منذ عام 1947، وحتى الآن لا تزال القضية الفلسطينية بعناصرها المختلفة وقضية القدس منها تتبوأ أهمية خاصة داخل أروقة الدبلوماسية الدولية وفي الأمم المتحدة التي أصدرت عدداً كبيراً من القرارات المتعلقة بها، ومنها القرارات التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، والمنظمات الدولية كاليونسكو.
وشكلت القرارات الصادرة شيئاً من الإنصاف للشعب الفلسطيني وتأكيداً على حقوقه الوطنية والقومية الغير قابلة للتصرف وفيما يلي أهم القرارات المتعلقة بمدينة القدس حسب تواريخ صدورها:
قرار الجمعية العامة رقم 181 الصادر بتاريخ 29/11/1947.
قرار الجمعية العامة رقم 186 بتاريخ 14/4/1948.
قرار مجلس الأمن رقم 46 بتاريخ 17/4/1948، ويدعو القرار إلى الامتناع عن أي عمل يعرض للخطر سلامة الأماكن المقدسة في فلسطين.
قرار الجمعية العامة رقم 185 (الدورة الاستثنائية - 2) بتاريخ 26/4/1948، ويرى القرار أن حفظ النظام والأمن في القدس مسألة ملحة تعني الأمم المتحدة ككل، وتقرر أن تطلب من مجلس الوصاية أن يدرس مع سلطة الانتداب والأطراف المعنية، الإجراءات الملائمة لحماية المدينة وسكانها، وأن يرفع إلى الجمعية العامة في أقرب وقت ممكن اقتراحات بهذا الشأن.
مشروع الوسيط الدولي الكونت برنادوت في 11/6/1948 بشأن القدس وعودة اللاجئين. حيث قام الكونت برنادوت بإجراء اتصالات مع الأطراف المعنية، وقدم اقتراحات لمجلس الأمن الدولي تضمنت في ملحق التقرير بندا يقترح ضم مدينة القدس إلى الأراضي العربية، إلا أن جامعة الدول العربية رفضت المقترحات كما رفضتها إسرائيل.
قرار الجمعية العامة الرقم 194 (الدورة - 3) بتاريخ 11/12/1948، وتضمن القرار إشارة إلى وجوب حماية الأماكن المقدسة - بما فيها مدينة الناصرة والمواقع والأبنية الدينية في فلسطين و تأمين حرية الوصول إليها وفقاً للحقوق القائمة و الممارسة التاريخية.
قرار مجلس الوصاية الرقم 114 (الدورة الاستثنائية - 2) بتاريخ 20/12/1949 ويتضمن القرار دعوة إسرائيل إلى إبطال نقل بعض الدوائر والوزارات إلى القدس الغربية المحتلة منذ العام 1948.
وبعد عام 1949 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرها من المنظمات المنبثقة عن الأمم المتحدة، عشرات القرارات التي تؤكد فيها على ضرورة تطبيق القرارات الدولية الصادرة بشأن المدينة المقدسة. وأصدر مجلس الوصاية قراراً تحت رقم 117 بتاريخ 10/12/1950،
يؤكد فيه على المضي في إنهاء إعداد نظام مدينة القدس ، الذي تألف من 43 مادة حددت بالتفصيل كل ما يلزم لإنشاء نظام دولي خاص بمدينة القدس يقوم على كيان منفصل تحت إدارة الأمم المتحدة ، واعتمد النظام حدود منطقة القدس حسبما وردت في قرار الجمعية العامة 181.
وشهدت سنوات الخمسينات والستينات صدور قرارين مهمين ، أحدهما حمل الرقم 127 تاريخ 22/1/1958 وتضمن الإشارة إلى النظر في الشكوى الأردنية بشأن النشاطات التي تقوم بها إسرائيل في منطقة في القدس تقع بين خطوط الهدنة، وطلب تعليق النشاطات الإسرائيلية في المنطقة، وأشار القرار 162 تاريخ 11/4/1961 الصادر عن مجلس الأمن إلى الشكوى الأردنية حول تعديات إسرائيل على مناطق الهدنة، وحث إسرائيل على الامتثال لقرار لجنة الهدنة المشتركة.
