تركز هذه الحلقة على سياسة الإنكار من جانب إسرائيل للمجازر التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني، لتظهر ما تسميه «نقاء السلاح»، بينما تشير الحقائق التاريخية إلى جملة من المجازر التي ارتكبت بدم بارد من عصابات «الهاغاناه» التي كانت نواة الجيش الإسرائيلي الحالي، الذي اقترف هو الآخر جرائم عديدة باسم الدفاع عن النفس.
وتتطرق كذلك إلى فكرة التفوق اليهودي التي تدرّس في المدارس الإسرائيلية وترتبط دائما بمفهوم تفوق القوة على الحق، وتحاول إسرائيل تعزيز هذه الفكرة من خلال نعت الآخر، وهو الفلسطيني، بأقذر الصفات تمهيداً لتجريده من إنسانيته وتبرير الفظاعات التي ارتكبت وترتكب بحقه.
الرؤية التاريخية الإسرائيلية الرسمية تصور عامة الإسرائيليين على أنهم «عادلون مطلقون وضحايا وحيدون» وفي عام 2000 نشر المؤرخ الإسرائيلي «بيني موريس» كتابا يحمل عنوان: «تصحيح خطأ» وطالب فيه بالعودة إلى وقائع التاريخ بعيدا عن الأكاذيب.
وتتمثل إحدى الخفايا التي يكشف عنها هذا المؤرخ في عودته إلى النقاشات التي جرت في المؤتمر العشرين للحركة الصهيونية الذي انعقد في مدنية زيوريخ في أغسطس من عام 1937، حيث كان موضوع النقاش الرئيسي هو «ترحيل» الفلسطينيين العرب خارج فلسطين. كان هناك شبه إجماع حول مبدأ «الطرد»، وهذا ما برره آنذاك احد زعماء حزب العمال «مناحيم أوسكين» حيث قال:
«لا يمكننا أن نبني دولة يهودية يكون نصف سكانها من العرب (...). أن مثل هذه الدولة لن تكون قادرة على الحياة لمدة نصف ساعة. وكان «ديفيد بن غوريون شديد الوضوح عندما قال في نفس الاتجاه: «في أماكن عديدة من البلاد لا يمكن إقامة أية مستوطنة جديدة إذا لم يتم ترحيل الفلاحين العرب».
وكان بن غوريون نفسه قد تصوّر طريقة «الترحيل» بشكل واضح منذ عام 1941 حيث قال: «إن ترحيلاً كاملاً من دون اللجوء إلى القوة من الصعب تصوره».
لكن وبعد أن جرت عملية الطرد الجماعي للفلسطينيين بين عامي 1947 و1949، حرص القادة الإسرائيليون على إعادة كتابة الأحداث.. واعتباراً من مطلع عقد الخمسينات أصبح يتم تقديم «المتسللين» الفلسطينيين الذين يتم ضبطهم على أنهم «إرهابيون متعطشون للدم»، بينما لم يكونوا في الواقع سوى مجرد فلاحين يحاولون العودة إلى منازلهم لأخذ شيء ما تركوه أو لمجرد رؤية ما حلّ بها.
هذا الأمر دفع المؤرخ «جدعون ليفي» إلى البحث عن إجابات للأسباب البعيدة للتزوير وذلك على خلفية قناعاته بأن مثل هذه الإجابات ضرورية للخروج من حالة النزاع المستمر.. يقول في مقابلة له تعود لتاريخ 10 يوليو 2003 ما نصّه: «لقد كان العرب دائما هم الشريرون ونحن كنا العادلين المطلقين أو الضحايا الوحيدين. وإننا لسنا أبداً سبباً لمآسيهم. هذا ما رووه لنا».
