«القابعون خلف الجدار. المجتمع الإسرائيلي في طريق مسدود» هو كتاب يحاول مؤلفه الذي عاش طيلة اثنتي عشرة سنة في إسرائيل، الغوص في أعماق المجتمع الإسرائيلي من أجل فهم تناقضاته والآليات التي تحكم عمله والتي دفعته إلى إنكار حقوق الفلسطينيين، بل وحتى إنكار وجودهم نفسه، وتقديم رؤية «مزورة» للتاريخ.

ويدرس المؤلف هذا المجتمع عبر مؤسساته النافذة كالجيش والمنظومة التربوية، ويحلل الخطاب السياسي الإسرائيلي وأشكال الجدل الفكري، ويصل من هذا كله إلى القول بأن المجتمع الإسرائيلي مأزوم ومنقسم على ذاته إلى حد كبير، وانه قد دخل في طريق مسدود يمثل «جدار شارون» تعبيره الأكثر بروزاً.

هذا الكتاب يجمع بين التحليلات والمقابلات والشهادات الشخصية، في محاولة لقراءة الحاضر في ضوء الماضي، وخاصة عبر العلاقة مع الآخر، وهو الجانب الفلسطيني.

ماذا يعرف الإسرائيليون من تاريخهم؟ وماذا يعرفون من تاريخ الفلسطينيين؟ وماذا يريدون أن يتجنبوا أو يخبئوا؟هذه الأسئلة وأخرى عديدة في الإطار نفسه يطرحها مؤلف الكتاب، كي يبيّن من خلال الإجابة عنها الآليات التي تجعل المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة انكفاء على الذات تدفعه أكثر فأكثر في الطريق المسدود.

الإسرائيليون، كما يقدمهم المؤلف، تعوّدوا منذ البداية أن يلجأوا إلى طريقة قديمة معروفة تتمثل في «نزع الشرعية» عن الخصم، والذي يجسده الفلسطينيون، في هذه الحالة، أنهم يتبنون منطق الإنكار، «قلب الاتجاه» وتحويل المعتدي إلى ضحية، وضمن هذا النهج ينفون حقائق الماضي، فإذا كان الجميع قد سمعوا بمذبحة «دير ياسين» يوم التاسع من ابريل 1948.

والتي يشير التاريخ الإسرائيلي الرسمي بأنه قد تمّ اقترافها من قبل منظمتين متطرفتين «لم تكونا خاضعتين للسيطرة»، فقد كان هناك عدد أكبر من المذابح التي ذهب ضحيتها المدنيون الفلسطينيون». هذا ما يؤكده مؤلف الكتاب، وهذا ما أكده العديد من «المؤرخين الإسرائيليين الجدد، الذين أخذوا مسافة نقدية من التاريخ الرسمي الإسرائيلي».

وينقل المؤلف عن أحدهم «توم سيغيف» قوله بأنه «يتوجب على أغلبية الإسرائيليين أن يستدركوا الآن نصيبهم من المسؤولية في خلق المأساة الفلسطينية، وطالما أنهم لا يفعلون ذلك فإنه لن يكون للسلام أية فرصة».

وعلى أساس نفس منطق الإنكار لم يعترف الإسرائيليون بواقع أن انتصارهم العسكري «الساحق» عام 1948 قد تزامن مع الطرد الجماعي العسكري «الساحق» عام 1998 قد تزامن مع الطرد الجماعي للفلسطينيين من أرضهم وديارهم. هذه الحقيقة لا يزال يتم طمسها حتى الآن بدرجة كبيرة لدى الإسرائيليين.

وبالاعتماد أيضاً على كتابات المؤرخين الإسرائيليين الجدد يشير مؤلف الكتاب إلى العديد من الشهادات والروايات الخاصة بالمذابح التي اقترفها الإسرائيليون عام 1948. ففي عام 1992 تحدث «غاي ايرليتش» عن «مؤامرة الصمت» التي أحاطت بالمذابح التي اقترفتها «قوات النخبة» ضد السكان الفلسطينيين خلال فترة قيام الدولة العبرية.