قرارات بالجملة
والملاحظ لدى المتتبع للقرارات الدولية بشأن قضايا الشرق الأوسط، وخاصة الصراع العربي الإسرائيلي، ومن بينها قضية القدس وما واكب ذلك من قرارات دولية، أن كافة تلك القرارات ذات الصلة بالقضية الفلسطينية والقدس، تراكمت وتكدست على رفوف الأمم المتحدة،
نتيجة تجاهلها من قبل دولة الاحتلال الصهيوني والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حتى عام 1967 ، هذا فضلاً عن التطورات التي تجاوزتها، فكان احتلال إسرائيل لباقي الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع بالغ الأثر في ذلك، وقد صدرت عدة قرارات دولية بشأن القدس منذ عام 1967، وأهمها :
القرار رقم 2253 ـ تاريخ 4/7/1967، وأعربت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة عن القلق الشديد للحالة السائدة في القدس نتيجة التدابير التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وسط المدينة، واعتبرت تلك التدابير غير صحيحة وطلبت من إسرائيل إلغاءها والامتناع عن أي عمل من شأنه تغيير وسط القدس.
القرار رقم 35/169 أ ، ب ، جـ ، د ، هـ (15/12/1980) حول قضية فلسطين، الذي طالبت فيه الجمعية العامة إسرائيل بأن تمتثل امتثالاً تاماً لجميع قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالطابع التاريخي لمدينة القدس الشريف. والذي رفضت فيه الجمعية العامة إعلان إسرائيل أن القدس عاصمتها ، وجاء القرار رقم 35/207 تاريخ ـ 16/12/1980 ـ
ليؤكد رفض الجمعية المذكورة بشدة لقرار السلطة الإسرائيلية بضم القدس وإعلانها عاصمة لها وتغيير طابعها المادي وتكوينها الديموغرافي وهيكلها المؤسسي ومركزها، واعتبر كل التدابير والآثار المترتبة عليها باطلة أصلاً، وطالب بإلغائها فوراً. ودأبت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إصدار قرارات بالمضامين ذاتها في أوقات لاحقة.
كما دأبت على إبراز اسم القدس في الغالبية العظمى من القرارات التي أصدرتها بشأن الأوضاع العامة في المناطق العربية المحتلة منذ عام 1967 (مع عبارة بما فيها القدس) وأبرزها : القرار رقم 2851 بتاريخ 20/12/1971، والقرار رقم 9249 بتاريخ 8/12/1972 والقرار رقم 2963 بتاريخ 13/12/1972،
والقرار 3005 تاريخ 15/12/1972، والقرار 32/5 تاريخ 28/10/1977، وآخرها القرار 44/40 تاريخ 4/12/1989. وجميع القرارات المذكورة الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، تضمنت إشارة واضحة إلى اعتبار القدس الشرقية جزءاً من الأراضي المحتلة عام 1967.
وقد أصدر مجلس الأمن أيضاً عدة قرارات بشأن القدس منذ عام 1967، منها : القرار 250 تاريخ 27/4/1968، والقرار 251 تاريخ 2/5/1968، والقرار 252 تاريخ 21/5/1968، والقرار 271 تاريخ 15/9/1969، والقرار 298 تاريخ 25/9/1971، والقرار476 تاريخ 30/6/1980، والقرار 478 تاريخ 20/8/1980، والقرار 672 تاريخ 12/10/1990،
وهناك مجموعة من القرارات الصادرة حتى بداية التسعينات، وجميع تلك القرارات تشجب الانتهاكات الإسرائيلية في القدس، وتدعو إسرائيل لوقف إجراءاتها التهويدية في القدس، وبطلان تلك الإجراءات لتغيير هوية المدينة، كما شجبت القرارات :
القرار 271 المذكور، عملية حريق الأقصى الحاصل يوم 21/8/1969، والقرار رقم 672 المذكور سابقاً، والذي أدان أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الأمن الإسرائيلية يوم 8/10/1990 في الحرم القدسي الشريف، والطلب إلى إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، الوفاء ببقية التزاماتها ومسؤولياتها القانونية المقررة، بموجب اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب التي تنطبق على جميع الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967.
وصدرت قرارات مختلفة إزاء قضية القدس من مؤسسات أخرى مثل المؤتمر العام لليونسكو، ولجنة حقوق الإنسان التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة، كما صدرت عدة قرارات عن منظمات منبثقة عن الأمم المتحدة،
وتمحورت جميع القرارات حول ضرورة عدم تغيير أوضاع مدينة القدس باعتبارها من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، ورفض وبطلان كافة الإجراءات الإسرائيلية في المدينة المقدسة، ويبرز القرار رقم (478) الصادر عن مجلس الأمن عام 1980، والقاضي بإبطال الضم الإسرائيلي للقدس الشرقية، يبرز على أنه أهم القرارات الدولية الصادرة بشأن القدس منذ عام 1967.
