وصفت الوثيقة النهائية، التي أقرت بنهاية القمة العالمية للأمم المتحدة بأنها «مخيبة للآمال» أو «خالية من العناصر الأساسية والأصلية». وهذا تأكيد صحيح في جانب منه على الأقل وذلك ما قلته أمام قادة العالم أثناء القمة. لكن القمة بمجملها مثلت إعلاناً مهماً عن الوحدة على الصعيد العالمي حول عدد كبير من القضايا. يتعلق الأمر بخبر رائع، إثر أسابيع من المفاوضات المكثفة.

ففي صبيحة اليوم الأخير للقمة، كان يزال أمامنا 140 نقطة خلافية، تؤثر على 27 موضوعاً، لابد من إيجاد حلول لها. وفي نهاية استعراضية للدبلوماسية القائمة على مقولة: «إما تأخذه أو تتركه»، تم التمكن من إنهاء الوثيقة، لكن ذلك حدث في وقت متأخر جداً من الليل، وبالتالي فإن المراسلين والمعلقين لم يكن لديهم الوقت لتحليل النص الكامل قبل إصدار حكمهم عليه.

وأنا لا أقصد انتقادهم حين أؤكد أنهم يقومون الآن بعملية مراجعة أو عندما تبدو الكثير من تقويماتهم أقل شمولاً.وفي الواقع، فإن انتقادهم ليس مقصدي، ذلك أن غالبية الصحافيين تصرفت باحترام معي، فلقد عزت الإخفاق المزعوم إلى الدول الأعضاء، التي يفترض أنها لم تتبن المقترحات الجسورة للإصلاح، التي كنت قد صغتها بنفسي. ومن العدل الآن أن توضع الأمور في نصابها.

عندما وضعت جدول أعمال القمة في مارس الماضي، كنت قد رفعت سقف المطالب إلى مستوى مرتفع بصورة متعمدة، ذلك أنه لا يتم الحصول أبداً على كل ما يطلب في المفاوضات الدولية. وبالطريقة ذاتها، فإني قدمت الإصلاحات كمجموعة متكاملة، ليس لأني واثق من إقرارها من دون تغييرات،

وإنما لأني اعتبرت أن هناك احتمالاً أكبر بأن تحقق تقدماً إذا ما عولجت مجتمعة وليس بشكل منفصل، فلربما تكون الدول أكثر استعداداً لتجاوز تحفظاتها حول بعض القضايا إذا ما لاحظت أن إصلاحات أخرى تعطيها أولوية أكبر تحظى بالاهتمام الذي ترى تلك الدول أنها تستحقه.في نهاية المطاف، فإن ذلك ما حصل على وجه الدقة.

الوثيقة المقرة تتضمن التزامات راسخة لا لبس فيها، سواء من جانب البلدان المانحة أو البلدان السائرة في طريق التطور، حول الخطوات الملموسة التي يجب اتخاذها كي تتحقق في 2015 الأهداف التطويرية المتفق عليها منذ خمس سنوات في قمة الألفية والتي يمكن القول الآن بعد أن ساندها الرئيس جورج دبليو بوش بشكل واضح في خطابه الذي ألقاه أثناء القمة الأخيرة وبصورة لا تدحض، إنه يوجد توافق عالمي يدعمها.

الوثيقة تتضمن قرارات مكرسة لتعزيز قدرات الأمم المتحدة في الحفاظ على السلام وتوطيده وترسيخه، كما تتضمن صيغة أولية مفصلة للجنة جديدة لتعزيز السلام، مما سيسمح بضمان أعمال دولية أكثر تماسكاً وانتظاماً من أجل إرساء سلام دائم في البلدان التي تكتسحها الحرب.

وتحتوي الوثيقة على قرارات ستسمح بضمان فرص العمل ومضاعفة ميزانية مكتب المفوض الأعلى للأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبإنشاء نظام عالمي للإنذار المبكر خاص بتدارك الكوارث الطبيعية وبحشد موارد جديدة للنضال ضد مرض نقص المناعة المكتسبة (سيدا) والسل وحمى المستنقعات، وبتحسين الصندوق المركزي للأمم المتحدة الخاص بالحالات الطارئة، بطريقة تضمن وصول المساعدات بأمان وبسرعة أكبر عند حدوث كارثة ما في المستقبل.

