القدس والاستعمار الكولونيالي (10)

النموذج هو هونغ كونغ

الرؤية الأميركية تتصور القدس عاصمة لكونفيدرالية إسرائيلية ـــ أردنية ـــ فلسطينية

نيكسون اقترح إعادة القدس القديمة وغزة إلى الأردن

ـــ ريغان عارض صراحة قيام دولة فلسطينية مستقلة

تتحدث هذه الحلقة عن الموقف الأميركي من قضية القدس وضم إسرائيل لها واعتبارها عاصمتها الأبدية، وتراوح بين تأييد قرار الأمم المتحدة الداعي إلى تدويل المدينة المقدسة إلى تأييد تدويل الأماكن المقدسة فقط بعيد الاحتلال الإسرائيلي في عام 1967. وتبنت الإدارات الأميركية المتعاقبة مجموعة مشاريع لحل القضية اتسمت في مجملها بالانحياز لصالح إسرائيل واعتبار التغييرات التي تمت على أرض الواقع في السنوات الأخيرة أمراً واقعاً، بحيث باتت تعترف أميركا حالياً بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، وإن كانت تدعو خجلاً إلى الاعتراف بحقوق جميع الأطراف الأخرى.

تعتقد الإدارة الأميركية أن العقدة التي تعترض السلام الشامل تتمثل بالقدس وقضايا اللاجئين والمستوطنات والحدود، والحل من وجهة النظر الأميركية يفترض به أن يأخذ بعين الاعتبار حسب المنسق الأميركي السابق لعملية التسوية دينس روس »الوقائع الجديدة والتغييرات الجغرافية والعمرانية التي قامت بها الحكومات الإسرائيلية المتتالية شرق القدس«، حتى يتوافق مع الظروف الجديدة في الشرق الأوسط ومع النظام العالمي الجديد ويخدم أهدافاً متعددة وصولاً لإقامة كونفيدرالية فلسطينية ــ أردنية ــ إسرائيلية تكون القدس الموحدة عاصمة لها، ويحتفظ كل كيان بنظام حكمه الخاص وعلمه ودستوره، بينما تكون القدس هي العاصمة الكونفيدرالية والتجارية للجميع على غرار نيويورك وأمستردام. وتوضع القدس تحت إدارة مجلس مدينة منتخب له موازنة خاصة، ويحصل سكان المدينة من الفلسطينيين والإسرائيليين على حق الترشيح والانتخاب وفق نسبة عددية، لكن الوضع النهائي للقدس سيجعل منها مدينة مفتوحة على غرار ما وصلت إليه هونغ كونغ، بعد الحرب العالمية الثانية وفق الاتفاق المبرم بين الصين وبريطانيا.

ويعتقد الخبراء الأميركيون أن هذه الأفكار بوسعها أن توفر العديد من المزايا، فهي :

حل لموضوع السيادة على القدس، مع الاحتفاظ بالطابع المقدس للجميع، وتحويل المدينة إلى مركز تجاري، كما في تسهيل تنفيذ مشروع السوق الشرق أوسطية الموحدة، وتنشيط التبادل التجاري وتخفيف أعباء التسلح، فضلاً عن تخليص واشنطن من أعباء المساعدات العسكرية ومساعدات التنمية.

إلا أن هذه الأفكار تكرس بشكل أو بآخر الاحتلال والسيادة الإسرائيلية الكاملة على المدينة، وتتجاهل المرجعية الدولية والقرارات ذات الصلة المتعلقة بالقدس الشرقية واعتبارها أراض محتلة يجب الجلاء عنها وفق بنود القرار 242، والقرارات اللاحقة التي أكدت بان لا شرعية لكل عمليات الاستيطان، وان القدس أرض فلسطينية عربية محتلة.

