«لا غفران له» وان «كل شيء مشروع من اجل منعه» وفي هذا السياق وفي يوم 4 نوفمبر 1995، أي بعد خمسة أسابيع من توقيع اتفاق «أوسلو 2» الذي كان ينص على انسحابات جديدة لإسرائيل قام «ايغال أمير» احد المتزمتين اليهود»، باغتيال اسحق رابين.
وحول الفترة اللاحقة، يقول مؤلف هذا الكتاب، بأنه «لا أحد يعرف ما ستؤول إليه الأمور لو لم يتم اغتيال اسحق رابين». ويشير بالاعتماد على عدة شهود بأنه كان قبل اغتياله بأشهر قد عرف «تحولاً هاماً»، واقتنع بأنه من اجل الوصول إلى السلام لابد من مواجهة صعبة مع أنصار استدامة الاحتلال.
وهذا ما يدلل عليه المؤلف من واقع انه تحدث في الطبعة الثانية من «مذكراته» عما جرى في اللد والرملة عام 1948 ـ من طرد الفلسطينيين بأوامر من ديفيد بن غوريون ـ بينما لم يكن لهذا أي ذكر في الطبعة الأولى.
كان رابين هو الذي اختار ا ن يكون أيهود باراك خليفته، والذي يجري وصفه بأنه «رجل غامض» ويجد به البعض «تشرشل إسرائيلي» بينما يؤكد مقربون سابقون عنه بأنه «تبسيطي» ويميل إلى الاعتقاد بأنه« قادر على الحصول على كل ما يريده، بفضل قدرته على التلاعب بالمتحدثين معه» ولا يتردد في «تمويه الحقيقة» بحيث تتناسب مع وجهات نظره، وهذه السمات.
كما يبدو كانت وراء الفشل الذي عرفته محادثات «كامب ديفيد» في صيف عام 2000. ويعيد المؤلف هذا الفشل بشكل خاص إلى عدم الفهم الإسرائيلي، ليس للأساطير وإنما للواقع، واقع الشعب الفلسطيني الذي وصل إليه بفعل إسرائيل وانه بقي حتى اليوم بالدرجة الأولى شعبا من اللاجئين؟
وأنه خاضع منذ عام 1967 الاحتلال عسكري، لم يفهم الإسرائيليون أن انتهاء السيطرة يشكل شرطا للوصول إلى حل للصراع.وكانت محادثات «طابا»، في يناير 2001 قد بينت بدون غموض بطلان «الخط الأحمر» المزعوم الذي كانت إسرائيل قد قالت انه لم يكن باستطاعتها أن تتجاوزه في كامب ديفيد دون أن تعرض وجودها للخطر.
ففي طابا تم تحقيق تقدم هام، نقطة اثر نقطة، باتجاه المطالب الفلسطينية في كامب ديفيد عام 2000. وذلك فيما يتعلق باللاجئين والحدود والمستعمرات.. بل وحتى حول القدس بعد عامين من «كامب ديفيد» أجرى المؤرخ «بيني موريس» مقابلة مطولة مع ايهود باراك نشرتها مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» لقد وصف فيها الفلسطينيون من أعلى هرم السلطة إلى أدناه بأنهم «كاذبون باستمرار.
ونتاج لثقافة لا يثير الكذب فيها أي تفاوت في نبرة الصوت. أنهم لا يعانون مشكلة النطق بالكذب كما هو موجود في الثقافة اليهودية ـ المسيحية» وقد اخبرني المدير المساعد لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي بأنه توجد مجتمعات لا تعمل فيها أجهزة الكشف عن الكذب».
هذا ما يعلق عليه مؤلف الكتاب بمثل يمكن ترجمته بـ «رمتني بدائها وانسلت» ثم يتساءل: «كيف يمكن تسمية ذلك الميل نحو الإسقاط على موضوع غضب الإنسان، وهي النقيصة المحددة التي هو نفسه مصابا بها؟».
لقد فشلت عملية السلام، لكن كامب ديفيد فرضت فكرة ان أية إمكانية للسلام مرهونة بالجلاء عن الأراضي المحتلة منذ فترة طويلة.. وهو ما قد يعني «مواجهة صعبة» مع المستوطنين وأنصارهم» وفي هذا السياق وصل أرييل شارون إلى السلطة.