أكمل أرييل شارون في الواقع ما كان ايهود باراك قد شرّع به. وليس هناك تقريباً ما مارسه منذ وصوله إلى السلطة في شهر مارس 2001، لم يكن قد تمّ «تجريبه» خلال الأشهر التي حكم فيها ايهود باراك منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

وفي الواقع إن جميع الحكومات الإسرائيلية سواء كانت برئاسة «الليكود» أو حزب العمل أو ائتلافية، مارست كلها العقوبات الجماعية، وفرض منع التجول والحصار وهدم البيوت واقتلاع الأشجار وإطلاق النار على المتظاهرين المدنيين والاعتقال الإداري دون اتهام أو فتح تحقيق أو محاكمة وعمليات الاغتيال ذات الهدف المحدد.. وهذا كله ضد الفلسطينيين.

ويذكر المؤلف بهذا الصدد عملية الاغتيال التي جرت بتاريخ 31 ديسمبر 2001 وكانت من بين العمليات الأولى في سلسلة طويلة من نوعها، وهي التي استهدفت طبيب الأسنان ثابت ثابت، أمين سر حركة «فتح» في طولكرم، والذي كان معروفاً بصلاته مع أنصار السلام الإسرائيليين وخاصة مجموعة «السلام الآن»، ولقد قامت باغتياله وحدة خاصة.

لقد مارس الجيش الإسرائيلي كل «الطرق» من أجل إخماد الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وكان «باراك» قد أعلن عملياً بعد قطيعة مفاوضات «طابا» بأنه يريد إخراج عرفات من اللعبة. بل إن «الجدار الفاصل» كان في الأصل فكرة عمّالية كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب قبل أن يشير إلى «تجديد» قام به أرييل شارون وهو «استخدام الطائرات المقاتلة لإلقاء القنابل على المناطق المدنية». ثم يضيف: «من الخطأ عدم رؤية شارون إلا كمجرد مكمّل لما بدأه ايهود باراك، وإنما بطريقة أكثر قسوة».

لقد وصل شارون إلى السلطة وهو يحمل رؤية تقوم على قناعات قديمة لديه. وينقل المؤلف عن «شيمون شيفير» الصحافي المخضرم في جريدة «يديعوت أحرونوت»، الذي رافق شارون، طيلة أسفاره كوزير اعتباراً من عام 1977 قوله: «لقد خلص شارون من حرب لبنان عام 1982 إلى نتيجتين هما: لا ينبغي أبداً تقسيم الشعب، ولا الانقطاع عن الأميركيين.

كانت خلفيته في ذلك هو أنه بعد مذبحة صبرا وشاتيلا تظاهر مئة ألف إسرائيلي وهم يرددون: «شارون قاتل»، كما قطع الرئيس الأميركي آنذاك دعمه فجأة لتدخل الجيش الإسرائيلي في بيروت، أنه لم ينس ذلك وقد حرص عندما وصل إلى السلطة على تقوية الأواصر، القوية أصلاً، مع الإدارة الأميركية برئاسة جورج دبليو بوش.

كان مبدأ أرييل شارون المستمر هو «الأمن فوق القانون». وكان قد مارس عمليات الاغتيال المخططة منذ سنوات الخمسينات ضد المدنيين.. ويذكر المؤلف بأن أكثر تلك العمليات شهرة تمثّلت في عملية الاغتيال ليلاً ل60 من سكان قرية «قبية» الفلسطينية الحدودية والتي نفذتها الوحدة 101 التي كان يقودها.. وذلك تحديداً في ليلة 12 أكتوبر 1953.

ويجري وصفه بأنه: «لا يتراجع أمام استخدام أية ديماغوجية من أجل دفع طموحاته إلى الأمام ولا يتردد أمام ارتكاب أية خساسة من أجل سحق كل من يقف في طريقه خصماً كان أو رفيقاً». وشارون هو، إلى جانب جنرال آخر: عيزرا وايزمان، المؤسس الحقيقي لليمين الإسرائيلي المعاصر.

