منذ عام 1948، اتسم موقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه قضية القدس بالتصلب شأنها في ذلك شأن قضية اللاجئين وحقهم في العودة وفق القرار الدولي 194 لعام 1948، ومع احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، بما فيها الجزء الشرقي من مدينة القدس، بدأت تظهر عدة مشاريع وأفكار حول الأراضي المحتلة، تركزت على إبقاء القدس الموحدة تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة، باعتبارها حسب الخطاب السياسي الإسرائيلي العاصمة الأبدية للدولة العبرية الصهيونية.

وفي البحوث التي نشرت من جانب معهد القدس لأبحاث إسرائيل، فإن أكثر من عشرين اقتراحاً تم تقديمها منذ سنوات طويلة تتعلق بمستقبل القدس. ومن الاقتراحات السابقة نلحظ مشاريع إسرائيلية طرحت بعد الرابع من يونيو 1967 بتحديد مستقبل المدينة من الوجهة الإسرائيلية مما يشير إلى التوجهات الحقيقية الإسرائيلية تجاه المدينة المقدسة ومن أهم المشاريع المطروحة التي تضمنت إبقاء السيطرة الكاملة على القدس :

المشروع الأول لبن غوريون عام 1967 : وقد كان أول من طرح أفكاراً حول منح السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة حكماً ذاتياً يديرون شؤون حياتهم في إطاره بمجرد أن وضعت حرب يونيو أوزارها. فقد وزع بن غوريون على الصحف مشروعاً يتضمن بعض الأفكار «ميّز فيها بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والفلسطينيين في الخارج، وفي الوقت نفسه، ميّز أيضاً، بين السكان في قطاع غزة ومن هم في الضفة الغربية»،

بالإضافة إلى إخراجه القدس من المشروع، مقترحاً ضمها إلى حدود «دولة إسرائيل». المشروع الثاني قدمه البروفيسور بنيامين اكتسيان، عميد كلية الحقوق في الجامعة العبرية في 8/7/1967 وينص على السيادة الإسرائيلية على شرقي القدس، ويقترح تسوية تقوم على تدويل الأماكن المقدسة في البلدة القديمة،

وضم أماكن مقدسة عدة في المدينة الجديدة مثل كنيسة دير ميتسيون وجبل الطور، وتأليف لجنة من ممثلين عن الحاخامات ومجلس القضاة في إسرائيل، وعن الطوائف المسيحية برئاسة وزير الأديان الإسرائيلي تتمتع ببعض الصلاحيات في الأماكن المقدسة.

المشروع الثالث أطلقته الحكومة الإسرائيلية في أغسطس 1967، ويدعو إلى السيادة الإسرائيلية الكاملة على المدينة، ويمنح رجال الدين المسيحيين في الأماكن المقدسة مكانة خاصة تشبه الممثلين الدبلوماسيين في إسرائيل. ويعتبر الأردن المسؤول عن رجال الدين المسلمين، والفاتيكان عن المسيحيين.

* سيادة مزدوجة

المشروع الرابع تقدم به الدكتور ميرون بنفستي مستشار رئيس بلدية القدس لشؤون شرقي القدس سابقاً في يونيو 1968، ويدعو إلى سيادة مزدوجة (إسرائيلية وأردنية) وأحادية الصلاحيات البلدية، وإقامة مجلس أعلى مشترك «مجلس القدس الكبرى»، وخمس بلديات فرعية هي: القدس اليهودية، القدس العربية حيث يتم منح حكم ذاتي محدود لبلدية القدس العربية وللمنطقة القروية التي ستكون بعض أجزائها تحت السيادة الأردنية.

