تتحدث هذه الحلقة عن ظاهرة ما يسمى بالمؤرخين الجدد في إسرائيل الذين يتمسكون بالكشف عن حقائق ما جرى إبان إقامة دولتهم وبخاصة ما يتعلق بالمجازر التي ارتكبت بحق الفلسطينيين وجميع الإجراءات الأخرى التي أدت إلى ترحيل مئات الألوف منهم عن ديارهم. وتتطرق كذلك إلى محاولة إنكار الآخر لدى الإسرائيليين، بحيث أن مجرد ذكر كلمة فلسطين أو الفلسطينيين كان حتى فترة قريبة غير وارد إطلاقاً.
وهذا الإنكار للآخر تجده متجذراً في المجتمع الإسرائيلي وفي النظام التربوي الذي يربي الأجيال على شطب العدو نهائياً واعتباره مسخاً ذا شأن أقل بكثير من الإسرائيلي.كانت الرؤية الإسرائيلية ترمي باستمرار الى إصباغ الشرعية على عملية السيطرة على الآخر، وإذا دعت الحاجة إلى عملية قمعه.
وبالتوازي مع هذا، العمل على ترسيخ صفة «التخلف» على العرب. وفي جميع الظروف تقديم إجراءات القمع وكأنها إجراءات «دفاعية» و «حمائية» في مواجهة «عدوانية» الخصم. وبالطبع لا ضرورة لتقديم «البراهين» على هذه العدوانية فهي موجودة في «طبيعة» هذا الخصم. مثل هذا المنطق جرى تطبيقه أيضا في الميدان السياسي بحيث أنه يلخص كل تاريخ الدبلوماسية الإسرائيلية حيال الفلسطينيين وبالتالي حيال العرب.
وكانت «غولدا مائير» تردد دائما ليس هناك من يمكن الحديث معه، قبل أن تضيف «أنتظر أن يطرق أحدهم على بابي، لكن لا يأتي أحد» ومثل هذا القول ردده القادة الإسرائيليون فها هو إيهود باراك يقدم حجة «ليس هناك محاور» من أجل أن ينكر الاقتراحات التي كان الفلسطينيون قد تقدموا بها في كامب ديفيد مقابل اقتراحاته.
لكن مع بروز الحقيقية شيئا فشيئا، رغم محاولة الآلة الإعلامية الإسرائيلية المتواطئة طمسها، ثمّ تبني خطاب جديد يرمي إلى نزع الشرعية عن الاقتراحات الفلسطينية التي تمّ وصفها بأنها كانت مجرد سراب خادع يهدف إلى إخفاء الطموح الحقيقي للفلسطينيين والذي لم يتبدّل أبداً وهو «حذف إسرائيل من الوجود». أمّا البرهان الذي تمّ تقديمه، فقد تمثل في التركيز على المطلب الفلسطيني الخاص بالاعتراف بمبدأ «حق العودة» للاجئين والمنصوص عليه في القانون الدولي.
هذا ومن السهل تفكيك آلية الإنكار الإسرائيلي، كما يجدد المؤلف القول فأولاً: إن الوقائع «غير موجودة»، وثانياً: إذا تكشّف وجودها فإن التفسير المقدّم لها يذهب دائماً باتجاه نزع الشرعية عنها، وكنموذج على هذه الآلية هو القول في البداية، بأن منظمة التحرير الفلسطينية لا تمثل الفلسطينيين، وأنها مجرد «منظمة إرهابية» لا يمكن الاعتراف بها. وفي مرحلة ثانية،
عندما تمّ الاعتراف بمنظمة التحرير على أنه أمر «لا بد منه» فقد جرى التأكيد على «عدم شرعيتها» بسبب عدم إمكانية الوصول معها إلى اتفاق حسب الشروط الإسرائيلية. أما الفلسطينيون في كامب ديفيد فإنهم «لم يكونوا مخلصين» ويخبئون «لعبة مزدوجة».