وقد اعتمد في دراسته على شهادات جمعها هو شخصياً، وعلى أعمال المؤرخ العسكري الإسرائيلي «ارييه تشاكي» الذي كان خلال سنوات الستينات مديراً لأرشيف الجيش الإسرائيلي.

ووصل في خاتمة أحد بحوثه إلى القول بأنه تم ارتكاب عشر مجازر أثناء حرب 1948، كان حصيلة كل منها أكثر من 50 ضحية، وحوالي مئة مجزرة أخرى أقل دموية، بحيث استهدفت مجموعات صغيرة من الأشخاص» وكان «غاي ايرليتش» من موقع الصحافي قد طرح بعض الأسئلة على «ارييه تشاكي» وجاء في إجابة له:

«لقد حان الوقت، ومضى جيل بحيث أصبح من الممكن الآن مواجهة محيط الأكاذيب الذي تربينا فيه، وفي كل قرية تقريباً جرى الاستيلاء عليها جرت أعمال ينطبق عليها تعريف جرائم الحرب مثل عمليات القتل العشوائية والمذابح وحتى عمليات الاغتصاب. السؤال الوحيد اليوم هو معرفة كيفية مواجهة هذه الحقائق الواضحة».

*مجزرة الطنطورة

من خلال رصد المؤلف لأعمال «المؤرخين الإسرائيليين الجدد» و«علماء الاجتماع الإسرائيليين، يخلص إلى ملاحظتين أساسيتين: الأولى هي أن المقالات والدراسات الكثيرة التي نشرتها الصحف الإسرائيلية ذات التوزيع الكبير لم تؤد إلى إعادة نظر عميقة في حينها للأطروحات التاريخية السائدة.

والثانية هي أن الأكثر حدة من الآراء المطروحة، لم يثر الجدل المتوقع. ويفتح المؤلف هنا قوسين للحديث عن الأطروحة التي عرضها «تيدي كاتز» بعد أن كان قد شرع بدراسات جامعية عن التاريخ اليهودي وتاريخ الشرق الأوسط. وفي عام 1997 اختار بأن تكون أطروحته عن حيفا، وتحديداً حاول الإجابة على السؤال التالي: ماذا حدث في حيفا عام 1948؟

وقد تركز اهتمامه تحديداً على الضواحي القريبة من المدينة، حيث بدأ عمله بالبحث عن شهادات من الفلسطينيين الذين عاشوا تلك الفترة، والذين أصبحوا بغالبيتهم العظمى من اللاجئين.. هنا استرعى انتباهه اسم قرية فلسطينية صغيرة وما عبر عنه بالقول: «في الحال، لاحظت بأنه عندما ينطق احدهم باسم الطنطورة القرية ذات الـ 1500 نسمة آنذاك والتي لم يبق منها سوى مسكن متداع.

والواقعة على بعد 20 كيلومتراً من حيفا على شاطئ البحر تشحب وجوه الناس ويصمت بعضهم، وطلب مني آخرون البوح بما اعرفه عنها، لم أكن اعرف شيئا ثم بدأ بعض الكبار في السن من الفلسطينيين بالحديث بأن الطنطورة قد شهدت مذبحة كبيرة».

وشيئا فشيئا أخذت الأحداث والمواقع والتواريخ تتحدد أكثر فأكثر لينجلي بوضوح ان «العديد من المدنيين الفلسطينيين جرى قتلهم على يد الجنود الإسرائيليين يوم 23 مايو 1948 وبعد نهاية المعارك تماماً». ولم يكتف «تيدي كاتز» بشهادات الفلسطينيين وإنما اتجه نحو الجنود الإسرائيليين الذين كانوا مازالوا على قيد الحياة من الوحدة 33 التي كانت قد دخلت القرية عام 1948.

وفي المحصلة أكدت الشهادات العربية كلها حقيقة وقوع المذبحة، وذكر العديدون منهم أن أباً أو أخاً أو ابناً أو جاراً قد اقتادوه ولم يرجع أبداً، هذا قبل أن يتم طردهم بدورهم.