والبلدية الفرعية اليهودية تتكون من مجال القدس التي تضم التجمعات اليهودية وقطاعا بين أحياء: سنهدريا، هارهاتسوفيم والحي اليهودي، الحي الأرمني وجبل الزيتون، رامات راحيل، مار الياس، بيت صفافا، نفي يعقوب. أما المشروع الخامس فقد أعلنه يعقوب حزان أحد قادة حزب «المابام» ومن قادة الكيبوتس الإقليمي «الحرس الصغير» وذلك عام 1980، حيث دعا المشروع إلى بقاء القدس تحت السيادة الإسرائيلية،

وإعطاء حق الاختيار للسكان العرب بين الخضوع للسيادة الإسرائيلية أو الأردن، والسكان الذين يختارون السيادة الأردنية يحافظون على وضعيتهم كمواطنين إسرائيليين، بما في ذلك المشاركة في انتخابات الكنيست، ويعلن المشروع البلدة القديمة «مدينة سلام» يقام فيها مجلس ديني يمثل الديانات السماوية الثلاث، وتدار الشؤون المدنية - الدينية للمدينة من جانب لجنة خاصة وتقسم المدينة إلى بلديات فرعية يديرها ناخبوها.

وتقدم بالمشروع السادس تيدي كوليك الرئيس السابق لبلدية القدس، حيث دعا إلى اعتبار القدس مدينة موحدة وعاصمة لإسرائيل، وإبقائها تحت السيادة الإسرائيلية، ويتم توسيع إدارات الأحياء بحيث يصبح في الإمكان دمج السكان وإشراكهم في عملية بناء الأحياء البلدية من خلال تسليمهم مسؤولية ما يجري حولهم، وفي أحيائهم، والانتخابات المباشرة للإدارات تعبر عن الإدارة الذاتية للأحياء المختلفة، وإبقاء المزايا الدينية والثقافية والاقتصادية لكل حي.

المشروع السابع تقدم به اليهودي الأميركي ـ الإسرائيلي الدكتور مارك هيلر عام 1991 بمشاركة الدكتور سري نسيبة، واعتبر المشروع أن المدينة كلها تحاط بوساطة خط حدود متواصل يستخدم لأهداف متعددة، وتوضع داخل المدينة حدود بين «الشعبين» تشير إلى الحدود البلدية لكلا القطاعين اليهودي والعربي،

بحيث لا تقوض الوحدة المادية والوظيفية للمدينة. ويقام مجلسان بلديان و بلدية عليا، والقدس الإسرائيلية تكون عاصمة إسرائيل، والقدس الفلسطينية عاصمة فلسطين، وقضايا المقدسات تعالج من جانب سلطات طائفية داخلية مثلما كان الأمر في عهد السلطنة العثمانية.

المشروع الثامن قدمه ايغال آلون في يونيو 1967، أي بعد شهر من عدوان يونيو، حيث طرح وزير الخارجية آنذاك، ألون على حكومته مشروعاً يتعلق بسيناء والجولان، استند فيه إلى أفكار بن غوريون، غير أن مشروع ألون كان أكثر تفصيلاً وتحديداً ووضوحاً. وقد حظي المشروع بشهرة كبيرة، رغم أنه لم يناقش في إطار حكومي أو حزبي.

وكان ألون أحد أبرز شخصيات حزب العمل، وزعيم كتلة «أحدوت هعفودا» في الحزب، وأحد قادة البالماخ البارزين سابقاً، وقد صمم مشروعه على أساس التخلص من المناطق المكتظة بالسكان الفلسطينيين، وضم المناطق الأخرى التي تتسم بقلة ومحدودية السكان، أي التخلص من المدن والمراكز الحضرية ـ السكانية، وإعادتها إلى الأردن والتمسك، ومواصلة السيطرة على الأراضي الواسعة الخصبة في الأغوار، وشمال الضفة الغربية، ومناطق واسعة من ريف المدن الفلسطينية،

تمهيداً لضمها إلى إسرائيل، وتطرق ألون في مشروعه إلى القدس من جانب الاحتواء الكامل والقسري لهذه المدينة، وهذا ما نلمسه في البند الوارد في المشروع و المتعلق بالمدينة : «العمل على إقامة ضواح بلدية، مأهولة بالسكان اليهود شرق القدس، علاوة على إعادة تعمير وإسكان سريعين للحي اليهودي بالبلدة القديمة من القدس» وهذا الأمر ترجم عملياً في السنوات الماضية، حيث أصبحت المستوطنات اليهودية تحيط بمدينة القدس من كافة الاتجاهات.