وفي أفضل الحالات كانوا «غير قادرين» على اتخاذ القرارات المناسبة. أما تفسير «عدم القدرة» فما كان لدى الإسرائيليين أن يفسروه سوى ب«الازدواجية» و«اللاعقلانية»، وذلك على أساس أن الاقتراحات التي تمّ عرضها عليهم كانت «أفضل» ما يمكن تصوره.
إن حركة الإنكار المبدئي والدائم اهتزت بقوة في إسرائيل خلال السنوات الأولى التي أعقبت توقيع اتفاقية أوسلو، لكنها عادت للاستقرار والبروز بحدّة أكبر منذ فشل محادثات كامب ديفيد. وينقل المؤلف عن مدير سابق للأرشيف في إسرائيل يعقوب لوزويك قوله في كتاب له صدر بالولايات المتحدة الأميركية عام 2003: «إن سلاماً حقيقياً بدون المستعمرات سيكون مفضلاً عن جميع البدائل الأخرى تقريباً. فيا ليت أحدهم يقترحه علينا».
هنا يفتح المؤلف قوسين ليشير إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت قد اقترحت قبل 15 شهراً حلاً يلبي ذلك القول، لكن المؤلف الإسرائيلي تجاهل ذلك تماماً، بل إنه لم يكلّف نفسه انتقاده بالقول مثلاً بأنه «غير صادق» أو أن السلام الذي يقترحه «غير حقيقي». كذلك لم تعره الصحافة الإسرائيلية أي اهتمام. وكان يتردد ببساطة «لم يقترح علينا أحد« السلام مقابل التخلي عن المستعمرات. وهذا ما يعلق المؤلف عليه بالقول: «إن الإنكار الإسرائيلي المدفوع حتى نهايته يصل إلى تخوم الاجترار الفكري».
* معجزة 11 سبتمبر
تنفّس «افرايم هاليفي» رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي آنذاك، والجنرال عوزي دايان، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، الصعداء وقالا إن تفجيرات نيويورك قد كانت «نوعاً من المعجزة» بالنسبة لإسرائيل. وقد أشارا بوضوح إلى واقع أن «إسرائيل وجدت نفسها تحت ضغط دولي كبير بسبب النزاع مع الفلسطينيين»، وذلك بعد انطلاق الانتفاضة الجديدة.
واعتباراً من تلك اللحظة ولفترة بلغت ذروتها عند وقوع الحرب الأميركية ضد العراق، كان رجال السياسة في إسرائيل و«خبراؤها» يرددون الجمل نفسها تقريباً مثل «لم يكونوا يصدقوننا» و«لا يريدون الاستماع لنا». أما «اليوم فسيتم فهمنا بصورة أفضل».
ثم يقول المؤلف في وصفه لموقف الرأي العام في إسرائيل حيال شن الولايات المتحدة الحرب على العراق، مفاده: «إن البلد الوحيد في العالم الذي أبدت فيه استطلاعات الرأي العام نسبة من المؤيدين لحرب الولايات المتحدة في العراق أكبر من نسبة الأميركيين، هو إسرائيل».
هنا يفتح مؤلف الكتاب توسين ليتعرض لشرح حالة «استئنافية» إلى حد كبير في إسرائيل انها حالة المؤرخ الممزق بين الانتماء الإثني والحقيقة التاريخية. إنه يمثل «الحالة النموذجية» لأولئك المثقفين الذين «قاوموا الريح السيئة التي كانت تهب على الجميع» والتي جعلت الذين يتنشقونها ينضوون تحت مقولة: «هم ـ أي الفلسطينيين ـ ضدنا» و«هم المعتدون ونحن الضحايا».
يُعتبر «بيني موريس» من قدامى «حركة الشبيبة الصهيونية» الأكثر يسارية، وكان قد اهتم منذ سن مبكرة «بحقائق» حرب 1948 حول «ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين». ثم نشر في السنوات اللاحقة عدداً من الكتب والدراسات والمقالات التي شكلت فيها «تدريجياً» بالرواية الإسرائيلية الأسطورية والمزوّرة، في ما يتعلق بحرب 1948.
