قبل انتخابات 18 سبتمبر كانت لدى الشعب الألماني قناعة راسخة بأن حصيلة صناديق الاقتراع ستمنح قيادة سياسية بعينها التفويض المطلوب لإحداث الإصلاح الملح لحركة اقتصادهم المتدهور، غير أن نتائج الانتخابات جعلت تلك القناعة رهاناً خاسراً. بدلاً من إصلاح الاقتصاد المعطوب، وجدت ألمانيا نفسها غداة إعلان نتائج الانتخابات متورطة في مأزق سياسي مستحكم.

حتى قبيل التوجه إلى مراكز الاقتراع أجمعت استطلاعات الرأي على ان انجيلا ميركيل زعيمة الاتحاديين المسيحيين ستدخل التاريخ عبر بوابة منقوشة بالزهو اذ ستصبح أول سيدة ألمانية تشغل منصب المستشار وأول شخصية سياسية تنتمي إلى الشطر الشرقي تنال ذلك الشرف. فقد كان بقاء غيرهارد شرودر زعيم الحزب الاشتراكي في المنصب يتطلب معجزة.

ومع ان نتائج الانتخابات لم تثبت شرورد في منصبه إلا ان ميركيل باتت هي التي تحتاج الى معجزة لتدخل مقر المستشارية في برلين فكما لم يحصل شرودر على الغالبية التي تؤهله للبقاء فان ميركيل لم تحصد من المقاعد والأصوات ما يمكنها من اخراجه وخلافته. بما ان صناديق الاقتراع لم تحسم المعركة الانتخابية فقد صار مصير العملية السياسية الألمانية مفتوحاً على المجهول.

وبدلاً من الاستناد إلى حصار الحملات الدعائية المحمومة التي كسرت المألوف الألماني هذه المرة إذ استمرت حتى عشية يوم التصويت، أصبح الفوز بالمستشارية وحق تشكيل الحكومة رهين المناورات والمساومات الحزبية الساخنة هذه الأيام دون ان يفوح منها ما يغلب أحد الاحتمالات الائتلافية المتداولة والصعبة.

أيا كان الخيار الائتلافي المتاح امام شرودر للاحتفاظ بمنصبه أو امام ميركيل للفوز بتشكيل حكومي، فقد أصبح ثابتاً انه لم يعد ثمة أمل في تحقيق الإصلاح الاقتصادي المنشود الذي كان المحور الأساسي في المعركة الانتخابية، فكل الائتلافات الممكنة عاجزة بطبيعة تشكيلاتها عن النهوض بعملية الإصلاح اذ انها تشتمل على تناقضات داخلية لا تعين على انجاز ذلك الرهان بل تشكل تهديداً على استمرارها هي نفسها في موقع السلطة.

خسارة ذلك الرهان المستقبلي الذي كانت أوروبا بأسره تترقبه يمثل الفاجعة الأكبر من نتائج الانتخابات الألمانية فقد بينت النتائج ان الشعب الألماني بأسره يخشى التغييرات الجذرية حتى ولو ملحة. فعلى قدر الاستياء مما حققه شرودر في سنواته السبع السابقة أكدت النتائج ان الألمان يتهيبون عواقب الاجراءات الصارمة التي تعهدت ميركيل باتخادها لدفع عجلة الاقتصاد الألماني المعطوبة.

هذا التردد هو الذي أفضى إلى النتيجة التي لم تبق فقط على الأزمة الاقتصادية بل أضافت إليها أزمة سياسية. فبينما كانت كل استطلاعات الرأي العام ترجح خيار الاصلاحات الكبرى التي تبنتها ميركيل في برنامج الاتحاد المسيحي وبفارق نقاط عديدة إلا ان هذا الفارق أخذ في التآكل مع اقتراب موعد التصويت من 20% قبل أشهر ثلاثة إلى 9% قبل أسبوع إلى أقل من 1% عند إعلان النتائج.

تلك كانت حصيلة مخيبة لآمال الديمقراطيين وليس مجرد صدمة للسيدة الطموح فهو فوز منقوص أقرب إلى طعم الهزيمة من الانتصار.في المقابل، بدا الحزب الاشتراكي رغم احتلاله المركز الثاني من حيث عدد المقاعد البرلمانية أقرب إلى الفوز منه إلى الخسارة.