ومن بين الإسرائيليين أكد سبعة شهود بأنه قد «جرى أمر خطير» في تلك القرية. بل أن ثلاثة منهم يحددهم المؤلف بالاسم، وهم من الجنود السابقين كانوا واضحين جداً في شهاداتهم، بل ان احدهم أكد بأنه هو نفسه شارك في دفن الجثث. وأكد شلومو (بسار) الذي أصبح جنرالاً فيما بعد لكاتز قوله: «عندما رأيت ما فعله الجنود، لم استطع كبحهم، فتركت المكان».

بعد عامين من التحقيقات لم يعد لدى «تيدي كاتز» أي شك حول وقوع المذبحة ليؤكد بأن الهجوم على الطنطورة قامت به ثلاثة فصائل من الوحدة 33 عند الساعة الثالثة صباحا ودخل الجنود إليها عند الساعة الخامسة من نفس الصباح..

وقبل الساعة الثامنة كان المقاتلون الفلسطينيون قد استسلموا كلهم.. وعندها بدأت المذبحة بطريقتين مختلفتين. فمن جهة جرى فصل المدنيين الفلسطينيين بحيث جمعوا النساء والأطفال والعجائز في جهة والرجال ما بين 14 سنة و60 سنة في جهة أخرى.

هؤلاء تم اقتيادهم إلى شاطئ البحر بالقرب من المقبرة. الكثيرون منهم جرى قتلهم هناك بعد ان كان الجنود قد طلبوا من كل واحد منهم ان يحفر حفرة في الرمال ستكون «قبره» بعد عدة دقائق.. هكذا جرى قتل ما بين 80 و90 فلسطينياً على ذلك الشاطئ .

وينقل «كاتز» عن الشاهد «ميخا فيتكوف» (توفي في شهر يونيو من عام 2003) قوله بأن جنوداً كانوا قد شاركوا في المذبحة أكدوا له بان «ماخمان كارمي» الذي أصبح فيما بعد أميناً عاماً مساعداً لوزارة الدفاع الإسرائيلية قد «اخرج مسدسه وأطلق النار عليهم ـ الفلسطينيين الذين جرى اقتيادهم إلى الشاطئ ـ واحداً بعد الآخر، وتحديداً على الرأس».

الطريقة الأخرى للاغتيال جرت خلال عمليات تفتيش المنازل وحيث كان لدى الضباط الإسرائيليين قوائم بأسماء لأولئك المطلوب القبض عليهم، وتدل بعض الشهادات بأن العريف «ناحوم كابلينسكي» كان يسأل كل رجل: «أين سلاحك؟».

«وأولئك الذين كانوا يجيبون بأنهم لا يمتلكون سلاحاً كان يقتلهم على الفور، أمّا أولئك الذين كانوا يجيبون بأن سلاحهم في المنزل» فإن «ناحوم» كان يدخل معهم إلى منازلهم ويأخذ سلاحهم، أما هم فما كان لهم أن يخرجوا أبداً» كما يلخص «كاتز» ما جرى اعتماداً على الشهادات التي جمعها المدعو «سوكولير» الذي كان قادته قد بعثوا به على عجل لدفن الجثث يقول في شهادته بأنه توقف عن العد عند الرقم «230».

بكل الأحوال، وعبر تحليل مختلف الشهادات انتهى «تيدي كاتز» إلى القول بأن مجزرة حقيقية قد حدثت بعد أن كان المقاتلون الفلسطينيون قد ألقوا أسلحتهم.. وقام بنشر الشهادات التي اعتبرها أكثر دلالة في ملحق أطروحته الجامعية التي نال عليها شهادته الجامعية بامتياز وبـ 97 علامة من أصل مئة ذلك لم يكن سوى نهاية الفصل الأول من «قضية كاتز».