لكن لم يستمع له أحد عملياً في البداية، وإنما تعرّض لهجومات شديدة من قبل زملائه من أنصار «التاريخ الرسمي» الذين وصفوه بـ «البطولي» و«النقي». كما ان جامعته قامت بتهميشه. أما هو فقد أراد أن يكون مؤرخاً فقط، يفصل بطريقة قاطعة البحث التاريخي الشريف والمتجرّد عن أشكال القسر الأيديولوجي عن الأيديولوجيا، كما يعبر المؤلف.
هذا قبل أن يشير إلى أنه بعد فشل كامب ديفيد عام 2000 وانطلاق الانتفاضة الجديدة ـ وعلى غرار عاموس عوز، وأغلبية أنصار حركة السلام الآن التي كان يعتبر نفسه من تيارها ـ مال نحو معسكر أولئك الذين يقولون إن السلطة الفلسطينية قد «رفضت العرض الإسرائيلي الكريم» في كامب ديفيد و«أثارت العنف»،
وهكذا أخذت الأيديولوجيات دورها من جديد عنده إلى جانب التاريخ، فبالاعتماد على التاريخ تحدث عن «التصفية الإثنية» التي مارسها الإسرائيليون حيال الفلسطينيين، وباسم «الأيديولوجيا» و«الانتماء الإثني» عمل جاهداً من أجل تبريرها، بل ووصل به الحد إلى التشجيع على تكرارها.
ويروي المؤلف أنه أثناء لقاء له مع «بيني موريس» في ربيع عام 2002، أشار ـ أي المؤلف ـ إلى النسب الدقيقة للمدنيين الذين جرى طردهم بالقوة عام 1948؛ وكذلك إلى أن المسألة الأساسية كانت هي رفض إسرائيل عودتهم إلى ديارهم بعد الحرب.
فأجابه «موريس» بحماسة: «لديك كامل الحق. النقطة الأساسية تتمثل في اجتماعات الحكومة الإسرائيلية في صيف عام 1948، عندما جرى اتخاذ قرار عدم السماح للفلسطينيين بالعودة إلى منازلهم بعد المعارك، لكنني أنا موافق على » هذه القرارات، فأنا صهيوني، ويلاحظ المؤلف هنا الى ان القناعات الصهيونية التي أظهرها «موريس» لم تكن قد تدخلت حتى آنذاك في أعماله التاريخية..
ولم يكن قد استخدمها أبداً كحجة من أجل «إنكار» أو «تبرير» أية واقعة. ولم يتردد بيني موريس في نهاية ذلك اللقاء بالقول ان الفلسطينيين باعمالهم، يبررون ما يمكن ان يحصل لهم، فإذا نشبت حرب اقليمية ومنع الفلسطينيون بما فيهم عرب إسرائيل، الجيش عن القتال، فإنه من حقه ان يطردهم.
* فصام المواقف
لكن بيني موريس نفسه، وبمناسبة صدور كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «ضحايا» شتاء عام 2004، قال في مقابلة طويلة مع صحيفة «هآرتس» ما يبدو متناقضاً الى حد الفصام، مع مواقفه الايديولوجية، بأنه «كان هناك في عام 1948 عدد أكبر من المذابح مما كنت أعتقد، ولدهشتي كانت هناك حالات اغتصاب كثيرة». كما أكد اكتشافه بأن «أوامر صريحة قد أعطيت لوحدات الهاغانا لاقتلاع القرويين الفلسطينيين من ديارهم وطردهم وتدمير قراهم».
وتحدث أيضاً عن «جرائم حرب في الطنطورة» وعن مذابح جرت في العديد من القرى الفلسطينية أثناء عملية «حيرام» في اكتوبر 1948 في منطقة الجليل، وأضاف: «كان هناك تمركز غير عادي لعمليات الإعدام عند جدار أو بالقرب من بئر، وبطريقة منظمة. ان هذا ما كان له ان يكون صدفة وانما كان ذلك نظاما مدبراً.