وبصورة تتناقض مع ما كنت قد أوصيت به، فإنه لا يبرز في الوثيقة تعريف واضح للإرهاب، إلا أنها تتضمن ولأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة إدانة لا لبس فيها ومن قبل جميع الدول الأعضاء للإرهاب «بجميع أشكاله ومظاهره بمعزل عمن يرتكبه وأين يرتكبه وبأية أهداف»، كما تتضمن نداءً حازماً كي تنجز خلال مهلة 12 شهراً اتفاقية موسعة ضد الإرهاب واتفاقاً لصياغة استراتيجية عالمية لمحاربة الإرهاب ستضعف الإرهابيين وستعزز مجتمعنا الدولي.

ولعل الجانب الأعلى قيمة بالنسبة لي يتمثل في القبول الواضح من قبل جميع أعضاء الأمم المتحدة لوجود مسؤولية جماعية في حماية التجمعات السكانية المدنية من الإبادة وجرائم الحرب والتصفية العرقية والجرائم التي ترتكب ضد البشرية عندما لا تضطلع السلطات المحلية بمسؤولياتها، مع الالتزام بالقيام بذلك عن طريق مجلس الأمن.

كما أن هناك قبولاً لمقترحي الخاص بإنشاء مجلس جديد لحقوق الإنسان تابع للأمم المتحدة. وعلى الرغم من عدم توفر التفاصيل إلا أنني أرى أنهم سيجعلون منه هيئة أفضل بشكل واضح من اللجنة الحالية، حيث تسند للجمعية العامة مهمة إنجاز التفاصيل المذكورة. لكن يتوجب على الدول، التي تؤمن بشكل راسخ بحقوق الإنسان، العمل بإصرار كي تمثل الهيئة الجديدة تغييراً حقيقياً.

ولقد وافقت الدول الأعضاء على غالبية الاقتراحات المفصلة، التي صغتها حول إصلاح الإدارة، حيث يتعين علينا، في المستقبل القريب، امتلاك آليات للإشراف والمراقبة والتدقيق خاصة بعملنا وبصورة أكثر استقلالية ودقة، والتخلص من النشاطات التي بطل استعمالها وإدخال مكافأة استثنائية للموظفين الذين يتقاعدون بشكل طوعي،

وذلك بطريقة تمكننا من تركيز طاقاتنا على الأولويات الحالية والتعاقد مع أشخاص مناسبين لتحمل أعباء تلك الأولويات، والتصدي لعملية إصلاح عميقة للمعايير التي تحكم استخدام مواردنا الخاصة بالميزانية والموارد البشرية.ومع ذلك، فإن الدول الأعضاء قد أحجمت عن إبداء التزام واضح حيال منح الأمين العام سلطة تنفيذية راسخة نحتاجها أنا ومن سيخلفني على حد سواء للقيام بالعدد المتزايد من المهمات التي يعهد بها للأمم المتحدة.

كما كنت قد اقترحت إصلاحاً لمجلس الأمن، كي يكون تمثيلياً لحقائق اليوم بصورة أكثر اتساعاً. هنا يوجد أيضاً اتفاق حول المبادئ، لكن المشكلة تكمن في التفاصيل. والوثيقة تتضمن التزاماً من الدول لمتابعة البحث عن اتفاق وتلح على أن تقوم بمعاينة التقدم بهذا الخصوص بنهاية 2005.

ومع كل ذلك، فإن الإخفاق الرئيس في الوثيقة يكمن في عدم التطرق لقضايا انتشار الأسلحة النووية، التي تمثل، من دون شك، التهديد الأكثر خطورة والذي سيتوجب علينا مواجهته في المستقبل المنظور وذلك بحكم حظر امتلاك الإرهابيين لذلك النوع من الأسلحة.

بعض الدول أراد إعطاء أولوية مطلقة لموضوع عدم الانتشار، بينما أصرت دول أخرى على أن الأعمال الخاصة بتعزيز معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية يجب أن تتضمن خطوات جيدة باتجاه نزع الأسلحة وبهذه الطريقة تكرر فشل المؤتمر الخاص بمراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الذي عقد في مايو الماضي.

من الواضح أن الأمر يتعلق بشأن مهم للغاية لن تعود الحرية فيه إلا إلى الفشل وأنا أطلق نداء للقادة في كلا الجبهتين كي يقدموا بوادر أكبر على القدرة السياسية ويتخذوا إجراءات عاجلة لإيجاد موقف مشترك. وفي حال حدوث العكس، فإن الأمر قد يصل بهذه القمة إلى أن تذكر فقط من خلال عجزها عن الحيلولة دون هدم نظام عدم الانتشار وكل ما تم تحقيقه في الواقع قد يبقى طي النسيان.

ترجمة: باسل أبو حمدة عن «الموندو» ـ اسبانيا