* صراع الحضارات

كان ديفيد بن غوريون قد تحاشى باستمرار الحديث عن «الحدود».. وعلى غراره اعتبر شارون بأن إسرائيل «في حالة تطور» حسب الظروف، وإذن هي ذات حدود «غير نهائية»، مع إصراره على أن «المجابهة بين المعسكرين واضحة»، وبهذا المعنى يؤمن تماماً ب«صراع الحضارات».إنه يقاسم «اليمين المتشدد» التاريخي للصهيونية تصلبه فيما يخص تحقيق مشروع «إسرائيل الكبرى». لكنه يتميز عن هذا اليمين «ببراغماتيته».

حسه العملي «البراغماتي» هذا يشرحه المؤلف حيال موقفه من الانسحاب من قطاع غزة كالتالي: «إن شارون، البراغماتي في إطار قناعاته، يستعد لتفكيك جميع مستعمرات قطاع غزة «بينما كان قد قال عند وصوله إلى السلطة علناً بأنه «لن ينسحب من أي منها، بأي ثمن».. ويؤكد المؤلف بأنه يقبل الانسحاب «إذا كان ذلك يخدم طموحات أخرى تذهب في اتجاه تدمير الأمة الفلسطينية وتعزز ـ التراب ـ الإسرائيلي في إطار رؤية بن غوريون».

أما السمة الأولى لأرييل شارون، كما يقدمها المؤلف، فهي أنه «لاعب سياسي ومناور لا يعرف سوى قاعدة واحدة هي كسب الوقت من أجل دفع أهدافه إلى الأمام».وعلى أساس هذا المبدأ، فإنه إذا تشدد، وتراجع فإن هذا لا يؤدي به إلى تغيير مفهومه الأساسي، وإنما سيكون ذلك دائماً لأسباب «ظرفية».

يقول المؤلف: «يمكنه أن يتخلى عن غزة اليوم إذا لزم الأمر كي يعزز من موقعه في الضفة الغربية، كما يمكنه أن يغزو غزة عسكرياً في وقت لاحق حسب الظروف أو على العكس قد يقوم بنك ارتباط إضافي في الضفة الغربية من اجل ان يضمن بشكل أفضل استدامة بعض المستعمرات. كل شيء مرتبط بالظروف، فعندما تكون مؤاتية يتقدم إلى أقصى حد ممكن وعندما لا تكون مؤاتية يناور مستخدماً حجة استعداده لقبول تنازلات مؤلمة من اجل ان يكسب الوقت وينتظر أياماً أفضل.

وبعد شهرين من الانتصار الانتخابي الساحق الذي حققه ارييل شارون على ايهود باراك في انتخابات 2001، أعطى «اريك» الاسم الشائع عن شارون، مقابلة أولى للصحافة خرجت بعدها صحيفة «هآرتس» بالعنوان التالي «شارون هو شارون وسيبقى كذلك ويرى المؤلف بأنه «قال فيها كل شيء عن علاقته السياسية بالزمان والمكان».

فماذا عن النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي؟ قال شارون: «ان حرب الاستقلال لم تنته كلا ان 1948 لم تكن سوى الفصل الأول» وأضاف: «ما كان صحيحاً قبل قيام إسرائيل يبقى صحيحاً ولم يتغير أي شيء جذرياً» ثم «كان القتال ولا يزال مهمة جيلنا وسيكون مهمة الأجيال المقبلة» و«لا يزال الطريق طويلا جدا، انه يتطلب الصبر والبصيرة والإرادة، الكثير من الإرادة».

والفلسطينيون؟ ان شارون لا يعرف منهم سوى فئتين: أولئك الذين يعيشون من اجل «جلب الخبز للمنزل وتربية أطفالهم» وهؤلاء يقبلهم داخل إسرائيل، والآخرون ذوو الطموحات الأوسع نطاقا وهؤلاء منخرطون جميعهم في الإرهاب ولهذا يحاربهم.وإسرائيل؟ قال شارون: «ان البشر لم يعودوا يستثارون كثيراً بفكرة كسب هكتار من الأرض لكن انا يثيرني هذا باستمرار والأمر الأساسي هو ألا يغيب أبداً عن البال واقع ان طموح الصهيونية هو الذهاب دائما إلى الأمام».