ان قمة «انفصام الشخصية» لدى هذا المؤرخ تبدو في قوله أثناء مقابلة صحفية: «هناك مشكلة عميقة مع الإسلام، أنه عالم له قيمه المختلفة حيث ليس للحياة الانسانية نفسها القيمة لدى الغرب، ومفاهيم الحرية والديمقراطية والانفتاح والابداع غريبة عنه (..). والثأر يلعب دوراً مركزياً في الثقافة العربية القبلية بحيث ان أولئك الذين نحاربهم والمجتمع الذي يبعث بهم «لقتلنا» ليس لديهم أي رادع أخلاقي.
واذا امتلك هذا المجتمع الاسلحة الكيميائية أو البيولوجية أو السلاح النووي، فإنه سوف يستخدمها، وهذا ما يعلق عليه مؤلف الكتاب بالقول بأن «موريس يشكل المثال مجسداً للظاهرة الكامنة في اسقاط الميول الخاصة للمتحدث على الآخرين»®. أو ما يتم التعبير عنه كثيراً بقوله: «رمتني بدائها وانسلت».
وفي المقابلة نفسها يسأل الصحافي: «ولكن ألا نتحمل مسؤولية كبيرة في كره الفلسطينيين لنا؟ وفي نهاية المطاف، كنت أنت نفسك من بين المأساة التاريخية التي عانوا منها على أيدينا». وكانت اجابته: «بالضبط، لكن عندما تكون مشكلتك مع مجرم فإنه ليس من المهم كثيراً معرفة لماذا أصبح مجرماً. إنما المهم هو سجن القاتل أو أعدامه.
فالبراءة يريدون قتلنا (..) واليوم المجتمع «الفلسطيني» مثل قاتل متمرس، مجتمع مريض جداً. وينبغي الاهتمام به بالطريقة نفسها التي يتم بها الاهتمام بالأفراد القتلة المتمرسين.علينا ان نحاول شفاء الفلسطينيين، وربما ستساعد اقامة دولة فلسطينية مع مرور السنوات في عملية الشفاء، لكن بانتظار ذلك، وقبل ايجاد الدواء ينبغي حصرهم بطريقة لا يستطيعون معها اغتيالنا.
فيسأل الصحافي: «هل ينبغي سجنهم؟ وضرب الحصار حولهم؟». والإجابة هي: «ينبغي أن يصنع لهم شيء ما مثل القفص. أعرف ان هذا يبدو رهيباً، انه قاس بالفعل، لكن لا خيار لنا، فمشكلتنا هي مع حيوان متوحش ينبغي الحجز عليه، بطريقة أو بأخرى».
وضمن هذا السياق يذهب «بيني موريس» أبعد من المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون، في مقولته الشهيرة حول «صراع الحضارات» بين «العالم المتمدن» و«العالم العربي البربري اليوم» على حد قوله قبل ان يضيف بان «الغرب يتشابه مع الامبراطورية الرومانية عندما هاجمها البرابرة والذين قد يتمكنون اليوم من تدميره. ويضيف أيضاً: «إن ظاهرة التغلغل الإسلامي في الغرب تخلق تهديداً داخلياً خطيراً، الرومان حين تركوا البرابرة يدخلون إلى بلادهم،
فما كان من هؤلاء إلا أن جعلوهم ينهارون من الداخل. إن حرب الحضارات سوف تكون السمة الكبرى للقرن الحادي والعشرين. إن الأمر لا يقتصر على بن لادن فقط. إنها معركة ضد عالم له قيمه المختلفة، ونحن الاسرائيليين على الجبهة، ومثلنا مثل الصليبيين، إننا هنا الفرع الهش لأوروبا في هذا الموقع. ومؤرخ إسرائيلي آخر هو «توم سيفيف» الذي كان قد تحدث منذ سنوات الثمانينات الماضية عن مسؤوليات الإسرائيليين في طرد الفلسطينيين عام 1948.