* قضية كاتز

ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب حول «القابعين خلف الجدار» هو أن قضية كاتز ذات دلالة بالغة فيما تفصح عنه ومهما كانت حالة التشوش التي تتسم بها أحياناً أطروحة صاحبها، ذلك ان هذا لا يغير في شيء مضمون الشهادات المسجلة بأصوات أصحابها..

وحيث تبين واقع الاغتيال والطرد الجماعي اللذين تعرض لهما الفلسطينيون خلال حرب 1948 بل إن القضية هي ذات دلالة أكبر وأوضح حول ما تفصح عنه من واقع المجتمع الإسرائيلي وحول الذهنيات وأشكال السلوك السائدة اليوم في إسرائيل.

المثير للانتباه أولاً في سيرة الرجل «تيدي كاتز» هو أنه ليس مؤرخاً مثل بعض المؤرخين الإسرائيليين الذين هم في حالة قطيعة مع الأيديولوجية الإسرائيلية للدولة اليهودية. وبالطبع ليس مثل المؤرخ الإسرائيلي ميشيل فارشافسكي الذي يعتبر نفسه مدافعاً عن القضية الفلسطينية وبأنه «مناضل ضد النزعة الاستعمارية» وهو صاحب كتابين صدر أحدهما عام 2000 تحت عنوان «أزمة المجتمع الإسرائيلي» والثاني عام 2002 تحت عنوان «على الحدود» لكن «تيدي كاتز» لا يعتبر نفسه «ما بعد صهيوني» وإنما يقول:

«أنا صهيوني بالطبع ليس على غرار أرييل شارون وصهيونيتي هي حركة تحرير اليهود، وإقامة وطن قومي لأبناء صهيون وبناء دولة يهودية لكن دون طرد السكان، وبدون أية تصفيات عرقية فالصهيونية هي احترام اليهود، وبالتالي احترام جميع الشعوب إنها مساواة الجميع في الحياة والأرض والماء فإذا كنت أطرد وأسبب الجوع، فأنا صهيوني سيئ.

وبالتالي أنا يهودي سيئ، كما عبر هو بنفسه في مقابلة صحافية خلال شهر يوليو من عام 2003 إن كل ما فعله هو محاولة دراسة أحداث وقعت وجرى طمسها، ليجد نفسه في مواجهة الاتهام بـ «التزوير»، ولم يكن في الواقع مهيأ لذلك.

لقد تحدثت الصحافة الإسرائيلية كثيراً عن «قضية كاتز» خلال سنوات 2001 ـ 2003، وغالباً من أجل شن هجمات نقدية ضده وأحياناً، بل نادراً من أجل الدفاع عنه.

وكان كل شيء قد بدأ في مقال نشرته صحيفة «معاريف» في شهر فبراير عام 2000 تحت عنوان «مذبحة في الطنطورة» عرضت فيه أطروحة «كاتز» وطرحت في الوقت نفسه السؤال على بنتزيون فريدان الذي كان قائد القوات التي دخلت القرية الفلسطينية والذي أنكر القيام بأي عمليات قتل للفلسطينيين المدنيين.

ومباشرة بعد نشر المقال الصحافي رفع فريدان ومجموعة من قدامى المشاركين في الوحدة 33 شكوى ضد كاتز للمحكمة، وطالبوا فيها بأن يدفع كاتز لهم مبلغاً يعادل ثلاثمئة ألف دولار أميركي لقاء «تشهيره» بهم. وكانت حجتهم هي أن المعارك لم تنته في نفس صباح دخول القرية وإنما استمرت حتى المساء، و«هذا ما يفسر العدد الكبير من الضحايا الفلسطينيين».

قبل بدء المحاكمة قال أحد المحامين المدافعين عن كاتز «إننا سوف لن نحتاج للشهود الفلسطينيين من أجل كسب القضية، ذلك أن شهادات الجنود الإسرائيليين كافية»، لكن مع بداية الجلسات حاول محامو الاتهام إثبات أن كاتز قد اعتمد على «شهادات مزورة» عبر بعض الهفوات في التواريخ وفي المواعيد، وكان لابد أن محامي العسكريين قد قاموا هم أيضاً بـ «تحريف الحقائق».