مثل هذه التعاليم شكّلت ركيزة «الذهنية الوسطى» للإسرائيليين؟ وهي ركيزة تجد جذورها في عام 1948 والفترة التي تليه مباشرة. ويروي «جدعون ليفي» بأنه في صيف عام 2003 عندما كان عائدا من تحقيق في إحدى قرى الأراضي المحتلة روى لإحدى قريباته بأن أبناء القرية الفلسطينيون يعيشون دون ماء منذ خمسة أيام حيث قطعوها عنهم، فسألته مباشرة:
«لماذا، ألم يدفعوا الفاتورة؟». وهذا ما علّق عليه ليفي بالقول: «هكذا نحن. وبرد فعل انعكاسي شبه بافلوفي ـ نسبة إلى بافلوف الذي ربط بين زيادة لعاب الكلب برؤية الإناء الذي يتم تقديم الطعام له به عادة ـ فإن مآسي الآخر ـ الفلسطينيين ـ تنشأ دائما بسبب خطأ قد اقترفه.. وبالتالي لا تقع علينا أية مسؤولية في ذلك».
؟ أسطورة مفبركة
إن إنكار أية مسؤولية يشكل إحدى السمات التي رافقت الحركة الصهيونية منذ بداياتها.. وبلغت ذروة هذا الإنكار في عدم الاعتراف بأية مسؤولية عما جرى عام 1948.. وحتى إن ما حصل لـ 82% من الفلسطينيين الذين تم طردهم من أراضيهم .
وبيوتهم انما كان بسبب أخطاء «العرب».. بل وبناء على «نداءات للرحيل أطلقها القادة العرب».. وهذا ما يرد عليه المؤرخ الإسرائيلي «بيني موريس»، بالاعتماد على ملاحظته بأنه ليس هناك أي أثر لمثل هذه النداءات في الأراشيف الإسرائيلية نفسها، بالقول:
«لم يحصل أبداً أن غادر الفلسطينيون بيوتهم قبل أن يتعرضوا لهجوم». وهكذا برهن «موريس» على أن أسطورة «نداءات المفتي والقادة العرب» الداعية للرحيل إنما كانت «مفبركة».. وفي الواقع كانت «الرواية الرسمية» الإسرائيلية قد زعمت بأن تلك النداءات من أجل الرحيل الاختياري انما أطلقها القادة العرب من اجل إفساح المجال أمام جيوشهم لتنظيف فلسطين و«إلقاء اليهود في البحر»، لكن «بيني موريس» يؤكد في إحدى كتاباته بأن ما جرى هو العكس تماماً، إذ قال:
«إن أجهزة استخبارات الهاغانا والبعثات الدبلوماسية الغربية في الشرق الأوسط علمت آنذاك وسجّلت وذكرت النداءات العربية الموجهة إلى عرب فلسطين من الملك عبدالله ومن قائد جيش التحرير العربي فوزي القاوقجي ومن إذاعة دمشق والتي تطلب منهم البقاء في منازلهم أو إذا كانوا قد رحلوا للعودة إلى فلسطين».
وكانت الإيديولوجية السائدة هي إيديولوجية القوة القائلة «هم أو نحن»، وخاصة لدى اليمين المتزمت الذي يستلهم أفكاره من «فلاديمير جابوتنسكي» الرئيس التاريخي والذي كان يرى بأن فكرة إقامة «جدار من الفولاذ» يمكنها وحدها أن تبعد شبح الخطر العربي. ثم أن مقاولة «هم أو نحن» وجدت ترجمتها في إعطاء الأولوية للقوة على الحق والقانون.
. وينقل المؤلف في هذا السياق عن رافائيل ايثان القائد السابق لأركان الجيش الإسرائيلي والذي أصبح أحد منظّري اليمين (توفي عام 2004) قوله: «أنا لا أؤمن بالسلام، لأنهم لو كانوا قد فعلوا فينا ما كنا قد فعلناه بهم، فإننا لن نقبل السلام أبداً».
وبسرعة تشرّب المجتمع الإسرائيلي رؤية تفوق القوة على الحق، مما شكّل اللبنة الأساسية للمفهوم الأمني الذي أبيح باسمه تبرير كل التجاوزات بذريعة الدفاع المشروع عن النفس، وأخذ هذا لباس وجود صراع بين معسكرين أحدهما يحمل تيم الحضارة والسلام والتقدم والتحرر في مواجهة المعسكر الآخر «العرب» الرجعيين والعدوانيين عامة. وهذا كله يقوم في الواقع على إنكار الحقائق والمسؤوليات.