والذي قال لمؤلف هذا الكتاب في ربيع عام 2002: «إن خطي الأحمر، سيكون القيام بعمليات طرد أخرى (للفلسطينيين)، فإذا فعلت إسرائيل ذلك فعندها لن أستطيع أن أجد نفسي فيها». وقد تطور موقف هذا المؤرخ بصورة مغايرة تماماً للمسيرة التطورية ل«بيني موريس» إذ أن سيفيف «التقى» مع أنصار كتلة السلام التي ترى أن «البنية التحتية الأساسية للإرهاب، إنما هي بالتحديد الاحتلال».
* معسكران متباعدان
ان مثل هذه الآراء التي تشجب الاحتلال لا تزال تحظى بأقلية متواضعة في المجتمع الإسرائيلي، لكن هذا لا يمنع واقع أن هذا المجتمع منقسم إلى «معسكرين» يتباعدان عن بعضهما البعض أكثر فأكثر، المعسكر الأول أنكر لفترة طويلة حقيقة الأحداث التي ارتبط بها قيام إسرائيل، وذلك على خلفية الانطلاق من «البربرية الملازمة» للآخر ـ الفلسطيني، والذي يمكن علاجه ب«ضربة بيد من حديد»،
والمعسكر الآخر يريد القطيعة مع الانتماء الاثني، وحيث أن «جيل اليوم ليس مسؤولاً عن الأعمال التي ارتكبها أجداده أنصار هذا المعسكر، القلّة، يطالبون بهذه الدرجة أو بتلك، بضرورة انهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية ولقطاع غزة والخلاص أيضاً من قوانين التمييز العنصري التي تمارسها إسرائيل.
توم سيفيف «يعرّف» المؤرخين الجدد، بأنهم أولئك الباحثون الذين يتمسكون ب«الكشف عن حقائق التاريخ»، لكنه يرى أن صفة «الجدد» غير مناسبة تماماً، واقترح الاستعاضة عنها بصفة «الأوائل». وذلك على أساس أن التاريخ الرسمي الاسرائيلي قبلهم لم يكن يستجيب للبحث عن الحقيقة التاريخية، وانما لحاجة بناء «رؤية وطنية» تتماشى مع المشروع الصهيوني، وبالتالي فإن «المؤرخين الجدد» هم أول من قام بالبحث بعيداً عن المتطلبات الايديولوجية،
وهنا يؤكد المؤلف أن هؤلاء المؤرخين لم يقدموا في الواقع أي شيء جديد، ذلك أن أولئك الذين كانوا يريدون أن يعرفوا ما جرى، فإنه كان من السهل التحقق بأن العرب الفلسطينيين لم يخرجوا طواعية من أرضهم وديارهم خلال عام1948. ومؤرخ وصحافي آخر هو «جدعون ليفي» يؤكد بأنه ظل حتى تقديمه امتحان شهادة الدراسة الثانوية من غير أن يسمع أي حديث سوى «العرب بعامة وليس عن الفلسطينيين، فهؤلاء كانوا غير موجودين.
ويؤكد: «لم نسمع من أحد أي شيء عن الواقع العربي لفلسطين وسكانها جرى حجبهم تماماً من قبل الرواية التاريخية ـ الإسرائيلية ـ، ولم يكن معروفاً كم كان عددهم، ولم يظهروا أبداً كبشر يعيشون ويعملون ويمتلكون بيوتاً ومخازن وحقولاً، وإنما ظهروا فقط بهيئة «عصابات عربية» تعتدي على اليهود. ثم إنهم «رحلوا طواعية» وبالتالي لا علاقة لليهود بذلك ويتساءل «جدعون ليفي» قائلاً: «كيف كان يمكنني وأنا في العشرين من العمر أن أعرف بأن تلك الرؤية كانت كاذبة ومزيفة؟».