المشروع التاسع قدمه وزير الخارجية آنذاك أبا إيبان 1968 : طرح المشروع في 9/10/1968، و قد تضمن البند الخاص بالقدس : «إن إسرائيل مستعدة لمناقشة التوصل إلى اتفاقيات مناسبة مع هؤلاء الذين يعنيهم الأمر بشأن القدس» وقد عارض أبا إيبان فكرة إيجاد حل تعرضه الدول الكبرى، ووصفها بأنها أبعد الأفكار عن الواقعية على الإطلاق.

المشروع العاشر الذي قدمته غولدا مائير في 9/2/1971، وجاء في المشروع، وفي بند خاص بالقدس «تبقى القدس موحدة، وجزءاً من إسرائيل». المشروع الحادي عشر قدمه الجنرال موشيه دايان في 6/10/1972، حيث اقترح الوصول إلى تسوية حول مدينة القدس، تمنح معها الأماكن المقدسة ما أسماه بـ «الوضع الخاص» ولكن «المدينة يجب أن تظل موحدة من الناحيتين السياسية والقانونية» على حد زعمه، وأردف أن لا مجال لإقامة دولة جديدة في الضفة الغربية.

وفي إطار مؤتمره تقدم حزب العمل الإسرائيلي بمشروعه حول القدس في سبتمبر1993، حيث اعتبر القدس الموحدة عاصمة إسرائيل، وفي إطار التسوية الدائمة ينظر إلى الشطر الشرقي من المدينة كحي بلدي يدار من جانب سلطات بلدية فلسطينية. وبحسب هذا النظام تواصل المدينة كونها موحدة يتمتع سكانها اليهود بالانتماء السياسي لإسرائيل، وسكانها العرب بالانتماء السياسي إلى الكيان الفلسطيني الذي سيقام.

وأعلن في نيويورك عام 1991، أكثر من ثلاثمائة حاخام يهودي أميركي بأن حل قضية القدس لن يكون سوى باقتسامها بين العرب واليهود، وذلك في إعلان وزع على الصحافة ووسائل الإعلام ويبدو حسب المعلومات المتوافرة بان جيروم سايغل ( شخصية يهودية داعية لتقاسم القدس وقيام دولة فلسطينية ) على صلة وثيقة بالاقتراح المذكور.

الآن وفي ظل عملية تسوية اللاتوازن، تتسارع الخطوات الإسرائيلية لفرض الأمر الواقع على طاولة مفاوضات «الحل الدائم» لتهويد المدينة، وتقديم المشاريع الخاصة بالقدس في إطار يبقيها تحت سيادة دولة الاحتلال الإسرائيلي بجزأيها الشرقي والغربي.

وما زال الصف الواسع من القوى والأحزاب الإسرائيلية يدعو في برامجه لضم القدس وتهويدها واعتبارها عاصمة للدولة العبرية باستثناء الأحزاب العربية في إسرائيل. وفي هذا السياق فهناك العديد من السيناريوهات والتصورات التي تجول أو تتوارد في أفكار صناع القرار في إسرائيل وفي إطار المعاهد المختصة،

وضمن هذا الاتجاه قام طاقم من خبراء «معهد القدس لأبحاث إسرائيل» وهو معهد شبه حكومي إسرائيلي يسهم العاملون فيه في صياغة التوجهات والقرارات المتعلقة بقضايا المفاوضات من خلال المساهمة بوضعها. ويذكر أن معظم الطاقم المفاوض الإسرائيلي خدم في مجال العمل في المعهد المذكور.

* البدائل الإسرائيلية

قام معهد «القدس لأبحاث إسرائيل» بإعداد بدائل إسرائيلية وحلول ثلاثة، يعتقد الإسرائيليون أنها ممكنة التحقيق وهي:

البديل الأول : سيادة إسرائيلية مع تخفيف السيطرة على الوجود السكاني الفلسطيني ويتضمن اعترافاً منقوصاً وجزئياً بالسيادة الفلسطينية ويطرح خمسة إمكانات لتسليم مناطق من القدس للسلطة الفلسطينية وهي:

1 ـ المنطقة المحاذية لأطراف منطقة نفوذ القدس والمرتبطة بتواصل جغرافي مع السلطة الفلسطينية، ويمكن بحسب ذلك أن تستخدمها السلطة الفلسطينية كضاحية حكومية، ومناطق الأطراف هذه هي رأس العمود، عرب السواحرة، صور باهر، أم طوبا، والأطراف الشرقية من جبل الزيتون والطور والعيسوية وبيت حنينا وكفر عقب.