وعندما اندلعت الحرب في كوسوفو عام 1999 كتب أحد المعلقين الإسرائيليين: «لحسن الحظ لم تكن هناك قناة (سي.ان.ان) عام 1948، وإلا فإن العالم كله كان بإمكانه أن يرى في فلسطين الصور التي نراها اليوم». كان هذا المعلق يشير إلى طوابير أبناء كوسوفو الذين يهربون نحو ألبانيا أو مقدونيا المجاورتين. ولاشك بأن جيل 1948 لم يكن بمقدوره ألاّ يرى طوابير الفلسطينيين على الطرقات بالسيارات .
أو على ظهور الحيوانات أو سيراً على الأقدام، خاصة بالآلاف، إذ إن 60 ألفاً قد غادروا حيفا خلال ثلاثة أيام بعد عمليات القصف و70 ألفاً من اللد والرملة سيقوا بالحراب الإسرائيلية إلى الشاحنات التي كان قد جرى تحضيرها مسبقاً. وحيال هذا كله لا يرى أولئك الذين لا يزالون على قيد الحياة بأنهم قد فعلوا شيئاً مشيناً، فقد كانوا «إلى جانب العدل».
وتدل شهادات كثيرة يسوقها مؤلف هذا الكتاب على أنه لم يكن يتم النظر إلى الفلسطينيين كـ «بشر يمتلكون أبعاداً إنسانية».. كل ما كان هناك هو شعور بـ «اللامبالاة» حيال أولئك المطرودين من أرضهم ولو كانوا نساء أو أطفالاً.
واليوم وبعد 55 سنة هناك «اللامبالاة» نفسها حيال مصير الفلسطينيين، وحيث تبرز الطرق والممارسات نفسها داخل المجتمع الإسرائيلي إلى جانب الاحتقار لأي «موقف متفهِّم» يتم النظر إليه كأحد أعراض الضعف وكتعبير عن «كره للذات».
* نقاء الأسلحة
ومن الأفكار السائدة التي يتم الترويج لها في «الرواية الرسمية» الإسرائيلية وبناء عليها في المجتمع الإسرائيلي فكرة «التفوق الأخلاقي» على الخصم. والمقصود هو تمجيد أسطورة «نقاء الأسلحة»، أي بتعبير آخر تمجيد صورة «الجندي». وهذا ما يعلق عليه مؤلف الكتاب بالقول:
«لا يمكن مع ذلك التساؤل بأية حالة عمياء يمكن معها لمجموعة بشرية، مهما كانت، أن تصل إلى صبغ مكانة النقاء لأدوات الموت التي يلجأ جنودها إليها». بل ويذهب في تساؤله إلى أبعد من ذلك ليشير إلى العنف الرهيب الذي كان التطلع إلى «النقاء» سببه خلال القرن العشرين. إذ ألم يقم هتلر بحربه تحت لافتة «نقاء» و«أفضلية» العرق الآري؟!
ثم ان مفهوم «نقاء الأسلحة» يتضمن فكرة التفوق الأخلاقي على الخصم. أما الفكرة الكامنة وراءها فهي واضحة، وهي أن الحركة القومية اليهودية، باعتبارها «نقية» تجسد ذلك التفوق، وهي أداته السياسية أو العسكرية.
وفي الواقع لم يكن السلاح الإسرائيلي «نقياً» فقد ارتكب الكثير من المذابح منذ البداية. وما يلفت المؤلف الانتباه إليه هو أنه من بين عمليات القتل الجماعي العديدة ومئات الاغتيالات لمجموعات صغيرة خارج المعارك، هذا فضلاً عن عمليات السلب والنهب وكل أشكال التجاوزات، لا تذكر الرواية التاريخية الإسرائيلية سوى مذبحة «دير ياسين».