وما يلاحظه المؤلف هو أن «أي إنسان يعيش في إسرائيل يمكنه أن يلاحظ بسرعة بأن ما لا يقال يكون نادراً غير مجهول». ويروي إنه في عام 1968 حيث كان يسكن في أحد الكيبوتسات» وصل صديق له وكان فرنسياً مثله، ليسكن في المنطقة نفسها. بعد أيام عاد هذا الصديق من جولة في البساتين القريبة وروى له كيف وقف إلى جانب بئر جافة وتقربه خرائب عالية لا يمكنها أن تكون تابعة له.. فسأل عندها أحد اليهود الذين كانوا يعملون بالقرب من الموقع عن سر هذا «البرج».
فأجابه: «هذا ليس برجاً، إنها مئذنة، ولكن ماذا تفعل مئذنة هنا؟». فأردف اليهودي: «هذا كل ما بقي من جامع»®. ولكن لماذا يوجد جامع بين الحقول؟. انتهى الأمر بالآخر إلى الغضب فقال معترضاً: «هل أنت أحمق أم ماذا؟ لم يكن موجوداً هنا مجرد جامع وإنما كانت هنا قرية كاملة» ثم أردف: «لقد أزيلت مثل باقي القرى العربية الأخرى في المنطقة.. ولا شك بأنك قد وصلت للتو».
وهذا ما يعلق عليه مؤلف الكتاب بالقول إن بقاء مثل هذا الأثر من المئذنة ليس مفهوماً حيث تسود سياسة إزالة أي أثر مادي يدل على وجود الفلسطينيين، ولكنه يدل بوضوح بكل الأحوال بأنه ليس هناك في الواقع حاجة لدى ما يريد أن يرى إلى فتح الأراشيف كي «يعرف».
ويؤكد المؤلف بأن التربية في إسرائيل تساهم من خلال المدرسة بوضع أو بتعزيز رؤية تقوم على التفوق العرقي اليهودي وذات المضمون العنصري في النظرة للعرب.. وهكذا تعود به الذاكرة إلى إقامته الأولى في القدس عام 1968 حيث كان سكنه مقابل قطعة أرض شاغرة.. وبعد وصوله مباشرة لاحظ وجود مجموعة من الأطفال الإسرائيليين أمام البناية وهم يتسلون بإلقاء الحصى الصغيرة على رتل صغير من الفلسطينيين الذين كانوا يجتازون تلك الأرض الشاغرة.
كان عمر الأطفال آنذاك ما بين الثانية عشرة والثالثة عشرة وكان عددهم خمسة، أما الفلسطينيون فقد كانوا من البالغين ويزيد عددهم على العشرين. كان الأطفال يصرخون: «هيا اجروا.. اجروا». لكن الفلسطينيين اكتفوا باحناء قامتهم قليلا وأسرعوا بالخطى.
كان ذلك في بداية الاحتلال وهذا ما يخرج منه المؤلف بالقول: «كيف يمكن الاستغراب انه بعد 33 سنة وفي الأيام التي أعقبت قتل 13 فلسطينيا برصاص الشرطة الإسرائيلية لأنهم تظاهروا يوم الأول من أكتوبر 2000، وحيث جرت عدة غارات حقيقية ضد سكان مختلف الأحياء العربية، ودون تدخل الشرطة الإسرائيلية لمنع ذلك»، ان مقدمات الرشق بالحصى أدت آليا إلى «الرشق» بالرصاص».
والنظام التربوي الإسرائيلي يصر على عدم ذكر لفلسطين وحتى قبل 1948، وإنما يتحدث عن «ارض إسرائيل تحت الانتداب» هذا مع العلم ان «فلسطين» كان هو الاسم «الرسمي» المستخدم في جميع الاتفاقيات الدولية.. كما ان هذا النظام التربوي لا يذكر أبدا «الفلسطينيين» وانما» العرب الذين كانوا يعيشون في أرض إسرائيل»®. وهذا كله ليس سوى أحد الأشكال المختلفة لإنكار « الآخر» وخاصة إنكار تمتعه بأي كيان وطني على نفس الأرض.