بكل الأحوال، وبعد قول الشهود أمام المحكمة زالت كل نقاط ضعف عمل كاتز بفعل تعدد الشهادات لصالح أطروحته وتطابقها هذا إلى بروز تناقضات تصريحات الجنود القدامى. ويتحدث المؤلف في هذا السياق عن لقاء جرى بحضور كاتز ومحاميه مع الخصوم الذين عرضوا عليه أن يتراجع عن أطروحته بينما يسحبون هم من جهتهم شكواهم.

كان ذلك قبل بداية المحاكمة، وترافق ذلك مع ضغوط كبيرة وصلت إلى زوجته، الأمر الذي يعبر عنه بالقول: «كانت زوجتي تتلقى اتصالات هاتفية، وكانوا يقولون لها: «أين رجلك؟ هل ذهب للبغاء مع جثث العرب؟».

*لحظة ضعف

أمام تزايد الضغوط قبل تيدي كاتز أن يوقع نصاً يعترف فيه بأنه «قد زوّر طواعية ومنهجياً شهادات لـ 2000، وأنه لم تتم أية مذبحة من قبل الوحدة العسكرية الإسرائيلية المعنية». كما قبل أن يتم نشر تراجعه في الصحف. كان الوقت بعد منتصف الليل، وعندما كان في «التاكسي» مع محاميه قال له: «لقد ارتكبت خطأ شنيعاً، وأنني أسحب توقيعي».

وفي الصباح طلب من «أطلس» محاميه وابن عمه في الوقت نفسه، أن يقوم مباشرة بشجب الاتفاق الذي جرى إبرامه مع الطرف الخصم، لقد استقال عندها محاميه ولم يُخطر أصحاب الشكوى بتراجع «زبونه» عن الاتفاق المبرم.

في قاعة المحكمة أعلن محامي العسكريين القدامى منتصراً وهو يرفع بيده صورة الاتفاق الموقّع بأن موكليه يسحبون دعواهم. أما كاتز فقد توسّل إلى رئيس المحكمة كي لا يأخذ في اعتباره تلك الوثيقة.وأكد بأنه «تحت ضغط العائلة» عرف «لحظة ضعف».

كان يريد للقضية أن تستمر.. وذلك على أساس أن أطروحته الجامعية لم تفعل سوى أنها كشفت حقيقة ما جرى وهي أن العديد من المدنيين الفلسطينيين قد جرى قتلهم في قرية الطنطورة يوم 23 مايو 1948 بعيداً عن كل المعارك.

لكن المحكمة صدّقت على وثيقة تراجع «تيدي كاتز» وبالتالي على سحب الشكوى. رفع أحد محاميه الأمر إلى المحكمة العليا من أجل عدم الأخذ بقرار المحكمة واستئناف القضية. لكن أعلى محكمة إسرائيلية أيدت قرار المحكمة الأولى وترتب على هذا قرار جامعة حيفا بإلغاء أطروحة «تيدي كاتز» الذي ما كان منه إلا أن عاد للعمل فيها من جديد وإغنائها بشهادات جديدة إضافية.. لكن لجنة محلفين جديدة لم توافق عليها.

مع هذا قررت جامعة حيفا رغم كل شيء، منح «المزوّر» شهادته الجامعية.ولا يزال «تيدي كاتز» يكدّس الشهادات الإضافية ويبدو كرجل على حافة الانهيار لا يتردد في أن يقول لكل من يسأله: «لا أنا أبله. لقد خرّبت كل شيء». وكان «افغيدور فيلدمان» أحد محامي «كاتز» قد اختتم القضية بالجملة الرهيبة التالية:

«إن هذا كله قد بدأ وانتهى وكأنه قضية بين يهود فيما بينهم أما العرب، الضحايا، فقد جرى استبعادهم تماماً من قضية هي أولاً قضيتهم، إذ لم يتم الاستماع إلى شهادة أي منهم». لقد كان العديد من الفلسطينيين الذين اصبحوا في سن الشيخوخة شباباً عندما جرت تلك الأحداث عام 1948 وقد قدموا في الواقع من مختلف مخيمات اللاجئين كي يقولوا ما رأوه وما عاشوه قبل 52 سنة وما جرى لأهلهم وأقاربهم وجيرانهم آنذاك..