أما التفسير الأكثر بساطة، فهو أن هذه المذبحة جرت معرفتها بسرعة كبيرة، وكانت الطرق التي تمّ استخدامها فيها مثيرة ومنفّرة إلى حد لم يكن ممكناً معه إنكارها. وينقل المؤلف عن «تزافي انكوري» مسؤول «الهاغانا» آنذاك قوله في شهادة له عام 1982 عند سؤاله عما رآه:
«لقد دخلت إلى ستة أو سبعة منازل ورأيت أعضاء حساسة مبتورة وبطون نساء مبقورة». كما جرى الحديث عن عمليات اغتصاب وتعذيب سبقت الاغتيال في أحايين كثيرة. بل إنه تم عرض عدد من سكان دير ياسين وهم مقيدون بالأصفاد في سوق القدس قبل قتلهم. بكل الأحوال لم تكن مذبحة دير ياسين «حالة وحيدة» كما أراد أن يجزم الإسرائيليون.
وبعد حملة السويس، وبشكل أساسي بسبب المذبحة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية بتاريخ 29 أكتوبر 1956 في قرية كفر قاسم العربية، قام الجيش الإسرائيلي بإدراج مفهوم «نقاء السلاح» في منظومته السلوكية. لكن هذا لم يمنع من تجاوز هذا «النقاء» بعد حرب 1967 وطرد 250 ألف فلسطيني إضافي إلى جانب نسبة مهمة من سكان هضبة الجولان السورية.
ويسوق المؤلف في هذا الإطار عدداً من الشهادات عن عمليات اعتداء وقتل قام بها جنود إسرائيليون في العديد من المدن الفلسطينية وضد مدنيين عزل من السلاح، الأمر الذي لم يعفهم من واجب «الاعتذار» لقاتليهم في ظل علاقة تقوم على السيطرة و«الإنكار للوقائع» بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
إن كل الأساطير المؤسسة لمفاهيم التفوق الإسرائيلي أدّت إلى نتيجة أساسية هي وصول الإسرائيليين إلى نوع من «التبرير الذاتي» على أساس أنهم «طيبون وعادلون وجميلون وبريئون»، حسب تعبير المؤرخ جدعون ليفي، وهذا ما يعبر عنه المؤلف بالقول: «إن إنكار الوقائع وقلب المسؤوليات وامتلاك القناعة بالتفوق الأخلاقي على الخصم ونزع صفة الشرعية عنه، إنما هي أعمدة آلية العمل الفكري والمواقف السياسية المترتبة عليه لدى عدد كبير من الإسرائيليين».
ويشير المؤلف هنا إلى «راحة الضمير» التي يشعر بها أغلبية الإسرائيليين والتي تقوم على حركة مزدوجة يعبر عنها كالتالي: «في الآليات التي تؤثر على عمق أعماق الوعي لدى أغلبية هائلة من الإسرائيليين هناك حركة مزدوجة تفعل فعلها.
وتتعزز بمقدار ما يزداد عنف النزاع، وهي التي جرى التخلي عنها تدريجياً من قبل أقلية تزداد مع الزمن الحركة الأولى تتطلب من العالم أجمع ألا ينسى أبداً أشكال الرعب التي استهدفت اليهود أما الحركة الثانية فتتطلب بنفس الحزم النسيان الكامل لما اقترفه الإسرائيليون بحق الفلسطينيين».
البعض اتهموا مؤلف هذا الكتاب بأنه يقارن بين إسرائيل والنازية وهذا ما يرد عليه بالقول بأنه يريد «ملاحظة آليات عمل موقف شائع إلى حد كبير فمن جهة هناك واجب الذاكرة المشروع تماماً للآلام التي جرى تكبدها؟
ومن جهة أخرى هناك واجب ملح هو الآخر بمقدار ما هو غير مشروع، بنسيان الآلام التي يتم تكبيدها للآخر» إن مثل هذا الموقف يحتوي بالضرورة على قدر كبير من التناقض ومن الازدواجية فكيف يمكن تعريف مجتمع متشرب في أغلبيته العظمى، بهذه الحركة المزدوجة؟
* ناصر الناطق بالعبرية
ويبقى هاجس الأمن هو الذي يخيم على عقول الإسرائيليين عامة ويروي المؤلف أنه كان في عام 1974 يقوم بزيارة إلى عمة له عندما سألها ابنه الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 4 سنوات قائلاً:
ـ سارة هل تعرفين ناصر؟
ـ بالطبع من لم يسمع بناصر؟
كان الرئيس المصري قد مات قبل ثلاث سنوات.