* منطق الانغلاق
ومن خلال ما سبق يرى مؤلف هذا الكتاب بأنه وفي جميع نواحي التربية والثقافة العامة والتاريخ الرسمي في إسرائيل يسود «منطق الانغلاق» الذي لابد وأن يؤدي باستمرار إلى تركيز الانتباه على «عيوب» الآخر و«إنكاره» ثم ان هذا المنطق القائم على «التبرير الذاتي» المستمر يقود بالضرورة إلى إخفاء الوقائع ورسم الآخر، بصورة «الشيطان»
وهنا يفتح المؤلف قوسين كي يشير الى بعض الأصوات مثل صوت السيدة «روت فيرر» الأخصائية بعلم النفس التربوي، التي تقول بضرورة البحث عن «رواية تاريخية» مشتركة ورسم صورة للآخر مجردة من التشويهات و«التخيلات» خاصة عن الأحكام العنصرية المسبقة. وفي هذا السياق يكرس مؤلف الكتاب عدة صفحات للحديث عن « العلاقة الفلسطينية» مع الإسرائيليين.
وحيث يؤكد الفلسطينيون على سمة «الدولة المصطنعة» بالنسبة لإسرائيل، وكذلك بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي نفسه، يقول المؤلف: «مثلما يرتد الكيد على صاحبه، وكما ان فلسطين والفلسطينيين قد تم تجاهلهما من قبل اليهود الصهاينة، فإنه كان ينبغي ان يتم محو إسرائيل والإسرائيليين من واقعهم».
وينقل عن المؤرخ الفلسطيني «الياس صنبر» قوله في مقابلة له خلال شهر أغسطس 2004 عن حرمان الفلسطينيين من هويتهم عام 1948 وبأنهم كانوا «ممحيين، بلا اسم، وكما لو أنهم لم يكونوا موجودين، بل وكأنهم لم يكونوا موجودين في أي يوم من الأيام». ثم ان تعبير «دولة مصطنعة» يجد جذوره في واقع ان المهاجرين الأوائل لفلسطين كانوا من أوروبا الوسطى ويتحدثون «عبرية حديثة» بحيث بدوا تماما كغرباء بالنسبة لأبناء البلدة،
ولم تكن لهم أية روابط من الثقافة العربية ولا مع العادات المحلية.. وشيئاً فشيئاً قاموا بالابتعاد قصدا عن الجوار.. بل انهم كانوا «مختلفين جداً عن المجموعات اليهودية الصغيرة المقيمة منذ مئات السنين في القدس وصفد وطبرية وأريحا والذين عاشوا بين الفلسطينيين وتحدثوا وتاجروا معهم بواسطة اللغة العربية».
وذلك على عكس «اليهود الجدد» هنا أيضا يشير المؤلف إلى دليل مدرسي يحمل عنوان «تاريخ الآخر» كتبه ستة مدرسين فلسطينيين وستة مدرسين إسرائيليين. وتم نشره في باريس عام 2004، و بحيث كتبت كل مجموعة قسمها بالانفصال عن المجموعة الأخرى وقدمتا رؤيتهما التاريخيتين ولفهمهما للهوية المتعارضة لكل معسكر».
ويبحث المؤلف أيضا في مفهوم النكبة وليس الهزيمة بالنسبة لعام 1948ثم «النكسة» بالنسبة لحرب 1967، للإشارة إلى أنها مجرد «حادث عارض»®. وهذا ما يسميه «سيلفان سيبيل» بـ «الخضوع لسحر الكلام»، وبأن هناك «ميلاً قوياً »لـ «فبركة مظاهر من اجل اخفاء الحقائق.. مع ان هذه الحقائق هي بالتحديد ما ينبغي مواجهته.