إن من يتابع أرضية تحرك الإدارة الأميركية الانحيازي، لا يندهش من تعمد الولايات المتحدة إقصاء أية منظمة دولية عن أي دور تقوم به، في قضايا الصراع المركزيــة، ومنها المستوطنات، ولقد تبنت إدارة الرئيس بيل كلينتون منظوراً إسرائيلياً مؤداه بأنه لم يعد للأمم المتحدة أي دور تقوم به في حل قضايا الصراع العربي الإسرائيلي. ولهذا امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت على قرار مجلس الأمن، الخاص بإدانة المجزرة الصهيونية في الحرم الإبراهيمي في فبراير 1994. ويرى كلينتون أن القدس بوصفها من قضايا الوضع النهائي يجب ألا تعالج من جانب المنظمات الدولية، وأن اهتمام الأمم المتحدة التاريخي بهذه المسائل هو أثر من عصر ماض، وقد قالت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة بأن قضايا الوضع النهائي غدت شأناً ثنائياً بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ويلحظ المتابع للعلاقات الأميركية الإسرائيلية، ان إدارة بوش الابن بدأت تؤسس لخطاب سياسي لتبني نفس المواقف السابقة من إسرائيل والقضية الفلسطينية، حيث أسقطت الإدارة عبر الفيتو استصدار أي قرار يدين العدوان الإسرائيلي المستمر منذ بداية عام 2001 على الشعب الفلسطيني الأعزل.

على كل حال، وتكثيفاً للمنحى الأميركي العام إزاء القدس وتحولاته خلال العقود الماضية، يمكن تقسيم مواقف الإدارات الأميركية خلال الفترة 1947 ــ 2001 إلى عدة فترات خاصة بعد استصدار القرار الدولي 181 القاضي بتقسيم فلسطين، وجعل مدينة القدس كياناً منفصلاً خاضعاً لنظام دولي خاص، وقد أيدت الولايات المتحدة هذا القرار، وتسارعت الأحداث، فأقيمت الدولة العبرية في مايو 1948، وتم شطر المدينة إلى شطرين، الأول احتل من قبل العصابات الصهيونية وهو الجزء الغربي كما أشرنا في مكان آخر من الدراسة، والشطر الشرقي الذي احتل في يونيو من عام 1967.

وفيما بعد غيرت الولايات المتحدة الأميركية موقفها من القرار 181 خاصة البند المتعلق بتدويل مدينة القدس، وشرعت تتبنى فكرة إنشاء مجلس عربي – إسرائيلي مشـترك، وتطالب بتدويل الأمكنة المقدسة، فقط وذلك لحصر دور الأمم المتحدة بتعيين مفوض يشرف على الأمكنة المقدسة فقط، مع ملاحظة التسليم بإجراءات الأمر الواقع للاحتلال الإسرائيلي في القدس الغربية.

مشروع جونسون

وبعد أسبوع واحد من وقف إطلاق النار في حرب يونيو 1967 وتوسع إسرائيل في الأراضي العربية، حدد الرئيس الأميركي ليندون جونسون 1963 ــ 1968 السياسة الخارجية الأميركية، وعرض مشروعاً، مؤلفاً من خمس نقاط للسلام، يطالب بــ»احترام الاستقلال السياسي والسلام الإقليمي لجميع دول المنطقة. وتمشياً مع ذلك فإن ما تحتاج إليه الدول المعنية بالصراع، الآن هو حدود معترف بها، بدلاً من خطوط الهدنة المعرضة باستمرار للاختراق والتدمير والحرب، وترتيبات تعترف بالمصالح الخاصة، للأديان السماوية الثلاثة، في الأمكنة المقدسة في القدس«.

ويتبين من المشروع أعلاه، أن الولايات المتحدة ترفض عودة إسرائيل إلى حدود ما قبل الخامس من يونيو 1967، فالمكاسب الإقليمية من جراء الحرب، لا يمكن التخلي عنها، بحال من الأحوال، مما يتوافق مع التصور الإسرائيلي.

وتبعاً لذلك نشطت السياسة الأميركية في أروقة الأمم المتحدة، لمنع استصدار كثير من القرارات، ونبع سلوك الولايات المتحدة هنا من مواقفها السياسية من مسألة القدس، ولهذا امتنعت عن التصويت على القرارين 2253 و2254، الصادرين عن الدورة الطارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة في 4/7 و14/7/1967، واللذين طالبا إسرائيل بالتوقف عن أي إجراء يغير من وضع القدس، وإلغاء جميع ما قامت به من إجـراءات، وللتخفيف من شدة النقد الموجه إلى الولايات المتحدة، أدلى ممثلها في الأمم المتحدة آرثر غولد بيرج يوم 14/7/1967 ببيان، أشار فيه إلى أن الولايات المتحدة ترى بأن القدس الشرقية منطقة محتلة، تخضع لقانون الاحتلال العسكري، ولا يجوز لإسرائيل إجراء أية تغييرات فيها، ودعا إلى فرض رقابة دولية على الأماكن المقدسة.