أضاف الطفل:
ـ حسناً! إنك تعرفين إذن ناصر صديق والدي.
تجهم وجه العمة وانقبضت أساريرها ليقول لها الطفل، الذي لاحظ ضيقها، الجملة المدهشة التالية: «هل تعرفين، أيتها العمة أن ناصر ليس كبقية العرب، إنه حسن الهندام ويتحدث اللغة العبرية».
كان ناصر من عرب 1948 وطالب في الجامعة العبرية وكان بالتالي يختلف عن العرب الذين كان يصادفهم الابن في شوارع القدس والذين يعملون في البناء إلى درجة أن كلمة عربي أصبحت بالنسبة له مرادفاً لـ «عامل بناء».
لكن هذا لم يكن يمنع واقع أن ناصر صديق العائلة، كان يصطحبه بعض المرات إلى القدس الشرقية لحضور فيلم سينمائي، لكن المؤلف ـ الأب لم يتجرأ على أن يقول ذلك لعمته لأن ذلك كان «أكبر من فهمها» لم يكن حسها «الأمني»، يسمح لها بتصور ذلك.
بكل الأحوال حرص الإسرائيليون باستمرار على إيجاد ميزان قوى يميل لصالحهم على أساس خلفية أيديولوجية ولو أنهم يحرصون دائماً على إعطائه صفة «الدفاع» ويرى المؤلف بأن «الجدار الفاصل» هو من طبيعة «أمنية» .
ويمثل ذروة هذا الهاجس الأمني من حيث أنه يحصر الفلسطينيين خلف الاسمنت والأسلاك الشائكة لكن مثل هذا المفهوم الأمني ورغم أنه كان وراء الانتصارات العسكرية في أعوام 1948 و1956 و1967 و1973 و1982 فإنه قد انتهى به الأمر كل مرة إلى الانهيار كقصر من ورق، بسبب عدم الفهم ـ أو الفهم المتأخر ـ للخصم وللرهانات الإستراتيجية التي تواجه هذا المفهوم هكذا مثلاً وما بين عام 1967 وعام 1974 شرح الجنرال موشيه دايان مئة مرة بأنه:
«يفضل شرم الشيخ بدون السلام مع مصر على السلام دون شرم الشيخ» كانت أسبابه في ذلك عديدة وأهمها مرتبط بـ «العمق الإستراتيجي» الذي توفره سيناء في وجه أقوى الجيوش العربية لكن هذا العمق الإستراتيجي لم يمنع الهجوم المصري ـ السوري في شهر أكتوبر 1973 الذي أدى رغم الانتصار العسكري الإسرائيلي.
إلى عقد اتفاقية سلام في كامب ديفيد وقع بموجبها مناحيم بيغن على الانسحاب من سيناء حتى آخر شبر هكذا قدم هذا السلام «أمناً» أكثر من شرم الشيخ ومن العمق الإستراتيجي ويروي شاهد عيان لعملية الانسحاب بأن موشيه ديان نفسه ذهب ليشرح الاتفاق حول الانسحاب لعدد من المستوطنين بالقرب من العريش.
وقال لهم فيما قاله بأن الجيش سوف ينسحب من سيناء لكنهم يستطيعون إذا أرادوا وهذا ما ينص عليه الاتفاق البقاء حيث هم وإنما كمواطنين إسرائيليين في أرض غريبة فقال له أحدهم: هل نستطيع عندها أن نرفع العلم في الساحة العامة ونردد النشيد الوطني الإسرائيلي؟ أجاب موشيه دايان قائلاً: «كلا هذا تستطيعون القيام به في مراحيض بيوتكم».