استطاع شرودر بكارزميته الطاغية كسر استقراءات الرأي العام وتوقعات الصحافيين الذين دمغوه مسبقاً بالخسارة ولذلك بدا صبيحة اعلان النتائج منتشياً بتقدمه الفجائي وأسبغ المستشار على نفسه انتصاراً كاد يحوله إلى حقيقة مقنعة.نتائج الانتخابات التي أحدثت هذا الارتباك منحت الاتحاد المسيحي 225 مقعداً في البرلمان مقابل 222 للحزب الاشتراكي وأعطت حزب اليسار 54 مقعداً والخضر 51 وحصل الحزب الليبرالي على 61 مقعداً ليصبح الحصان الأسود وصانع الملوك.

* رجل أوروبا المريض ونهاية الحلم

لكن شرودر وهو السياسي المحنك رفض التسليم بالهزيمة، ومن ثم إفساح المجال أمام منافسته لتشكيل الحكومة الجديدة.وتمترس الرجل في رفضه وراء اكثر من حجة فزعم ان حزبه يمتلك اكثر غيره منفرداً مقاعد برلمانية باعتبار الاتحاد المسيحي يجسد تكتلا بين حزبي الديمقراطيين والاشتراكيين المسيحيين كما زعم انه حصد اصواتا أكدت شعبيته وسحر حملته الدعائية. ربما يكون شرودر محقا في مزاعمه لكن تلك ليست قواعد اللعبة الديمقراطية في ألمانيا.

وحده الرئيس يملك بموجب تلك القواعد الحق في ضوء النتائج تكليف صاحب الأكثرية بتشكيل الحكومة. وحدها ميركيل تبقى صاحبة الأولوية وفق هذا الخيار الرئاسي. فرغم عدم تمتع حزبها بالأغلبية المؤهلة لتشكيل حكومة منفردة فأمامها فرصة البحث عن حليف للدخول في ائتلاف. وفي حال فشلها امام الرئيس أكثر من خيار.

ومن المقرر ان يجتمع البرلمان المنتخب في وقت لا يتجاوز 18 اكتوبر لانتخاب المستشار المرشح من قبل الرئيس، وفي حالة عدم حصول المرشح على الأغلبية المطلقة يظل المستشار الحالي في منصبه اسبوعين يعود البرلمان بعدها لتثبيت المستشار الحالي أو استبداله بالمرشح. فإذا اخفق أي منهما في الحصول على الأغلبية المطلقة يحق للرئيس الدعوة إلى انتخابات مبكرة قبيل نهاية العام الحالي. أو مطلع السنة الجديدة.

أحد ملامح التردد الألماني الذي رسمته نتائج الانتخابات يتجسد في رفض استمرار ائتلاف «الحمر والخضر» أي الحزب الاشتراكي وحزب الخضر إذ يتحمل هذا الائتلاف مسؤولية اخفاق الاصلاحات التي طرحها شرودر في برنامج بعنوان «اجندة 2010» في دفع عجلة الاقتصاد الألماني وكبح معدلات البطالة.

ألمانيا تمثل أكبر دولة ذات ثقل اقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي بما تملكه من رصيد بشري. اذ يبلغ عدد سكانها 82 مليون نسمة وموقع جغرافي في القارة وحجم متوسط الناتج المحلي الذي يضعها في المرتبة الثالثة داخل مجموعة دول اليورو إلا انها أمست أقرب ما يكون إلى «رجل أوروبا المريض» إذ بلغ معدل النمو فيها السنة الماضية بالكاد 6,0%

وهو الأسوأ من نوعه في دولة تحت مظلة الاتحاد الأوروبي بعد أن انزلق اقتصادها إلى الركود الفعلي في الثلثين الأخيرين من العام السابق وقفزت البطالة فيها إلى خمسة ملايين وهبط حجم الاستثمارات مع هبوط الانفاق على الاستهلاك في مستوياته الدنيا مما دفع تجارة التجزئة وصناعة البناء إلى هاوية.

وأمست كلفة الصناعة في ألمانيا أعلى من أي بلد آخر بينما يمثل عبء الضرائب والرعاية الاجتماعية في عداد اكثر البلدان ثقلا على صعيد العالم ويعتبر النظام الصحي فيها باهظا بحيث لا يتجاوز سوى بلد واحد وفقد النظام التعليمي الذي كانت تفتخر به مقومات ذلك الزهو وبدأ في التدهور.

غير أن بعض عناصر هذا الضعف لاتقع ضمن مسؤولية الحكومة الألمانية. ومع ذلك لاتزال ألمانيا تتمتع بأكثر النظم الاجتماعية سخاء على المستوى الأوروبي غير أن هذا لا ينفي أنه ما لم تحدث معجزة لدفع الاقتصاد خارج مستنقع الركود فإن هذه الحقيقة تشكل بداية نهاية الحلم الألماني.

غير أن هذه الميزة لم تعزز الثقة في ائتلاف «الحمر والخضر» الذي تولى السلطة في العام 1998 واعيد تثبيته فيها بموجب انتخابات العام 2002 إذ بدا واضحا للشعب الألماني ان هذا الائتلاف لم يعد مؤهلاً للنهوض بالمهمة الوطنية العاجلة المتمثلة في اصلاح اكبر اقتصاد أوروبي يهبط فيه النمو وترتفع فيه البطالة. كما ان السياسة الخارجية لشرودر وشريكه يوشكا فيشر يشوبها الكثير من اللغظ والتناقض

فإزاء مشكلة كوسوفو مثلاً كسر الائتلاف المحرمات الألمانية عندما ارسل للمرة الأولى منذ العام 1945 قوات إلى الخارج. وتصلب موقف شرودر ازاء الحرب في العراق على نحو سمم العلاقات الألمانية ـ الأميركية وتقارب شرودر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رغم نزوعه الاوتوقراطي في السلطة وبنى ما يشبه التحالف مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك داخل الاتحاد الاوروبي وناهضا معا توجهات الاصلاح المالي والاقتصادي فيه.

ويشكل الموقف تجاه انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي محوراً ساخنا في المعركة الانتخابية ففيما اعلن شرودر حماسة لذلك الانضمام اكتفت ميركيل بمنح تركيا وضع الشريك وليس العضوية الكاملة. ويوجد في ألمانيا اكثر من 500 الف شخص يتحدرون من اصل تركي يحق لهم ممارسة حقهم الانتخابي. واعتبرت ميركيل انحياز شرودر لهؤلاء بمثابة استخدام الحنين للوطن الأم وخبرة في المعركة الانتخابية.

* جراحة مؤلمة وطبيبة غير محبوبة

عدم الرضا الألماني إزاء الائتلاف الحكومي لا يعني بالضرورة القبول بطرح المعارضة، كما ان برنامج الاصلاح الذي طرحه الاتحاد المسيحي بزعامة ميركيل لم يستقطب المساندة الشعبية لإسباب عدة فهو لم يكن مقنعا من حيث قدرته على اصلاح الحال وقوبل باعتراضات داخل التكتل الحزبي نفسه من بعض اقطاب الصناعات وأثار في الوقت نفسه مخاوف قطاعات شعبية عريضة رأت فيه عملية جراحية قاسية ستفقد هذه القطاعات بموجبها مكاسب في مجالات الرعاية والضمانات الاجتماعية.

وجاء اختيار ميركيل للبروفيسور بول كيرهوف وزيراً مرتقبا للمالية ضربة قوية للآمال المعلقة عليها لاحداث الاصلاحات المرجوة ذلك ان الرجل معروف عنه تشدده وتطرفه وأدركت ميركيل تداعيات ذلك الاختيار السييء في وقت متأخر من حملتها الدعائية اذ ابدت ميولا لجهة فريدريك ميرز الذي كان هجر الحزب اثر تصاعد الخلافات بينهما.

وبينما رأى فريق من المراقبين ان برنامج ميركيل لا ينطوي على الجرأة اللازمة وصمه فريق آخر بالتطرف وعدم استيعاب مزاجية الشعب الألماني الذي اعتاد على معالجة أزماته الاقتصادية بهدوء ولا يتقبل الصدمات والعمليات الجراحية المؤلمة وتناول العقاقير غير المستساغة.

ووفقا لرؤية توماس شترويهار رئيس معهد الدراسات الاقتصادية الدولية في هامبورغ فان العدالة الاجتماعية ظلت مرتكز السياسات الاقتصادية في ألمانيا اذ هي مهمة اليساريين وفق مرجعيتهم الماركسية وهي كذلك ملهمة اليمينيين في اطار مرجعيتهم المسيحية.

لذلك فإن الوضع في ألمانيا مغاير لما يحدث في بريطانيا وأميركا فلم يبلغ التناقض بين الاشتراكيين والمسيحيين مبلغ ما وقع بين العمال والمحافظين في بريطانيا على ذلك النحو الذي أدى إلى بروز «التاتشرية» او بين الجمهوريين والديمقراطيين في اميركا على غرار ما أفرز «الريغانية».

وعليه تكون انجيلا ميركيل ارتكبت خطأ فادحا عندما حاولت ان تلبس ثوب مارغريت تاتشر فدول أوروبا الوسطى قاطبة لا تجنح نحو «النيوليرازيم» فحتى شيراك ينظر اليها باعتبارها «مرضاً معدياً اكثر من كونها فلسفة اقتصادية». ورغم التعهد باتخاذ تدابير قاسية بينها فرض ضرائب وكبح مميزات الرعاية الاجتماعية فان برنامج المسيحيين لم يجب على كل الاسئلة الاقتصادية العالقة اذ لم يقل ماذا سيفعل ازاء العجز الضخم الذي يرهق الموازنة السنوية والذي يوازي 60 مليار يورو.

ويعتقد عديد من المراقبين ان انجيلا ميركيل لم تكن في الاصل خياراً موفقا من قبل الاتحاد المسيحي لتسويق برنامجه الاقتصادي. هذه المرأة الخارجة إلى بؤرة الضوء من تحت انقاض جدار برلين وحطام عملاق الوحدة هلموت كول ليست الند المنافس لسياسي من طراز شرودر يتمتع بشعبية ويحذق فنون استخدام اجهزة الاعلام.

صحيح امام انجيلا ميركيل فرصة لغزل دور نسائي استثنائي لتصبح اكثر النساء توهجا على المسرح السياسي الأوروبي باعتبارها أول أمرأة تشغل منصب المستشار في المانيا. لكن ميركيل لا تملك من المؤهلات والمواهب الجوهرية ما يعينها على اداء ذلك الدور المميز.

فهي على نقيض المألوف في حلبة القيادات الألمانية لم تتدرج في مناصب حكومية قبل ان تتطلع إلى المستشارية كما أنها لم تخض معترك الحملات الانتخابية باستثناء المنافسة على المقعد البرلماني الذي شغلته في العام 1991 أي بعد الوحدة.

وقد تبناها هلموت كول عندما رآها وهي القادمة من الشطر الشرقي تتوقد حماسا في صفوف الاتحاد المسيحي غير ان التلميذة النجيبة انقلبت على العراب عندما داهمته الفضائح في العام الأخير من القرن الماضي فكتبت مقالا صحافيا اتهمته بتدمير الحزب وطالبته بالتنحي.

بفعل هذه الجرأة التي اعتبرها البعض عقوقا ولأنها كانت بين قلة من قيادات الحزب لم تطلها الفضائح المالية التي عصفت بكول وبعدها خسر ادموند شتوبير معركة انتخابات العام 2002 امام شرودر اصبحت ميركيل الخيار المفضل امام الحزب لزعامته.

ثمة ميزتان عززتا موقعها في الصدارة، كونها امرأة قادمة من الشطر الشرقي غير ان ميركيل اثبتت عجزا في استثمار الميزتين لصالحها في المعركة الأخيرة ضد شرودر. فقد أثبتت نتائج الانتخابات انها حصدت اصواتاً أقل في الشطر الشرقي ولم تستقطب معظم أصوات النساء.

وراء هذا الاخفاق اصرار ميركيل نفسها على عدم استثمار انوثتها أو الاتكاء على انتمائها الشرقي وربما كانت محقة في ذلك لكنه اصرار تصادم مع صانعي استراتيجية الحملات الانتخابية داخل الحزب. واذا كان رفض استغلال الجذور الشرقية ينم عن قناعة ربما تكون راجحة فإن عدم استثمار الانوثة يعود إلى طبع متأصل.

فالتلويح بالانتماء للشرق يضر بصورة أي سياسي ذلك ان المزاج الألماني لم يبرأ بعد من الانقسام والعزف عليه ليس مطلوبا بل العقلية الموضوعية مع كل ما من شأنه محو ذلك الانشطار من المخيلة الشعبية.في المقابل يعتقد عديد من الصحافيين أن ميركيل لا تملك من الذوق أو المستشارين ما يعينها على تسويق صورتها كأنثى ناجحة، وظل أسلوبها في انتقاء الثياب وتصفيف الشعر محط انتقادات مكثفة في الصحافة الألمانية إبان الحملة الانتخابية.

كما أنها تفتقر إلى الحضور الإعلامي والجاذبية الخطابية. وإلى كل تلك العناصر عزا عديدون تدهور شعبيتها مع الاقتراب من صناديق الاقتراع. فمع تقدم الحملات الدعائية كان شرودر يتقدم على حساب ميركيل إلى أن حانت ليلة المناظرة التلفزيونية الأولى التي استخدم فيها الرجل كل مهاراته واستطاع انتزاع نقاط عدة. واعترف المسيحيون بتفوق شرودر على زعيمتهم. واعتبروا أنهم خرجوا رابحين لمجرد أن المناظرة انتهت دون أن تلحق بهم أضرار فادحة.

لكنهم أصيبوا بإحباط كبير عندما فاجأتهم النتائج بأن الزعيمة التي كانت في المقدمة بفارق نقاط أحرزت انتصاراً منقوصاً وبفارق يقل عن 1% عن منافسها العتيد الذي يرفض التسليم بالهزيمة. مع الحفر العميق في نتائج الانتخابات يتكشف فشل الاتحاد المسيحي والسيدة ميركيل. إذ أن الحزب الاشتراكي بزعامة شرودر يتقدم عليها في 12 من ولايات ألمانيا الـ 16 وكان الاتحاد المسيحي ربح المعارك الانتخابية الأخيرة في معظمها.

* المشاورات المحمومة وبورصة المساومات

بما أن أياً من الحزبين لم يخرج من المعركة الانتخابية بما يؤهله لتشكيل الحكومة الجديدة، فقد دخلت العملية بورصة المناورات والمساومات الحزبية. وبعد مرور أربعة أيام على إعلان نتائج الانتخابات هجر قادة الأحزاب والسياسيون المتنفذون «كافيه اينشتاين» وهو مطعم فاخر في قلب برلين يجتذب سياسيين وبرلمانيين ووزراء وصحافيين، ويعتبر بؤرة لاصطياد الأخبار وتسريب التقارير وممارسة النميمة وتبادل وجهات النظر.

غير أن قادة الأحزاب والوزراء استبدلوا المطعم المترف بمكان آخر بعيداً عن عيون وآذان الصحافة لممارسة المساومات الخاصة بتقرير مصير المستشارية والحكومة الجديدة. فالنادي البرلماني هو قبلة صانعي السياسة الألمانية هذه الأيام وهو أحد أماكن قلة يمكن للساسة أن يلتقوا في سرية وعلى أرضية محايدة دون متابعة الآخرين بما فيهم الصحافيون.

فعضوية النادي البرلماني قاصرة على أعضاء المجالس التشريعية وحدهم ولا يسمح الدخول إليه لغيرهم إلا بناء على دعوة مسبقة. وشهد هذا النادي أول لقاء ـ لعله اليتيم حتى الآن ـ بين شرودر وميركيل في الثاني والعشرين من الشهر الجاري. لكن لا أحد يجزم ما إذا كان اللقاء تم في حديقة النادي التي تتدرج لجهة ضفة نهر سبير الذي يخترق العاصمة الألمانية، أو في إحدى غرف النادي في الطابق الأول منه.

ويعود تاريخ بناء النادي البرلماني إلى العام 1902، وكان عندئذ قصراً لرئيس الرايخستاغ، وقد قاوم الحريق الذي تعرض له مبنى البرلمان في العام 1933، كما قاوم قصف الحلفاء في العامين 1944 و1945 إبان الحرب العالمية الثانية. وكان للزعيم النازي أدولف هتلر ممر آمن من مقر البرلمان إلى القصر الذي يبعد مسافة قصيرة عن «البوندستاغ».

وعند بناء جدار برلين في العام 1961 أصبح مبنى القصر والذي كان آنذاك مقراً لشركة تسجيلات صوتية حكومية قد أصبح في برلين الشرقية إذ فصله الجدار عن مبنى البرلمان الذي أصبح على أرض أشبه بالمحايدة في الشطر الغربي، ذلك المبنى التاريخي يشهد مداولات مكثفة في شأن تشكيل تحالفات حزبية بغية تقرير مصير المستشارية وتأليف الحكومة المرتقبة.

ومع أن الأفق مفتوح على جملة من الاحتمالات إلا أنه من غير المستبعد أن تفضي المساومات الجارية إلى كتابة نعي شرودر أو ميركيل في حالة إذا تشبث كل منهما بعناده على نحو يجعل أحد أقرب الاحتمالات المرتقبة للائتلاف عصي المنال.

* احتمالات من «جسر غلينيك» إلى «جمايكا»

سبقاً للصيغة التي يمكن أن تنتهي إليها المشاورات الحزبية يطرح الصحافيون كل الخيارات المحتملة لشكل الائتلاف المرتقب، فعلية. أحد الاحتمالات الممكنة يحسم تلقائياً النزاع الذي نشب بين شرودر وميركيل في شأن الأحقية في منصب المستشار.

وكان عدد من السياسيين والصحافيين اعتبروا زعيمة الاتحاد المسيحي قد خسرت رهان الفوز بالمستشارية بمجرد أن أعلن شرودر رفضه التسليم بالهزيمة،وأبرز هؤلاء يوشكا فيشر وزير الخارجية الذي قال غداة إصرار شرودر على البقاء في منصبه «ميركيل لن تصبح المستشار».

فقول مثل هذا على لسان رجل من طراز فيشر يبقى قريباً من الحقيقة. إن لم تكن هي، ذلك أن وزير الخارجية الذي ظلّ حليفاً لشرودر طوال السنوات السبع الأخيرة يدرك بالطبع كيف يفكر المستشار وكذلك ذهبت على الطريق نفسه صحيفة «بليد» التي تعتبر أوسع الصحف الألمانية انتشاراً،

كما انتهت إلى الخلاصة ذاتها صحيفة «فرانكفورتر الغماين» التي كانت أكثر الصحف التي دعمت ميركيل إبان المعركة الانتخابية، غير أن هذه القراءة لا تزال في سياق الاجتهادات التي تسابق المشاورات الحزبية المحمومة داخل «النادي البرلماني» وخارجه.

هناك احتمالات لتشكيل حكومة أقليّة من شمال الوسط أو يمين الوسط، وكلاهما محكومان بالضعف وقصر العمر ويغلبان العودة المبكرة إلى صناديق الاقتراع. أحد أقرب الاحتمالات يتمثل في تشكيل تحالف بين حزب الاتحاد المسيحي والحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر، وهو ما يعرف بـ «ائتلاف جمايكا»، ذلك أن ألوان الأحزاب الثلاثة تشكل علم جمايكا وهي اللون الأسود والأصفر والأخضر.

وأعرب فيشر زعيم الخضر وأكثر السياسيين شعبية في ألمانيا عن رفضه لهذا الائتلاف نظراً لتباين الرؤى بين الخضر والاتحاد المسيحي إزاء العديد من القضايا أبرزها مسألة فرض الضرائب وملف البيئة وموقف المسيحيين تجاه الألمان ذوي الأصول التركية باعتباره مؤشراً لخلاف حول قبول الآخر والاعتراف بالمكونات الثقافية. لكن فيشر أبدى استعداداً للانسحاب من الواجهة إذ اختار أقطاب الحزب الائتلاف.

في المقابل هناك «ائتلاف إشارة المرور» التي يؤلف ألوانها الحزب الاشتراكي «أحمر» والديمقراطي الحر «أصفر» والخضر «أخضر». وبينما لا يقترب أي من الحزبين الكبيرين من حزب اليسار الذي يملك 54 مقعداً، فإن الحزب الليبرالي الذي حقق مفاجأة بـ 61 نائباً لا يعتبر الحصان الأسود فقط في المعركة بل هو «صانع الملوك» إذ يمنح ثقلاً لأي من الحزبين.

وكان غيدو فسترويللي زعيم الليبراليين استبعد في وقت مبكر إبان الحملات الدعائية إمكانية الدخول طرفاً في «ائتلاف إشارة المرور» مؤكداً الالتزام بالعمل مع الاتحاد المسيحي وهو التزام يعزز فرص «ائتلاف جمايكا». والذين يعرفون قليلاً عن عمق اللعبة السياسية يدركون استحالة تقارب بين الحزب الاشتراكي وحزب اليسار الجديد،

ذلك أن هناك عداءً مستحكماً بين شرودر وأوسكار لافونتين زعيم اليساريين الجدد والذي كان هجر الحزب الاشتراكي في ظل ذلك العداء ومعه عدد من الشخصيات التي خاضت المعركة الانتخابية وكسبت مقاعد. غير أن أصوات حزب اليسار ستشكل أحد العناصر الحاسمة في اختيار المستشار المرتقب إذ لديه 51 نائباً.

ثمة خيار كان مرتقباً قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع وهو خيار مفضل لقطاع عريض من الشعب الألماني ويتمثل في ما يسمى بـ «الائتلاف الكبير» وهو تحالف الحزبين القطبين الاشتراكي والاتحاد المسيحي. ويعتبر أنصار هذا الائتلاف أنه يضمن حكومة مستقرة وهي تجربة عرفتها ألمانيا في سبعينات القرن الماضي مع هيلموت شميدت.

غير أن الخيار الحالي يمثل الجمع بين النقيضين فإلى جانب المنافسة التي اكتست طابع العداء الشخصي بين شرودر وميركيل فإن هناك هوة كبيرة تفصل برنامجي الحزبين على نحو يصعب تجسيرها. وزاد الشقاق بين ميركيل وشرودر عقب إعلان نتائج الانتخابات إذ تصلّب كل منهما في رفض التسليم للآخر بأحقية تشكيل الحكومة. ومن ثم لن يقبل أحدهما بالتخلي عن منصب المستشار.

وإزاء هذا التصلّب طرح البعض خيار الائتلاف على الطريقة الإسرائيلية عندما تعاقب كل من إسحاق شامير وشمعون بيريز على رئاسة الوزراء في ائتلاف نادر بين «الليكود» و«العمل» في ثمانينات القرن السابق. وهو خيار متاح لكنه يفضي إلى الانسجام بين شرودر وميركيل أو الحزبين المؤتلفين.

ويسعى شرودر في إطار الخصومة المستحكمة للإطاحة بميركيل من زعامة الاتحاد المسيحي، غير أن قادة الحزب رفضوا التجاوب مع رغبة المستشار في هذا الصدد. لكن شرودر لا يزال يطرق على هذا السندان لمعرفته أن ميركيل لا تنعم بصداقات داخل حزبها، كما أن النتائج التي أحرزها الحزب في المعركة التي قادتها أحدثت إحباطاً في أوساطه، بل إن عدداً من قادة الحزب كالوا لها اللوم بعد المعركة.

ومع ذلك يبقى من الصعب توقع أن يقدم المسيحيون زعيمتهم كبش فداء للتقارب مع شرودر. ومن أجل بلوغ معادلة تبدو مقنعة للطرفين مع أنها غير قابلة للتطبيق وتقضي بتخلي كل من ميركيل وشرودر عن الحق في تشكيل الحكومة والترجّل عن زعامة الحزبين وإفساح المجال أمام شخصيتين من كل حزب لقيادة الائتلاف.

وأطلقت الصحافة على هذه الصيغة المقترحة اسم «جسر غلينيك» وهو الجسر الذي اكتسب شهرته إبان الحرب الباردة، إذ كان الموقع الذي يتم فيه تبادل الجواسيس بين الشرق والغرب، وهو جسر يربط بين برلين ومدينة بوتسدام التي كانت مصيفاً للقياصرة ومدينة للإنتاج السينمائي إبان الحقبة الشيوعية.

مثل ذلك الائتلاف سواء تم على الطريقة الإسرائيلية أو «جسر غلينيك» فإنه أفضل الاحتمالات المتاحة لمنح ألمانيا حكومة مستقرة، غير أنه ليس الخيار الأفضل لمعالجة القضايا الاقتصادية الخانقة. هناك من يُرجّح عدم حصول ميركيل على الأغلبية التي تؤهلها لانتزاع منصب المستشار ويمضي هؤلاء إلى أبعد من ذلك فيتوقعون أن يذهب شرودر في مغامراته لجهة تحويل ألمانيا من ديمقراطية برلمانية إلى رئاسية على نحو ما فعل شارل ديغول في فرنسا عندما استحدث ما بات يُعرف بالجمهورية الخامسة.

برلين ـ عمر العمر