إن موقف الولايات المتحدة من القدس، يختلف ربما عن موقف أية دولة أخرى في العالم، ويختلف عن موقفها من القضية الفلسطينية ككل، فقد تراجعت المواقف الأميركية حيال القدس، من تأييد لتدويل شامل للمدينة إلى تأييد لتدويل الأمكنة المقدسة فقـط، وبعد حرب يونيو 1967، تمسك الموقف الأميركي بوحدة المدينة، تلبية لسياسة الأمر الواقع، الذي فرضته إسرائيل باحتلالها للقسم الشرقي من المدينة.

ومع مجيء الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون 1968-1974 إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأميركية، قدم مشروعاً لحل قضية الشرق الأوسط بتاريخ 18/12/1968، تضمن الفحوى التالية:

تعطى الأردن بموجبه طريقاً برياً إلى غزة، يمر بالقدس، الخليل، بئر السبع، غزة، وتكون تحت السيادة الأردنية الكاملة، تعيد إسرائيل القدس العربية القديمة إلى الأردن، مع وضع الأمكنة المقدسة كلها تحت سلطة دينية مشتركة، مؤلفة من الأديان صاحبة العلاقات فيها، وتعترف بها الأمم المتحدة والدول الكبرى.

مقترحات روجرز

كان وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية في عهد إدارة نيكسون، وليم روجرز قد طرح في التاسع من ديسمبر 1969، مقترحات لتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي، حملت اسمه ، وتضمنت بنوداً أساسية، وهي:

أولاً: إدخال تعديلات طفيفة على الحدود، يتم الاتفاق عليها، من خلال المفاوضات.

ثانياً: تأمين العبور الحر إلى الأماكن المقدسة في القدس، مع الأخذ بعين الاعتبار المصالح الدينية لجميع السكان، ومصالح أصحاب الديانات الثلاث، من قبل إدارتها، كمدينة موحدة، وتم التأكيد في مبادرة روجرز على مبدأين: بقاء القدس موحدة، وتسوية مشكلة القدس من خلال المفاوضات بين الطرفين العربي والإسرائيلي، وهو مبدأ جديد، يهدف إلى إسقاط أي دور للأمم المتحدة، وفكرة تدويل المدينة أو الأماكن المقدسة. وأدخلت المبادرة المذكورة تغييرات على الموقف الأميركي تمثلت في: عدم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وعدم نقل السفارة الأميركية إليها. وعدم الإشارة إلى العناصر الواردة في بيان غولد بيرج.

الأمر الخطير في هذا المشروع، يتمثل بأنه استطاع أن يحقق جزءاً من أهدافه، عندما اخترق الصف العربي، ووافقت عليه بعض الدول العربية، وكانت النتائج قاسية للغاية على الواقع العربي، وأخطر ما في مشروع القرار ربطه قضية القدس بقرار مجلس الأمن رقم 242 بالضرورة، خاصة بعد اختلاف الأطراف حول تفسير القرار، حيث يلاحظ بأن الولايات المتحدة الأميركية، حرصت منذ عام 1969 على تقليص دور الأمم المتحدة في قضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، وتدخلت الولايات المتحدة بنفسها في هذا المجال.

وبقيت الولايات المتحدة الأميركية تعتبر القدس منطقة محتلة خلال الفترة 1970 ـــ 1971، حيث أكد ذلك جورج بوش حين كان سفير الولايات المتحدة في المنظمة الدولية بتاريخ 25/9/1971. وبزيارة الرئيس أنور السادات إلى فلسطين المحتلة، ازداد الموقف العربي تفككاً وضعفاً إزاء القضية الفلسطينية، مقابل ذلك تعزز التشدد الإسرائيلي أكثر مما مضى. ولم تحل قضية القدس في مفاوضات كامب ديفيد بين السادات ـــ وبيغــين، ورأى الأميركيون ضرورة بحثها ومعالجتها في مفاوضات لاحقة، وبطبيعة الحال انحاز الموقف الأميركي إلى جانب المفاوض الإسرائيلي خلال مفاوضات كامب ديفيد، هذا مع التأكيد بأن إدارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر اتصفت بالثبات بالنسبة لقضية القدس شأنها في ذلك شأن الإدارات الأميركية السابقة منذ حرب 1967 ومنها:

أولاً: ضرورة بقاء المدينة موحدة، برغم إعلان التزام هذه الحكومة ببيان غولد بيرج الذي لا ينص على وجوب بقاء المدينة موحدة، ويطرح فكرة فرض رقابة دولية على الأمكنة المقدسة.