ورغم هذا كله لم تضع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة موضع الشك، أي أساس من أسس «مفهومها الاستراتيجي الأمني» بل على العكس ومنذ عام 1969 تأسس هذا المفهوم على إقامة سلسلتين من «الكثبان الدفاعية» السلسلة الأولى تمثلت في «خط بارليف» باسم قائد أركان الجيوش الإسرائيلي الأسبق.
وهو خط على غرار «خط ماجينو» «خط بارليف»، في سيناء بمحاذاة قناة السويس أما السلسلة الثانية فقد عبرت عنها «خطة آلون» الشهيرة والمتمثلة في بناء شريطين كبيرين من المستعمرات في الضفة الغربية مع تأمين وجود عسكري ضروري للدفاع عنها أحد هذين الشريطين تواجد على طول حدود 1967 «الخط الأخضر».
والآخر في وادي الأردن في مواجهة الأردن وسكانها ذوي الأغلبية الفلسطينية وكان «خط بارليف» قد تحطم تحت حمم القنابل وخراطيم المياه المصرية وتم اجتيازه خلال عدة ساعات في أكتوبر 1973 أما «خطة آلون» فلم تصمد واقعياً أمام الانتفاضة الفلسطينية الأولى المعروفة بـ «ثورة الحجارة».
إن المجتمع الإسرائيلي هو مجتمع «يهودي» من خلال مرجعية «الدولة» نفسها لكنه ليس يهودياً فقط إذ ان 20% من سكانه هم من العرب بل إن تعبير «يهودي» نفسه يثير الجدل فالكنيست الإسرائيلي نفسه وخلال 57 سنة من وجوده لم يستطيع أن يحسم ما يعنيه وهو مجتمع «ديمقراطي» كما يجري تعريفه رسمياً، لكنه يمارس في الوقت نفسه «التمييز العنصري»..
وهو «علماني» و«لاهوتي» في آن.. ثم إن هذه المكونات كلها، والمتعارضة أحياناً إلى درجة التناقض تبرز، حسب الفترات، بهذا القدر أو ذاك من الحدّة. كما ان تصرفات الإسرائيليين وسلوكياتهم تذكر بما كان يفعله المستعمرون الأوروبيون في البلدان التي أخضعوها لسيطرتهم، إنها تعبر عن علاقة «مسيطرين» ب«مسيطر عليهم».
ومن الملاحظ أن الإسرائيليين يستخدمون كثيراً فكرة أن إسرائيل هي بمثابة «فيللا وسط غابة».. وبالتالي يتحدثون عن «الطبيعة الحيوانية» للعربي، هكذا قال حاخام القدس السابق ان «العرب يتكاثرون في القدس مثل النمل». وكان قد شبههم قبل ذلك ب«الأفاعي»، أما إيهود باراك فقد وصف القادة الفلسطينيين ب«التماسيح» وأضاف: «وكلما أعطيناهم من الطعام أكثر يزداد جوعهم أكثر».
وكان باراك آنذاك رئيساً للوزراء ومن المفروض أنه كان يتابع المفاوضات مع الفلسطينيين، وقد قال جملته قبل شهر واحد من انطلاقة الانتفاضة، وكان رئيس أركان الجيش رفائيل ايتان قد وصف العرب قبله بأنهم «صراصير»، وكان مناحيم بيغن لا يرى فيهم سوى «حيوانات تمشي على قدمين». هنا يتوقف مؤلف الكتاب عن سرد الأمثلة، مشيراً إلى أنه «يمكن في هذا الإطار ذكر ما قاله العشرات من كبار المسؤولين الإسرائيليين».
إن هذا كله تدعمه برامج تعليمية تغذي «احتقار» العرب وفي ربيع عام 1997 أجرى استطلاع للرأي على طلبة الثانوية في إسرائيل فتبين أن 40% منهم «يكرهون العرب» و60% «عبّروا عن وجود نزوع لديهم للثأر».
كذلك أجرى «دانييل بارتال» الأستاذ الجامعي دراسة ل(124) دليلاً مدرسياً في التاريخ والجغرافية والتربية المدنية، كان قد جرى نشرها ما بين 1950 وسنوات التسعينات، وقد رسمت كلها للعربي صورة «شيطانية»، وبأنه «بدائي»، و«متزمت» و«فظ» و«لا أخلاقي» و«لص» و«متعطش للدماء».