مشاريع دولية
وعند التطرق إلى المشاريع الدولية التي تم وضعها لحل قضية القدس بعد انشطارها إلى قسمين بفعل حرب عام 1948، حيث قسمت على أرض الواقع إلى قسمين : جزء غربي تحت السيطرة الإسرائيلية، وجزء شرقي استكمل احتلاله خلال حرب عام 1967، وهذه المشاريع الدولية يبلغ عددها تسعة مشاريع أطلقت كما يلي:
خطة تقسيم مجلس الأمن : أعدت في نوفمبر 1948، حيث جاءت هذه الخطة في سياق مشروع تقسيم أرض فلسطين التاريخية إلى دولتين، واعتبر القدس مدينة منفصلة تحت السيادة الدولية بإدارة الأمم المتحدة، وحدود المدينة هي : من الشرق أبو ديس، من الجنوب بيت لحم، ومن الغرب عين كارم ، ومن الشمال منطقة شعفاط.
وتكون المدينة منزوعة السلاح ومحايدة ويتم المحافظة على وضع موحد لها، وضمان حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة، كما يعين مجلس الأمن حاكما للقدس. وبعد عشر سنوات من إدارة المدينة من قبل الأمم المتحدة يجري استفتاء شعبي حول التغييرات في السلطة داخل المدينة.
الاقتراح الأسترالي (نوفمبر 1949) : تقدمت استراليا بمشروع قرار إلى اللجنة الفرعية المؤلفة من 17 دولة لتدويل القدس، أدخلت عليه تعديلات محددة، ونص بشكل رئيسي على عزم الأمم المتحدة على أن يقوم في القدس نظام دولي دائم يثبت بصراحة الترتيبات الواردة في قرار التقسيم الصادر في 29/11/1947. وأن مدينة القدس تشكل قسماً منفصلاً خاضعاً لنظام دولي خاص تشرف عليه الأمم المتحدة. وتحدد الأمم المتحدة مجلس وصاية يتولى مهام السلطة المكلفة بالإدارة.
مشروع المطران مكنتربري : طرح في أكتوبر 1949 حيث دعا هذا المشروع لوضع البلدة القديمة والمنطقة التجارية المجاورة لها وهي جبل الزيتون، هار هاتسوفيم، تراسنتلا، طريق بيت لحم تحت السيادة الدولية برعاية الأمم المتحدة، وتوضع المدينة الجديدة خارج الأسوار تحت السيادة الإسرائيلية ويعطى اليهود حرية العودة إلى الحي اليهودي. وتوضع الأماكن المقدسة في القدس تحت الإشراف الدولي.
مشروع قانون القدس / مجلس أمناء الأمم المتحدة : ورد هذا المشروع في اقتراحات مجلس أمناء الأمم المتحدة في مايو 1950، حيث أكد أن مدينة القدس وحسب الحدود التي وردت في مشروع التقسيم، تكون منطقة منفصلة وتدار من قبل مجلس أمناء مجلس الأمم المتحدة في المدينة.
ويعلن عن المدينة كمنطقة محايدة. ويقام مجلس تشريعي مكون من 25 ممثلا يتم اختيارهم من قبل سكان المدينة، و15 ممثلا آخر يتم تعيينهم من قبل رؤساء الطوائف الدينية، ويكون الحاكم مسؤولا عن حماية الأماكن المقدسة، كما يقدم مشروعا لتقسيم المدينة إلى وحدات حكم ذاتي.
المشروع السويدي لتدويل الأماكن المقدسة : أطلق هذا المشروع في سبتمبر 1950، حيث اقترح تحديد حدود المدينة وفقا لما جاء في مشروع قرار تقسيم فلسطين، ودعا إلى أن تكون السيطرة والصلاحيات والنفوذ على أجزاء القدس بيد كل من إسرائيل والأردن وفقا للكثافة العربية أو اليهودية فيها،
وبحيث لا تسري التسوية على الأماكن المقدسة للمسلمين الموجودة تحت السيادة الأردنية، أوعلى الأماكن المقدسة اليهودية تحت السيطرة الإسرائيلية، وانما تكون كل الأماكن المقدسة في كل أنحاء منطقة الانتداب البريطاني في فلسطين تحت السيطرة والإشراف الدولي.