وحيث يؤكد «مصطفى أبو مصري» وكان عمره آنذاك 13 سنة بأنه قد خلف هناك «12 من أفراد عائلته» جرى اغتيالهم آنذاك قبل ان يتم طرده ثم إزالة قريته من الوجود. عن هؤلاء قال المحامي فيلد مان في آخر كلمات له أمام المحكمة:

«لقد كانوا ينتظرون بهدوء في إحدى القاعات حتى يأتي دورهم ويقصوا حكايتهم.. فقيل لهم: عودوا إلى بيوتكم فإن قصتكم لا تهم أحداً هنا».ماذا تقول هذه القضية حول موقف أصحاب الشكوى من العسكريين القدامى وحول موقف الرأي العام؟ يتساءل مؤلف هذا الكتاب.

انه يصف في معرض إجابته سلوك هؤلاء العسكريين بأنه «غريب» منذ البداية.. إذ لماذا باح البعض منهم بأسرارها حول ما جرى ثم تراجع بعد ذلك؟ لا شك بأنهم قد تحدثوا في البداية على أساس ان «كاتز» إنما هو إسرائيلي مثلهم، انه «منهم»، ثم ثاروا عندما خرجت أقوالهم عن نطاق السرية إلى العلن، لكنهم فعلوا بالمقابل كل ما في وسعهم كي تذهب القضية إلى نهايتها وبات لا يتم الاستماع إلى أقوال الشهود.

ولم يترددوا أيضا في تفعيل شبكات الإعلام الفعّالة التي تؤازرهم. ومنذ انتهاء القضية ـ قبل أن تكتمل ـ تتكرر الأقوال نفسها بأن العدالة قد «أعطتهم الحق» وان «كاتز» قد «ناقض أقواله، وبأنه قد جرى تبرئتهم من أي اتهام».

و ينقل المؤلف في هذا السياق عن المؤرخ الإسرائيلي «ايلان بابي» الذي أثار موقف العسكريين القدامى استغرابه، وكتب في أحد مداخلاته: «منذ نهاية القضية، لا أكف عن الإعلان بأن الطنطورة قد شهدت مذبحة.

وعلى عكس السيد «كاتز»، فإنني استخدم طواعية تعبير مذبحة وذلك لأنني لا أرى أي فرق بينه وبين تعبير «عملية قتل جماعي للمدنيين» الذي استخدمه «كاتز». وانني أقول للعسكريين القدامى: إنني انتظر. وحتى الآن لم يلاحقه أحد. لماذا؟

إن «إيلان بابي» نفسه يقدم تفسيراً يقول فيه بأن الأبحاث التاريخية التي قام بها تتسم بقدر أكبر بكثير من الجدية من تلك التي قام بها «كاتز». إنه وبالاعتماد على أرشيف الجيش الإسرائيلي نفسه ينقل عن أول رئيس أركان لذلك الجيش، أي الجنرال «ياكوف دوري» قوله إنه كتب إلى قائد الوحدة التي دخلت حمرية الطنطورة بعد أسبوع تقريباً ما نصه:

«هناك أصداء تقول إن جنودنا قد ارتكبوا في الطنطورة أعمال تخريب عديدة بعد الاستيلاء عليها، ودون أية ضرورة. فهل لكم أن تخبرونا إذا كان هذا الأمر حقيقياً؟.

هنا يشير المؤلف إلى أن «دوري» قد وضع خطاً تحت كلمة «بعد الاستيلاء عليها» وأن تعبير «أعمال تخريب» قد يعني في اللغة العبرية «أعمال رعب».