ثانياً: ضمان حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة لجميع السكان وبغض النظر عن طوائفهم.

ثالثاً : فصل القدس عن بقية الأراضي المحتلة، والتعامل معها على نحو منفصل.

ومع ارتقاء رونالد ريغان سدة الحكم في الولايات المتحدة 1980-1988، انكشف موقف الإدارة الأميركية المتحيز للتصورات الإسرائيلية إزاء قضية القدس، فقد أصدر الرئيس الأميركي رونالد ريغان عدة بيانات في مناسبات عديدة اعتبر من خلالها »القدس عاصمة لدولة إسرائيل، وأنه يجب أن تبقى دائماً تحت السيادة الإسرائيلية، وذهبت إدارة ريغان إلى أبعد من ذلك، حيث سعت إلى تدعيم علاقتها مع حليفتها إسرائيل.

اتفاق التعاون الاستراتيجي

جاء توقيع اتفاق التعاون الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليصب في عصب الاستراتيجية الأميركية إزاء الصراع العربي – الإسرائيلي. فكان الغزو الإسرائيلي للبنان، وضرب الوجود العسكري للمقاومة الفلسطينية هناك، ثم جاء مشروع »ريغان« يوم خروج الدفعة الأولى من مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، مستهدفاً جني ثمار العدوان، وشق المخرج لمشروع الحكم الذاتي في الضفــة والقطاع، وإحياء اتفاقات كامب ديفيد على الصعيد العربي.

وأصر ريغان في خطابه بتاريخ 5/9/1982على »معارضة إقامة الدولة الفلسطينية«، وقال بملء فمه »لا دولة فلسطينية في الضفة الغربيـــة لنهر الأردن وقطاع غزة « وأكد على وجوب »أن تبقى القدس غير مجزأة، وأن وضعها النهائي يجب أن يقرر بالمفاوضات« مع الطلب الخجول من إسرائيل بتجميد الاستيطان، باعتباره »لا يفي بالغرض الأمني« فـ »الولايات المتحدة ملتزمة بحماية أمن إسرائيل«. فالمشروع كصيغة سياسية جاء لتصفية القضية الفلسطينية، بحيث يكمل عمل الآلة العسكرية، بعد اجتياح لبنان صيف عام 1982

أما الرئيس الأميركي جورج بوش الأب 1988-1992 فقد بعث في 31/3/1990، برسالة إلى رئيس بلدية القدس اليهودي تيدي كوليك جاء فيها: »يجب أن تقسم القدس ثانية ، هكذا كانت و لا تزال سياسة الولايات المتحدة الأميركية، وتلك سياستي«.

ثم تقدمت إسرائيل بطلب ضمانات قروض إلى الإدارة الأميركية بقيمة 400 مليون دولار لإسكان المهاجرين السوفييت في أوائل عام 1990، وفي الرسالة إياها قال بوش بأن »الاعتراض الأميركي على المستوطنات يشمل القدس الشرقية، وأن القدس الشرقية أرض محتلة«.

ومن جهة أخرى تقدم السيناتور الأميركي دانيال باتريك مونيهان وعدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي في خطوة تصعيدية بمشروع قرار يدعو الكونجرس الأميركي للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وقد استصدر مجلس الشيوخ الأميركي في 22/3/1990 قراراً نص على »بقاء القدس عاصمة موحدة لإسرائيل« مع حفظ حقوق »الآخرين«، وفي 24/3/1990 اصدر الكونجرس الأميركي قراراً مماثلاً للقرار المذكور.

وفي 2/10/1990 وافقت الإدارة الأميركية على صرف قروض الإسكان البالغة 400 مليون دولار، عبر رسالة وزير خارجية إسرائيل تفيد بأن إسرائيل ستستخدم قروض الإسكان في مناطق »تحت إدارة إسرائيل قبل حرب عام 1967«، مما دفع إلى السطح تبايناً ملموساً في وجهات النظر بين الإدارة الأميركية وإسرائيل، مع انفراط عقد حكومة » الوحدة الوطنية« في إسرائيل في 15/3/1990 وقد حصل التباين أصلاً، على خلفية رفض الحكومة الإسرائيلية الرد بالإيجاب على مبادرة وزير الخارجية الأميركية جيمس بيكر. ثم أخذ هذا التباين مسارات عدة، أكد كلا الطرفين عبرها، بعض الثوابت السياسية ومن ثم ندد علناً بمواقف الآخر.