وكمثال آخر قام «أدير كوهين» أحد أكبر الأخصائيين التربويين في تاريخ إسرائيل، بدراسة عام 1985 حول الدلالة اللغوية، في حوالي 1700 كتاب مكرّس للأطفال، تم نشرها ما بين عام 1967 وحتى تاريخ إجراء الدراسة، وكانت النتيجة هي أن 520 من الكتب المدرسية تقدم صورة «مشوهة» للعربي، إذ قدمه 66% منها بأنه «عنيف» و52% بأنه «شرير» و37% بأنه «كذّاب».. ومن بين 86 عملاً روائياً يكرّس للأطفال وجد كوهين شخصيات ل«قاتل» عربي و«13» مجرماً.. كما تراءت كثيراً أوصاف مثل «حيوان».
و«أفعى» و«متعطش للدماء» و«ميال للحرب» و«قذر».. ومن خلال أسئلة وجهها الأخصائي التربوي لمجموعة كبيرة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و12 سنة رأى 75% منهم في العربي «قاتلاً» و«سارقاً للأطفال» و«إرهابياً» ورأى 90% منهم بأنه ليس للعربي أي حق في الأرض التي يعتبرونها أرضهم.
وبالاعتماد على هذه الوقائع والإحصائيات وكثير غيرها ينتهي المؤلف إلى القول بأن الموافقة الجماعية المعطاة ل«تعليم الاحتقار» في المدرسة أو في الروايات المكرّسة للشباب، هذا بالإضافة إلى تقديس حقيقي للقوة وللتبرير الذاتي من موقع الضحية والذي يرافق أية تظاهرة للعدوان.
خاصة عندما تكون إسرائيل هي مصدر هذا العنف، هذه الأمور كلها تفسر الذهنيات التي يتسم بها عدد كبير من الإسرائيليين، والرؤية غير المبالية وذات النزعة المزدرية للعربي، أي «الآخر» المنبوذ الذي لا ينبغي التعامل معه أبداً.
ويروي المؤلف حكاية لها دلالتها في هذا السياق، وهي أن أبنه البالغ من العمر سبع سنوات ذهب مع «صلاح» الطالب الفلسطيني في إحدى الجامعات الإسرائيلية وصديق الأسرة، وذلك كي يقضي العطلة في منزلهم بإحدى قرى الجليل، حيث كان لصلاح أخ صغير في السن نفسه، وعندما ذهب المؤلف لجلب ابنه طرح عليه والد صلاح السؤال التالي:
«هل ستقول في المدرسة إنك أمضيت أسبوعاً في قرية عربية؟». فأجاب الطفل «مستحيل فإن رفاقي لن يصدقوني أبداً. أو إنني سوف أثير لديهم خوفاً كبيراً». «ولكن ماذا ستقول لهم»، ألحّ والد صلاح، وكانت الإجابة: «سوف أقول لهم بأنني كنت في أحد الكيبوتسات».
وما يؤكده المؤلف هو أنه باستثناء بعض الأصوات التي ترفض مقولة «البعد الشيطاني» للعربي والتي يتم نعتها بكل الأوصاف مثل «الخونة» و«الهاربون في زمن الحرب»، فإن أغلبية الإسرائيليين ترى بأن «الفلسطينيين لا وجود لهم فهم عرب، وهذا يعني إنكار أية «صفة وطنية»، خاصة بهؤلاء الفلسطينيين، انه «حذف» للآخر بالمعنى الدقيق للكلمة.
ومثل هذا النفي رافق الحركة الصهيونية منذ بداياتها، وما يتلفظ به شارون يكون في أحيان كثيرة بمثابة صدّى مباشر لآراء كانت شهدتها مؤتمرات صهيونية منذ «بالي» عام 1897.انه تاريخ يقوم على الأسطورة وليس على الواقع، وهو بالتالي أسير أساطيره المؤسسة له، والتي تدفعه نحو «الطريق المسدود».