مشروع وليم روجرز : وهذا المشروع جاء في سياق كامل للتسوية قدمه وزير الخارجية الأميركي السابق وليم روجرز، وذلك في سبتمبر 1969، ويدعو هذا المشروع لمنع القيام بنشاطات أحادية الجانب بشأن المكانة النهائية للقدس. وأن تحدد مكانتها النهائية بالاتفاق بين الأطراف ذات الصلة بالأمر. وخاصة حكومات إسرائيل والأردن التي ستأخذ بالحسبان حسب المشروع مصالح الدول الأخرى في المنطقة ، والأسرة الدولية، وعلى أن تبقى القدس مدينة موحدة وضمان حرية المرور للأماكن المقدسة.
تقسيم المدينة / مشروع كارادون : في عام 1980، قدم اللورد كارادون سفير بريطانيا في الأمم المتحدة ومن الذين صاغوا القرار 242 مشروعا يتضمن تقسيم المدينة بسيادة إسرائيلية على الجزء الغربي، وسيادة عربية على الجزء الشرقي منها، وأن يتم تحديد الحدود بين شطري المدينة من قبل مجلس الأمن، وأن توضع حواجز بين شطري المدينة، وضمان حرية المرور والاتصال بينهما، وأن تكون المدينة منزوعة السلاح. ويعين الأمين العام للأمم المتحدة مندوبا أعلى للقدس يضمن حرية المرور في الأماكن المقدسة.
مشروع معهد اسفان / نيويورك : قدم معهد اسفان هذا المشروع في يونيو 1985 ويؤكد على أن معظم أجزاء القدس يجب أن تبقى بيد إسرائيل ( يشرف على المعهد عدد من الشخصيات الأميركية اليهودية النافذة ) وابقاء المدينة موحدة، ويمكن وضع المسجد الأقصى ومحيطه تحت السلطة العربية الإسلامية، ولكن منطقة جبل الزيتون تكون تحت السيطرة الإسرائيلية العربية المشتركة، أو السلطة الدولية، ويتمتع مواطنو المدينة بجنسية مزدوجة : جنسية المدينة، وجنسية واحدة من الدول المحيطة حسب اختيارهم.
مشروع جيروزاليم / القدس / يروشاليم : أعلن عنه عام 1992، وصاغته شخصيات دولية مقيمة في الولايات المتحدة، بمشاركة الوزير الأردني السابق عدنان أبو عودة. ويؤكد هذا المشروع على ضرورة أن تكون القدس داخل الأسوار غير تابعة لأي دولة أو طائفة دينية، وتسري عليها سيادة سياسية وتسمى «جيروزاليم» تحت سيادة مجلس يمثل السلطات الدينية للأديان الثلاث. والجزء الشرقي من المدينة يدعى القدس، والجزء الغربي يسمى «يروشاليم».
ويبقى أن نقول بأن المشروع الوطني الفلسطيني تجاه القدس أكدته وأشارت إليه كل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، التي تعتبر جميع الأراضي المحتلة عام 1967 أراضي فلسطينية وبالتالي بطلان قانون الضم الإسرائيلي للمدينة المقدسة.
أميركا والقدس
تعتبر قضية القدس من أهم القضايا التي أجلها المفاوضون الفلسطينيون والاسرائيليون إلى مفاوضات الوضع النهائي، التي تشمل إضافة إلى القضية المذكورة، قضية الاستيطان، اللاجئين، والحدود، والمياه، وجميعها قضايا شائكة نتجت عن حرب عام 1948، وقيام اسرائيل على 78% من مساحة فلسطين التاريخية، وحرب عام 1967 التي نتج عنها احتلال ما تبقى من أراضي فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة،
ومنذ عام 1948 وهو العام الذي أنشئت فيها اسرائيل وقضية القدس تتبوأ مكانة مهمة في إطار القضية الفلسطينية، وما تمخض عن ذلك من مواقف دولية ممثلة بمواقف الأمم المتحدة، ومواقف أميركية ، وأوروبية، حيث تكتسب قضايا الشرق الأوسط وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية أهمية خاصة في الاهتمامات الدولية لتلك الدول.
فما هي حقيقة الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية، وخاصة قضية القدس التي تعتبر من أهم مفاصلها الرئيسية، وما هي العوامل التي أدت إلى حدوث اتجاهات وانعطافات في المواقف الأميركية إزاء قضية القدس. أسئلة سنحاول الإجابة عنها بإسهاب من خلال تناول موقف الإدارات الأميركية من قضية القدس، واستشراف المواقف الأميركية في المدى المنظور.