ومع تسلم إسحاق شامير رئاسة الحكومة الإسرائيلية في سنة 1990، دخلت مسيرة السلام في الشرق الأوسط ثلاجة الجمود السياسي، وانتهجت الحكومة الإسرائيلية لعبة شد الحبل في تعاملها مع الإدارة الأميركية، إزاء بعض القضايا ذات العلاقة بمواقفها من أزمة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها قضية الاستيطان في الأراضي المحتلة، ورفع إسحاق شامير شعار »سلام مقابل السلام« متجاوزاً »الأرض مقابل السلام« الذي رفعته الحكومات العربية وأيدته الإدارة الأميركية، حينذاك وتماشياً مع تلك التوجهات الإسرائيلية، أجرت الحكومة الإسرائيلية عملية تكثيف للاستيطان اليهودي، فشيدت بعض الأحياء الاستيطانية في القدس الشرقية، متجاهلة بذلك دعوة وزير الخارجية الأميركية لها، بصورة علنية للمرة الأولى، للإعلان بوضوح بأنها لن تقيم مستوطنات جديدة في المناطق المحتلة، ولن توطن المهاجرين الجدد في المستوطنات القائمة هناك، كما تجاهلت تصريح الرئيس الأميركي بوش، بصدد استمرار إدارته في موقفها من موضوع القدس، القائل بأن وضعها النهائي يتقرر فقط في مفاوضات مستقبلية.

وفي إطار الحديث أن أسباب التوتر في العلاقات الإسرائيلية الأميركية، قال وزير الخارجية الإسرائيلي حينذاك موشيه أرنز »إن أسباب التوتر تعود إلى عدم قدرة واشنطن على استيعاب تسارع الأحداث الأخيرة في إسرائيل« ، وفي ظل ذلك قررت الكنيست الإسرائيلية من جهتها مجدداً بأن »القدس الموحدة الكاملة، وذات السيادة، هي عاصمة دولة إسرائيل، ونوابها لن يشتركوا في أية مفاوضات حول سلامتها وسيادة إسرائيل عليها«، أما الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، ريتشارد باوتشر فقد قال : في معرض تعليقه على قرار الكنيست هذا » إن موقف الإدارة الأميركية من مدينة القدس معروف، وليس ثمة تبديل في هذه السياسة«.

الفيتو الأميركي

وتبين لدى عرض موضوع الاستيطان على مجلس الأمن الدولي، أن الموقف الأميركي الأول كان تكتيكاً مؤقتاً، سرعان ما تحول إلى موقف داعم لإسرائيل، دون تردد، فقد استخدمت الولايات المتحدة »الفيتو« في مايو 1990، لإسقاط مشروع قرار لمجلس الأمن يعتبر المستوطنات في الأراضي المحتلة، بما فيها القدس غير شرعية.

إذا كانت المواقف الأميركية قد تمثلت في رسالة التطمينات التي أرسلها وزير خارجية الرئيس جورج بوش الأب جيمس بيكر، نحو المسار الإسرائيلي بشكل غامض، فإن الرئيس جورج بوش قد قرر التراجع الفعلي عن شروطه لإعطاء قرض بقيمة عشرة مليارات دولار لإسرائيل، إذ بموافقة بوش في أغسطس 1992، حصلت إسرائيل على ضوء أخضر لمزيد من الاستيطان في ضواحي القـدس، وأراضي القرى العربية المجاورة لها، بعد أن تغاضت إدارة بوش عن الموضوع الشائك بنشاطات البناء اليهودي في القدس الشرقية واكتفت هذه الإدارة بتعهد لفظي، قطعه إسحاق رابين على نفسه في مايو 1992، بوقف الاستيطان في الضفة الغربية.