ثم إن المؤرخ «إيلان بابي» يمتلك وثائق عدة دامغة أخرى رسمية ومأخوذة من أراشيف الجيش، ومنها على سبيل المثال رسالة كان وجهها يوم 8 يونيو 1948 قائد قاعدة قريبة من الطنطورة، إلى الجنرال «دوري» نفسه وجاء فيها: «لقد ذهبت لرؤية الحفرة المشتركة، وكل شيء على ما يرام».

*رواية خيالية

إن «قضية كاتز» بكل ما عرفته من إصرار على طمس واقع واضح، إنما يرى بها المؤلف من حيث دلالاتها العميقة توجهاً واضحاً من أجل أفكار وقائع التاريخ والهوية والآخر». وذلك إن وقائع وأحداث 1948 التي يجهلها السواد الأعظم من الإسرائيليين الذين لم يعشها 90% منهم وإنما جرى تقديم رواية «خيالية» عنها لهم..

وبالتالي هي تتردد في الذاكرة الجماعية بالطريقة التي تم تقديمها بها.. لكن طمس حقيقة ما جرى يفسر مواقف الكثير من الإسرائيليين في الوقت الحاضر بعد عملية «غسل الدماغ» التي تعرضوا لها.

الواقع هو أن قرى فلسطينية عديدة قد أزيلت من الخريطة.. وإن من أقسى نتائج حرب 1948 عمليات التهجير القسري التي تعرض لها الفلسطينيون.. والتي أطلق عليها بعض المؤرخين الجدد تسمية «الخطيئة الكبرى لإسرائيل»®.

لكن مؤلف هذا الكتاب يفضل استخدام تعبير «اللطخة» واللطخة السوداء التي تجري تغطيتها، لأنه لم تتم أبداً محاولة غسلها. ويشير في هذا السياق إلى أن رائد «التاريخ الجديد» الإسرائيلي «بيني موريس» كان أول من عرض بالاعتماد على وثائق رسمية، عمليات اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وبيوتهم وبناء على توجهات سابقة «عن سابق قصد وتصميم» .

وبحيث إنه لم يعد محكماً لأي مؤرخ جدي أن ينكر هذه «الحقيقة الواضحة»، وهذا كله يؤدي بالمؤلف إلى القول بأنه «بالنسبة للفلسطينيين، كان عام 1948 هو ما يطلق عليه الباحثون السياسيون بعد حروب البلقان الأخيرة تسمية التطهير العرقي. بعض الكتّاب ورجال الصحافة الإسرائيليين اعتبروا بأن العام 1948 يعتبر وجهاً مزدوجاً.

هكذا كتب «جدعون ليفي» كاتب الافتتاحيات في صحيفة «هآرتز» بتاريخ 10 يوليو 2003 ما مفاده: «1948 هي ساعة مجدنا الكبرى وتحقيق حلم قيام دولة يهودية مستقلة. لكنه أيضاً وبالتلازم أكثر ساعاتنا قتامة حيث ارتكبنا عدداً كبيراً من جرائم الحرب، حيث ارتكبناها ونحن مرتاحي الضمير».

إن التاريخ الذي حرصت أجيال من القيادات الإسرائيلية على إخفاء وقائعه هو الذي دفع أغلبية الإسرائيليين للاختباء وراء «الصورة النبيلة والبطولية» للضحية التي استطاعت أن «تقهر قدراً معادياً دائماً وعدوا يوصم، من جهته، بكل الرذائل».

ويرى المؤلف أن صورة «الضحية» هذه يجري ترميمها كلما أدت وقائع التاريخ إلى تصدعها بحيث أنها تستمر حتى الآن في وعي الإسرائيليين وتفسر الكثير من ردود أفعالهم على الأحداث ومن التفسيرات التي يقدمونها لها. وهي الصورة التي تحاول وسائل الإعلام الإسرائيلية أن تعززها بكل المناسبات، وهي في المحصلة الصورة التي تشكل جداراً يحول دون فهم الواقع، كما هو، وأيضاً دون رؤية حتى وجود «الآخر» وحقه في تقرير مصيره.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف