مر أكثر من شهر ونصف الشهر على جلوسي داخل خندق في كروفورد. كان طلبي بسيطا: «أريد التحدث إلى الرجل الذي أرسل ما يزيد على مليون من شبابنا كي يقاتلوا ويقتلوا ويموتوا في بلد لم يكن يمثل أي تهديد على الولايات المتحدة الأميركية . لقد أردت أن أساله: «ما هو الهدف النبيل لهذه الحرب والذي ما برحت تتحدث عنها؟».
حسنا. نحن نعرف كلنا الآن أن جورج بوش لم ينزل إلى الشارع أبدا ليتحدث إلي. الحمد لله! كثير من الناس أخذوا يقولون إنني أمثل «الشرارة» و«المحفز» و«وجه حركة مناهضة الحرب»، وما إلى ذلك. غير أنني أختلف معهم في هذا الرأي. إن جورج بوش ومستشاريه المتغطرسين هم الشرارة التي أشعلت نيران حركات السلام التي اجتاحت الولايات المتحدة الأميركية والعالم بأسره.
لو أنه قد قابلني في ذلك اليوم في أغسطس، لواجه موقفاً سيئاً (و ذلك لأنني علمت أنه كان سيكذب وكنت سأعلن هذه الحقيقة في الصحف) ولكن مثل تلك المقابلة كانت ستترك أثرا بشكل أو بآخر على حركة السلام.عندما أتأمل الأحداث التي شهدها أغسطس الماضي، أجد نفسي وقد استنتجت سببين يمكن أن يكونا قد منعا جورج بوش من لقائي.
أما الأول فهو أنه جبان وليس هناك أي سبب نبيل على الإطلاق وراء ما حدث. ولو كان لديه أي قدر من الشجاعة واستقامة الشخصية لكان قابلني. ولو كان على سبيل المفارقة لديه أي قدر من الشجاعة واستقامة الشخصية لما كان قد أقدم من خلال حرب استباقية على غزو بلد لا يملك عمليا وسائل الدفاع عن نفسه.
كما أن مجلس وزرائه والمنتفعين من حوله هم أيضا يشكلون دليلاً دامغاً على أنه جبان. فلم يجرؤ أحد منهم على الاختلاف معه. فكيف يكون لأم من مدينة باكافيل في ولاية كاليفورنيا الشجاعة الكافية لتعترض على إمبراطور براري شابل رود؟ إن جميع الأسباب التي ساقها بوش لتكون المسوغ وراء الغزو والاحتلال المتواصل غير القانوني لدولة ذات سيادة هي أيضا أسباب غير حقيقية وهزلية بشكل جلي.
لقد كان يدعي أخيراً ( وذلك منذ أن اعترف منذ فترة طويلة أن العراق ليس فيه أي أسلحة دمار شامل أو له أي علاقة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر) أن احتلال العراق ينشر «الحرية والديمقراطية» في الشرق الأوسط. أحق هذا؟ هل لديه أي فكرة بأن الدستور الذي يقوم بصياغته الكيان الحاكم في العراق هو دستور يقوض حرية المرأة.
هل يُدرك أن النساء العراقيات طوال 50 عاما كان لديهن الحقوق ذاتها التي يتمتع بها الرجال في العراق؟ هل يدرك جورج( وبالطبع هو يدرك هذا) أن الحكومة الدمية التي نصبتها الولايات المتحدة الأميركية في العراق تتألف من الأشخاص أنفسهم الذين شجعوا عملية الغزو من أجل مكاسبهم الخاصة؟ ما نوع تلك الحرية والديمقراطية؟
إذا كان بوش مصرا على تطبيق الحرية والديمقراطية بهذا الشكل في العراق فلماذا لا يطبقها هنا في أميركا؟ إن نحو 62% من الشعب الأميركي يعتقدون أن ما فعله بوش في العراق خطأ . ينبغي لنا أن نبدأ في إعادة جنودنا إلى وطنهم. حسنا جورج: إن نسبة 62% تمثل غالبية واضحة ويتعين عليك أن تبدأ في الإنصات إلى هؤلاء الذي يدفعون راتبك.
وزعم أيضا أن ما نفعله في العراق يجعل أميركا «أكثر أمانا»، وهو ما يعد تصريحا آخر يمكن تدحيضه حتى بشكل أيسر من أكذوبة «الحرية والديمقراطية». وحتى يمكننا تفنيد هذا الخداع التافه، فإن كل ما علينا فعله هو أن ننظر إلى ما جرى للولايات المطلة على خليج المكسيك. فلنسأل ساكني نيو أورليانز، على وجه الخصوص، عما إذا كانوا يشعرون بأي أمان.
وبسوء استخدامه لقواتنا ومعداتنا وبهدر مليارات الدولارات في صحراء العراق، فإن جورج بوش قد جعل بلادنا أكثر ضعفا في مواجهة هجمات القوى الخارجية. للأسف الشديد ومن خلال التصريحات الباردة التي تخلو من أي عاطفة والتي أدلى بها أناس أمثال مايكل تشيرتوف وووالدة جورج بوش نفسها،
فإنه يبدو أن أهالي نيو أورليانز يمثلون دمارا شاملا «قبولا» للصفوة الحاكمة لبلدنا. إنني أقول من واقع رأيي المتواضع أن الشيء الوحيد الذي سيجعل الولايات المتحدة الأميركية أكثر أمانا هو أن يترك جورج بوش ومؤيدوه المفتقدون لأي مشاعر وغير الأكفاء بشكل يمثل خطورة على البلد- أن يترك كل هؤلاء البيت الأبيض.
لقد حان الوقت كذلك لأن يُوقف نزيف الأموال في العراق. لقد كنت شاهدة عيان على الفقر المدقع والشعور بخيبة الأمل والتخلي الذي كان يعيشه شعب نيو أورليانز الأقل حظا حتى قبل أن تنهار السدود. حان الوقت لكي يُبث الأمل مرة أخرى بين أفراد مجتمعاتنا.
حان وقت رعاية الأميركيين. ما هو حجم الأموال ـ أموال ضرائبنا ـ التي سنسمح لبوش والكونغرس والشركات بسوء استخدامها وإضاعتها مرة أخرى في العراق؟لن نسمح بإراقة نقطة دم أخرى ولا بالتضحية بنفس أخرى ولا بسنت واحد إضافي ينفق على عمليات القتل.
سيندي شيهان
ترجمة: حاتم حسين
عن: موقع «تروث آوت»