والمستعمرات؟ «ليس هناك أي سبب للجلاء عن اية واحدة منها. وطالما ليس هناك سلام فسوف نبقى فيها وإذا حصل ذات يوم، وبمعونة الله، ان حل السلام فانه لن يعود هناك بالتأكيد أي سبب لعدم البقاء فيها» وعن مشروعه السياسي قال شارون بالبحث عن «حل تدريجي» بحيث يتم الوصول أولاً إلى «اتفاق حل وسط لمدة عشر أو خمس عشرة سنة «وبعدها إمكانية قيام دولة فلسطينية على «42 من الأراضي ـ المحتلة ـ وربما أكثر قليلاً

ويضيف: «لكن التخلي ـ إعطاء ـ أكثر من 42% سوف يتركنا دون الحصول على ممتلكاتنا التاريخية والاستراتيجية، ودون نهاية لحالة الصراع».وماذا يمكن أن يقرأ في هذه الأقوال؟ ان أهم ما رآه مؤلف هذا الكتاب هو تأكيد شارون على أن «حدود إسرائيل ليست نهائية أبداً»

كما ان «الجنرال العجوز يبدي أيضاً في هذه المقابلة حنينا متأججا لملحمة 1948 ولعملية التوسع عام 1967 وحيث يصف الإسرائيليين بأنهم كانوا آنذاك فاتحين». ولا ينسى أن «يتباكى» أمام ما يسميه بـ «عدم كفاية المعنويات» لدى الإسرائيليين اليوم».

* وراء الجدار

ان «متابعة» حرب 1948 تعني بالنسبة لارييل شارون «المضي نحو الأمام» وهذا هو الشعار الذي حاول ان يطبقه منذ عودته إلى السلطة، وحيث تبقى الأولوية بالنسبة له هي «تحطيم الحركة الوطنية الفلسطينية» وما بقي ثانوي وفي ظل شارون تجاوز القمع مراحل جديدة وبحيث جعل الفلسطينيين «وراء جدار» في بلادهم بعد ان كان قد حاصرهم في بيوتهم لمدة شهور كاملة وكمثال يسوق المؤلف ما جرى بين 19 يونيو و30 أغسطس 2002

حيث لم تتم السماح لسكان رام الله بالخروج من بيوتهم طيلة هذه الفترة سوى 51 ساعة، أي بمعدل 4 ساعات أسبوعياً، ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق بأنه كانت هناك المئات من عمليات منع التجول المشابهة. كما جرى إغلاق الجامعات والمدارس مرات ومرات.. ثم «وعلى عكس ما يعتقده الرأي العام فان عمليات تدمير المنازل لم تكن تخص اسر الانتحاريين فقط.

وإنما جرى تدمير الأغلبية منها لـ «ضرورات عسكرية» أو لتلبية حاجات المستوطنين المجاورين لها أو لمجرد الإذلال» حسب تعبير المؤلف الذي يشير مباشرة إلى انه في مدينة رام الله قام الجيش الإسرائيلي بتدمير 34 وحدة سكنية قامت ببنائها جمعية للعمال الفلسطينيين والسبب؟

لقد تجاوزت المجال البلدي الممنوح للمدينة في المنطقة الأولى كذلك يسوق المؤلف في هذا الإطار عددا من الشعارات التي كان اليهود يكتبونها على الجدران وعلى الأبواب الحديدية للمخازن المغلقة والتي كانت تضم جملاً «توراتية» وشتائم موجهة للعرب وليس أقلها: «العرب خنازير» و «الموت للعرب» و «العرب إلى محرقة الجثث» .. الخ.