منذ إنشائها في عام 1948 بدعم غربي مادي ومعنوي كبيرين، حظيت إسرائيل برعاية أميركية استثنائية مادية وسياسية، سواء على صعيد العلاقة الثنائية، أو على صعيد الموقف الأميركي في أروقة الأمم المتحدة ومنظماتها المنبثقة ، فكانت الولايات المتحدة تسقط عبر حق النقض الفيتو أية محاولة استصدار أي قرار يلزم إسرائيل بتطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، بيد أن العلاقة الأميركية الإسرائيلية بدأت تأخذ منحى حاسماً بعد حرب عام 1967،
حيث باتت إسرائيل تلعب دوراً أساسياً في إطار المصالح الأميركية الشرق أوسطية، ولم يتبدل الموقف كثيراً بعد حرب الخليج الثانية في عام 1991، فعلى الرغم من وصول العديد من التشكيلات العسكرية الأميركية إلى منطقة الخليج وتركزها هناك منذ العام المذكور، بقيت إسرائيل تلقى دعماً سياسياً ومالياً وعسكرياً كبيراً معبراً عنه بالمساعدات الأميركية بشقيها العسكري والاقتصادي،
والذي بلغ خلال الفترة (1951-2001) نحو (80) مليار دولار، منها نحو60% على شكل مساعدات عسكرية ، حيث كانت الولايات المتحدة تعوض إسرائيل عن خسائرها الاقتصادية و العسكرية عن كل حرب تشنها إسرائيل على الدول العربية، وبشكل عام تستأثر إسرائيل بنحو20% من إجمالي المساعدات الأميركية إلى دول العالم، ما يؤكد التحالف الاستراتيجي والرعاية الكبيرة التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل.
وفي إطار المواقف الأميركية المختلفة من القضايا الشائكة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، يمكن التأكيد على أن كافة المواقف سواء من قضايا الاستيطان، أو اللاجئين، القدس، أو الحدود ، كانت تنسجم إلى حد كبير مع التصورات الإسرائيلية إزاء القضايا المذكورة، فعلى سبيل المثال ترى إسرائيل أن حل قضية اللاجئين يعتبر مدخلاً مهماً لحل القضية الفلسطينية، ويجب حلها في إطار توطينهم في الدول المضيفة لهم،
على أساس الفهم الإسرائيلي لنشوء القضية والتي تتحمل مسؤوليتها الجيوش العربية أثناء حرب عام 1948، ومن جهتها ترى الولايات المتحدة بأن مشكلة اللاجئين هي قضية إنسانية وليست قضية سياسية، ويجب حل القضية عبر مشاريع التوطين في الدول العربية. تتقارب الرؤية الأميركية لحل معضلات الصراع العربي والفلسطيني / الإسرائيلي مع الموقف الإسرائيلي وتكاد تكون متطابقة معها تجاه العناوين الأكثر سخونة .
بعد حرب يونيو 1967، واصلت إدارة الرئيس الأميركي جونسون وضع منهجا جديدا كانت قد ابتدأته بعد ولادة قضية القدس عام 1948 يقوم على دعم فكرة التدويل واستمر فقط حتى نهاية عهده، اذ قال في خطاب عام حول القدس : «يجب الاعتراف بعدالة المطالب الخاصة للأديان الثلاثة الأكبر في الأماكن المقدسة في القدس ».
أي لم تعد هناك مطالبات بالتدويل. وعاد البيت الأبيض يؤكد خطاب الرئيس ليندون جونسون بعد القرار الإسرائيلي بضم المدينة، حيث أصدرت الخارجية الأميركية بيانا جاء فيه: إن الولايات المتحدة لن تعترف بالإجراءات من طرف واحد لأي دولة تجاه ما يخص وضع القدس. وطالبت الولايات المتحدة بعد ذلك بأن لا يقرر وضع القدس انفراديا ولكن بالتشاور مع كل الجهات المعنية.
وفي العودة إلى قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين، ووضع القدس في القرارات الرسمية الأميركية كما أصدرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية - واشنطن، فان إدارات: نيكسون - فورد - كارتر - ريغان - بوش الأب - كلينتون ـ بوش الابن، واصلت التراجع التدريجي والثابت عن تدويل القدس إلى تقبل الأمر الواقع، وسياسة تقبل نتائج المفاوضات حول القدس بين الأطراف في ضوء الواقع الديمغرافي الذي أحدثته سلطات الاحتلال على أرض المدينة.