وبانت فجاجة الموقف الأميركي بالنسبة لمدينة القدس ومختلف عناصر القضية الفلسطينية في سياق التسوية المختلة التي انطلقت عبر مؤتمر مدريد عام 1991، فقد حضر الفلسطينيون مؤتمر مدريد في نوفمبر 1991، كجزء من الوفـد الأردني، وقد حدث ذلك بعد محاولة الطمأنة الأميركية للفلسطينيين، التي أتت على شكل رسائل، تشي بعدم اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بضم القدس الشرقية، وحدود بلدية القدس الجديدة، وأن موقف الإدارة الأميركية يقرر بأن »من حق سكان القدس المشاركة في مفاوضات المرحلة النهائية« ، وبأن للمقدسيين الحق في التصويت، في انتخابات سلطة الحكم الذاتي الانتقالية، وإضافة إلى المواقف السلبية المتضمنة في رسالة التطمينات المذكورة، لا بد من الإشارة إلى أمور عدة:

أولاً : إن الولايات المتحدة الأميركية في تصميمها للمفاوضات، تجنبت البحث في موضوع القدس طيلة الفترة الانتقالية، فيما يعني تأجيل القضية لفرض المزيد من سياسات الأمر الواقع، من جانب إسرائيل على المدينة المحتلة.

ثانياً : أشارت الولايات المتحدة إلى مطالب الفلسطينيين بالنسبة للقدس الشرقية، فقط مع أن القدس بشطريها موضوع مطروح في الأصل، للنقاش بحسب قرارات الشرعية الدولية.

ثالثاً : كما أنها تتضمن أية إشارة لمرجعية قضية القدس، عند التفاوض، وهي قرارات الأمم المتحدة، ذات الصلة بالقضية، منذ عام 1947، باستثناء القرار 242، ناهيك عن الحقوق التاريخية العربية الفلسطينية.

أما فترة إدارة الرئيس بيل كلينتون الممتدة بين أعوام 1993-2001 فقد تضمنت ومن خلال الحملة الانتخابية التي خاضها كلينتون إشارات واضحة إلى أن القدس الموحدة العاصمة الأبدية لإسرائيل، وانتقد سلفه الرئيس جورج بوش الأب حين ربط ضمانات القروض بضرورة تجميد الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وبعد وصوله إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأميركية تركزت تصريحات كلينتون حول ضرورة البت في قضية القدس في مفاوضات الوضع النهائي بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وفي الوقت نفسه لم تعلن إدارة كلينتون أي موقف إزاء ضرورة وقف الاستيطان الإسرائيلي في مدينة القدس المحتلة، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، في عام 1989 استخدمت الإدارات الأميركية بما فيها إدارة كلينتون أكثر من مرة الفيتو، ملغية استصدار قرارات تدين الزحف الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها مدينة القدس.

ولدعم التوجهات الإسرائيلية في مدينة القدس لجعلها عاصمة أبدية لإسرائيل، وافقت إدارة كلينتون بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس المحتلة، شرط أن لا يكون ذلك قبل عام 1999، وبحيث يرتبط ذلك بمفاوضات الوضع النهائي بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، والاتفاق على مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.

وعند وصول جورج بوش الابن إلى سدة السلطة في الولايات المتحدة الأميركية، كانت الانتفاضة الفلسطينية التي انطلقت شرارتها الأولى في ساحات الأقصى الشريف، قد اندلعت قبل أشهر، وكان من المقدمات التي هيأت لشرارة الانتفاضة، الضغوط الأميركية والإسرائيلية على المفاوض الفلسطيني في مفاوضات كامب ديفيد الثانية التي استمرت لأسابيع، حيث رفض الوفد الفلسطيني التنازل عن القدس الشرقية، واعتبار بعض توسعاتها عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة على كامل مساحة الضفة وقطاع غزة والبالغة نحو ستة آلاف كيلو متر مربع. وتبعاً لاشتداد وطأة المجازر الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني والانتفاضة، والخسائر الإسرائيلية من جراء المقاومة المســــلحة والضرب في العمق الإسرائيلي، اضطرت إدارة بوش الابن لإرسال مبعوثيها ورسلها وبشكل متواتر إلى منطقة الشرق الأوسط، وذلك من أجل الضغط على الطرف الفلسطيني لإخضاعه وقبوله بالشروط الإسرائيلية، والانقضاض على الانتفاضة التي رفعت شعارات الحريــــة والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس بعد كنس المستوطنين البالغ عددهم نحو 200 ألف مستوطن إضافة إلى نحو 180 ألفاً في عشرة أحياء استيطانية تطوق القدس من كافة الاتجاهات.

نيكسون.. مشروع لحل الصراع

بوش الأب... دعوة لتقسيم القدس

كلينتون.. تجاهل لموضوع الاستيطان

القدس... أميركا تريدها هونغ كونغ أخرى