هناك حالة من التفكك الاجتماعي تسود المجتمع الفلسطيني ذلك إنه من غير المحتمل ما يعانيه في حياته اليومية في ظل الإحساس بأنه خاضع باستمرار للإرادة المتقلبة للجنود الإسرائيليين وللامبالاة وللمشرحة وأحيانا لـ «سادية» هؤلاء الصبيان ببدلاتهم العسكرية وسلاحهم المشرع بأيديهم الذين يقومون بحراسة «المتوحشين» في أقفاصهم

هذا كله إلى جانب احتمال تعرضهم للإهانة من قبل المستوطنين اليهود المتطرفين الذين يبدون بمنأى عن أي عقاب وفي المحصلة كان هذا هو الحد الأدنى الضروري حسب خطة شارون، وهذا يتماشى تماما مع المنطق الاستعماري الذي أوصل إلى فكرة بناء الجدار.

لكن أمام «الصمود» الذي برهن عليه الفلسطينيون أمام خطة شارون والضغوط الدبلوماسية «المتواضعة» التي جرت ممارستها حيال إسرائيل، اتخذ شارون قرار الانسحاب من غزة يقول المؤلف: ان القرار المتخذ في شهر يونيو 2004 بالقيام أخيرا بعملية إنهاء المستعمرات في غزة يعود إلى ثلاثة عوامل هي استحالة الوصول إلى استسلام مليون شخص من أهل غزة المحشورين في رقعتهم الضيقة مثل زريبة وضرورة اتخاذ المبادرة السياسية

من أجل جعل خارطة الطريق بدون قيمة وهي التي أعدتها أطراف أربعة تتمثل في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا ومنظمة الأمم المتحدة والتي تنص على قيام دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة، والعامل الأخير هو الرأي العام الإسرائيلي المقتنع بأغلبية بأن متابعة احتلال قطاع غزة عملية من المعقد جداً تحقيقها،

وهي لا مستقبل لها، وكان دوق ويسغلاس مستشار أرييل شارون قد عبر ولكن بكلمات مختارة ومنمقة، في مقابلة له مع صحيفة «هآرتس» بتاريخ 8 أكتوبر 2004 إلى هذه العوامل الثلاثة من أجل تبرير «قرار معلمة» بإجلاء المستوطنين من مستعمرات غزة.

وينقل المؤلف عن الأستاذ الجامعي الإسرائيلي موشيه نيغبي قوله: «ان شارون هو رمز تطور الذهنيات وهو الرجل الذي لا يعرف سوى موازين القوى الذي كان قبل عام 1995 قد ظهر في مقدمة متظاهرين يحملون صورة كاريكاتورية لاسحاق رابين وهو بزي ضابط ألماني نازي. ولقد أصبح رئيس وزراء إسرائيل ودخل شيمون بيريز ـ العمالي ـ حكومته كذلك دخلتها ابنة اسحق رابين ان تقديس منطق القوة يفرض نفسه في المفهوم العام.

فكيف جرى وارتمت أغلبية من الإسرائيليين في أحضان شارون، وهو رجل له ماض مثير للجدل وأفكاره معروفة وكذلك قسوته؟ وهذا ما يجيب عنه المؤلف بالقول إن التناقض قد أصبح أحد السمات الأساسية لدى الرأي العام الإسرائيلي.. وهذا ما تدل عليه استطلاعات الرأي المتكررة التي تبين بان الإسرائيليين يطالبون دائما بقمع أكبر للفلسطينيين ويؤيدون دائما إلى حد كبير «ترحيلهم» إلى مناطق أخرى، ولكنهم أيضا يؤكدون كل مرة بأن أكثريتهم يؤيدون انسحابا ما من الأراضي المحتلة.

هذا يعني أنهم يريدون العيش بدون العرب، لكنهم يعرفون بأن هؤلاء موجودون وبأنهم لن يرحلوا،. ويدرك الإسرائيليون أيضا، إلى هذا القدر أو ذاك، بأن ما يقوله رجال السياسة وجنرالات الجيش لهم ليس صحيحاً تماماً بل وانه يحمل الكثير من التناقش فقبل 20 سنة كانوا يرددون بكل ثقة بأن «الانتصار قريب» لكن شارون قال لهم بأن الصراع سوف يكون طويلا ومريرا وبأن الأجيال المقبلة سوف تخوض الحروب أيضاً.

* منطق متناقض

والنتيجة؟ ربما أن الجملة التالية التي تتردد في إسرائيل اليوم وتعبر عنها بشكل جيد. تقول هذه الجملة «إذا كان الأمر ممكنا فينبغي طرد جميع العرب؟ لكن بما ان ذلك ليس ممكنا، فليتم إذن الانسحاب من الأراضي ولا يعود أحد يتطرق لذكر الفلسطينيين» انه منطق يقبل الشيء وضده بنفس الوقت، ولابد إلا أن يؤدي إلى طريق مسدود،

ويرى المؤلف بأن الإسرائيليين قد دعموا شارون بنسبة كبيرة منهم تمشياً أيضاً مع منطق قديم جدا جرى تنشيطه إلى درجة لا سابق لها بسبب الانتفاضة الفلسطينية والعمليات والإحساس بالعزلة على المسرح الدولي. وبناء على هذا يصبح من غير المقبول أن ينتصر الفلسطينيون؟ وإنما من الممكن الموافقة على إعطائهم شيئاً ما، لكن أن يحصلوا هم أنفسهم عليه وبالقوة أيضاً، فهذا أمر لا يمكن القبول به أبداً.

وهذا يعود إلى الصورة الجماعية للذات التي تصيغ فعلياً الذهنيات.. لكن «هذه الحالة الذهنية تثير من جهة أخرى أشكالاً من السلوك لا يدرك الإسرائيليون عامة كم يقنعون المعسكر الخصم من خلالها بأنهم هم أنفسهم لا يفهمون سوى منطق القوة» هذه هي النتيجة التي يخرج بها المؤلف؟

وهذا ما يترتب عليه أيضاً حسب تعبير للكاتب «ديفيد غروسمان» ينقل عنه المؤلف، بأن «يتشابه» الإسرائيليون إلى حد كبير مع «ذوي الأقدام السوداء» في الجزائر أي المستوطنين الأوروبيين؟ وذلك بمعنى «إن المستوطنين قد جرّوا إسرائيل كلها إلى عملية أدت آلياتها بالمجتمع كله إلى التعود على ـ الأبرتهايد ـ والتمييز العنصري».

وإذا كان العنف قد عرف مستوى استثنائياً في ظل حكومة ارييل شارون، فإن هذا ينضوي في الخط المستقيم للنزوع المتزايد نحو العنف في الممارسات الاجتماعية وفي الخطاب السياسي الإسرائيلي منذ توسع الاحتلال للفلسطينيين اعتباراً من عام 1967 وتقوم «الكتلة القومية المتطرفة» في إسرائيل اليوم بدور «المنشط الرئيسي» لعملية النزوع نحو درجة أكبر من ممارسة العنف وهي كتلة يصفها المؤلف بأنها «غير متجانسة» بل و«متنافرة» جذرياً

وإنما يجمع مكوناتها كلها «التطرف في التمييز العنصري حيال العرب أو المسلمين» ويؤكد المؤلف بأن ما يلحم اليوم القوميين الإسرائيليين المتزمتين أي ما يشكل بمختلف مكوناته من المعسكر القومي الديني وحزب المستوطنين واليمين التاريخي كله تقريباً وجزءاً مهماً من اليسار ما بين 70% إلى 80% من اليهود والإسرائيليين إنما هو ما يسمونه بـ «محاربة الإرهاب» أي رفضهم الاعتراف بالفلسطينيين كحركة وطنية ومهما كانت الطرق التي تلجأ إليها وإنما تجد فيهم «خصماً بدون أية هوية سوى الرعب».

يقول المؤلف هذا الكتاب: «إن اختزال السلطة الفلسطينية إلى مجرد كيان إرهابي دون أية سمة سياسية هو نفي وإنكار للواقع» كما يرى بأن «اختزال حماس إلى مثل هذه الصفة هو إنكار للواقع أيضاً فحماس هي حركة قومية أولاً تقوم بإدراج الطلب الوطني في منطق ديني»

ومن هذا المنطلق تبدو في ظل الاحتلال بمثابة منظمة للمقاومة فما يحدد الوظيفة السياسية لمنظمة ما ليس أيديولوجيتها وإنما موقعها في علاقة السيطرة ويضرب المؤلف بهذا الصدد مثال الشيوعيين الذين كانوا في «طليعة المقاومين» أثناء الحرب العالمية الثانية بينما كانوا «يبررون» من جهة أخرى جرائم ستالين.

بالمقابل يضع القوميون المتطرفون الإسرائيليون «عالماً ذهنياً» يقبعون داخله، وكأنهم قابعون وراء جدار وهو عالم يتحدد عبر تناقض ثنائي هو «هم ضدنا» و«هم متخلفون وبرابرة ونحن متحضرون وفاضلون» وبالتالي أمام هذا العدو الذي لا يملك أياً من «مقومات الإنسانية» ليست هناك لغة للتعامل سوى لغة واحدة هي لغة القوة ومثل هذه الرؤية «ليست دون نتائج على المجتمع الإسرائيلي بأكمله»

وفي مقدمة هذه النتائج «تضاؤل البعد الديمقراطي» لقد بدا مثل هذا التضاؤل في إطار «انحراف أكثر عمومية إذ أن عدم تعرض قوات الأمن لأي عقاب لم يصل إلى مثل هذه الدرجة في إسرائيل وحسب وإنما هناك مختلف الصفقات والفساد السياسي واقتطاع أجزاء كبيرة من الميزانية المخصصة للبرامج الاجتماعية وشيوع العنف الزوجي وزيادة الجريمة؟

هذه الأمور كلها لم تبلغ أبداً المستوى التي بلغته هذه الأيام باختصار هناك «نزوع واضح نحو الشراسة» يتبدى نموذجه الأكثر بشاعة في المعاملة المخجلة حيال العمال المهاجرين «الذين جرى استيرادهم» من تايلاند والفلبين ورومانيا وبلدان أخرى اثر عمليات الحصار المتكررة التي ضربها الجيش الإسرائيلي على المدن والقرى الفلسطينية التي كانت تؤمن اليد العاملة لسوق العمل المحلي.

* حق العودة

ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين للحديث عن كتاب صدر عام 2002 للمؤرخ «دان ياهاف» تحت عنوان «نقاء الأسلحة» يعدد فيه الأفعال التي تناقض منذ عقود الرؤية التي يحملها الإسرائيليون عن قواتهم المسلحة وبأنها الأكثر أخلاقية في العالم وكذلك يشير إلى كتاب آخر تم نشره باللغة الفرنسية عام 2002 وألفه أستاذان جامعيان إسرائيليان هما «إسرائيل فنكلشتاين» مدير معهد الآثار في جامعة تل أبيب وزميله البروفيسور «نيل آشير سيلبرمان» تحت عنوان «رفع النقاب عن التوراة»

وقد «شكك المؤلفان بسلسلة طويلة من الأسس التوراتية وتحديد المواقع الحقيقية للعديد من الأمكنة. كما يدحض الكتاب، خاصة بشكل صارم حقيقة الهيكل في القدس بعهد سليمان». هذا وقد علق المؤرخ «شلومو ساند» على الكتاب وبأن نشر ما جاء فيه من أفكار كان من غير المعقول قبل سنوات، لأنه «ينسف الأسطورة» التي يقوم عليها مبدأ «حق العودة» بالنسبة للشعب اليهودي «إلى أرضه»، والذي يشكل أحد المرتكزات «الأسطورية» المؤسسة لإسرائيل.

وما يؤكد عليه المؤلف هو مدى الضغوط التي يتعرض لها جامعيون وفنانون وصحافيون من قبل السلطات الإسرائيلية لأنهم قد يصدرون بعض الآراء التي لا تتوافق مع «الروايات الرسمية»، وهو يقدم مثالاً على ذلك «يافا ياركوني» أكبر المطربات، والتي أخذت لقب «مغنية جميع الحروب»، وظهرت لها آلاف الصور إلى جانب جنرالات الجيش الإسرائيلي من موشيه دايان إلى أرييل شارون، خلال 55 سنة من الحياة الفنية.

لكن بتاريخ 14 أبريل 2002 قالت في الإذاعة التابعة للجيش: «لماذا يقوم شارون بالحرب؟ من أجل قتل الفلاحين وقصف غزة بالقنابل، ليتبين بعدها أن هناك نساءً وأطفالاً بين الضحايا! إن شعبنا قد عرف الاضطهاد ـ المحرقة ـ فكيف نستطيع أن نقوم بمثل هذه الأعمال؟ إنها تثير الفلسطينيين وانني أفهمهم».

ان تاريخ هذه المطربة كله لم يمنع تصاعد موجة من الغضب ضدها وبأنها «انضمت إلى مناهضي السامية الجدد من الأوروبيين»، وتلقت سيلاً من الشتائم ومن التهديدات، وقامت نقابة الفنانين الإسرائيليين بإلغاء أمسية كبيرة كانت مكرّسة لتكريمها. لكن هذا كله لم يمنعها من القول إن «الفلسطينيين لهم الحق بأن يكون لهم دولة.. وفي النهاية سوف يحصلون عليها، فلماذا كل هذه المجازر عندنا وعندهم؟».

ويرى المؤلف في هذا السياق ان الجيش الإسرائيلي قد أخذ دوراً جديداً، ولاشك بأنه كان له باستمرار مكانة مهمة في الحياة السياسية الإسرائيلية»، كما يلاحظ المؤلف، ثم يضيف: «لكن مع شاؤول موفاز رئيس الأركان الحالي، فإننا بصدد ظاهرة جديدة تماماً، هي التدخل العلني الصريح أكثر فأكثر لأعلى مستوى فيه بالحياة العامة»، ثم «بعد فترة أصبح الوزن السياسي للجيش بمثابة حجر الرحى في القرار السياسي،

وذلك بشكل أساسي، لأن شارون يولي الثقة أكثر للجنرالات مما هو للسياسيين». هكذا أصبحت القرارات الدقيقة يتم اتخاذها بين شارون وقيادة الأركان، ففي يوم 16 ابريل 2001 قام الطيران الإسرائيلي بقصف محطة رادار سورية في لبنان، وذلك «في اللحظة نفسها» التي كانت الحكومة تناقش فيها مسألة القيام،

أو عدم القيام، بتلك العملية.وتضخم في الوقت نفسه الدور «الإعلامي» للجيش، بحيث ارتفعت بعض الأصوات التي تقول بأنه «لم تعد هناك حاجة للحكومة» ذلك أن الجيش أصبح «يوجه رسائله مباشرة للبلاد وللعالم». وقد وصل الأمر بقائد أركان الجيش إلى أنه أعرب «علناً» عن تحفظاته حيال الخطة التي أعلنها ارييل شارون نفسه في شهر يونيو 2004 بشأن «فك الارتباط» في غزة، فلقد انتقلت القضية للصحافة،

وشرحت جريدة «هآرتس» أسباب تردد الجيش حيال «خطة شارون»، وحيث أكد عدد من المسؤولين العسكريين بأن الانسحاب من غزة سوف «يعطي للفلسطينيين الإحساس بالانتصار»، الأمر الذي لن يكون مطلوباً سوى حثهم لمتابعة المعركة، وبأن خطأ استراتيجياً بصدد أن يفرض نفسه.

والعسكر يلقون في هذا الموقف دعم «ذوي الثياب السوداء»، رجال الدين اليهود بأغلبيتهم والذين يتكاثر عددهم، إذ إن إحصاءات عام 2001 تدل على أن 14,4% من التلامذة اليهود كانوا مسجلين في مؤسسات تعليمية دينية، ومنذ 30 سنة لم تكن هذه النسبة تصل إلى 20%.