2- مناطق شرق القدس ما عدا الأحياء اليهودية، وباقي مناطق ومحيط البلدة القديمة التي هي أماكن مهمة للديانات الثلاث، تكون بسيادة مشتركة.

3- شرق القدس ما عدا الأحياء اليهودية ومحيط البلدة القديمة التي ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية.

4- شرقي القدس، ما عدا الأحياء اليهودية والأرمنية والبلدة القديمة وجبل الزيتون التي ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية.

5- بعض الأحياء غير اليهودية في شرق القدس.

وعند مناقشة هذا البديل الإسرائيلي الأول، يلحظ فيه انه يضمن السيادة الإسرائيلية الكاملة على الجزء الواسع من المدينة وأماكن العبادات الإسلامية والمسيحية ويبقيها تحت السيادة الإسرائيلية، بما في ذلك الأحياء من القدس التي بنيت بعد العام 1967 التي يقطن بها زهاء 130 ألف مستوطن يهودي،

كما يفتح هذا البديل الباب لإمكانية حصول إسرائيل على إنجازات في المنطقة عند الموافقة عليه من الطرف الفلسطيني . كما يلحظ إن هذا البديل يحافظ عملياً على وحدة القدس تحت السيادة الإسرائيلية والسيطرة الكاملة مع تخفيف السيطرة على الوجود السكاني الفلسطيني في بعض الأحياء من الجزء الشرقي للمدينة.

البديل الثاني هو تبادل المناطق: أما البديل الثاني فإنه يضمن إلى مدى معين تواصل الوضع السائد في المدينة منذ حرب 1967، وبحسبه ستبقى كل مناطق نفوذ بلدية القدس الكبرى تحت السيادة الإسرائيلية، ويقترح معدو البديل أن تتم في إطار المشروع دراسة فكرة تبادل مناطق باتفاق متبادل لأسباب منفعية وبلدية فمثلاً لتحسين المواقع الأمنية.

ويضمن أيضا المحافظة على القدس الكبرى تحت الاحتلال والسيادة الإسرائيلية الكاملة، ومن المؤكد أن يتم رفض هذا البديل كسابقه من الجانب الفلسطيني الرسمي والشعبي، كما هو غير مقبول لدى الجانب العربي إجمالاً، ومن الجانب الإسلامي،

ويجعل من القدس بؤرة تحريض دائمة يمكن أن تعيد إشعال الانتفاضة الكبرى على شكل هبات متلاحقة تولد لانتفاضة شعبية جديدة متطورة وهذا ما أفرزته الوقائع الأخيرة وأعطت دلالاته الواضحة هبة وانتفاضة سبتمبر1996 اثر فتح نفق الأقصى، وانطلاق شرارة الانتفاضة الكبرى الجارية منذ 28/9/2000.

البديل الثالث: منح بؤرة رمزية للسيادة الفلسطينية، حيث يؤكد البديل الثالث في مضمونه السيادة المطلقة لسلطات الاحتلال في القدس ضمن حدودها النهائية.. ذلك وحسب مضمون البديل، فإنه يمكن بالاتفاق المشترك مع الجانب الفلسطيني إجراء تبادل مناطق مقلصة في حدود المدينة مع مناطق في الضفة الغربية ومن الممكن عندئذ منح الفلسطينيين بؤرة رمزية من السيادة على جزء متواضع من القدس الشرقية.

ووفق ذلك ستكون باحة الأقصى تحت السيادة الإسرائيلية العليا، وإدارة أوساط فلسطينية ـ أردنية لها صفة وقفية إسلامية وتمنح مكانة مماثلة للحي المسيحي، كما يتم إعطاء إدارة ذاتية وظيفية تحت السيادة الإسرائيلية للأحياء العربية وتشمل مجالات جباية الضرائب، إدارة مجلس كل حي، التعليم، الرفاه الاجتماعي، النظافة والخدمات الصحية، والشؤون الدينية.

وحسب المصادر الإسرائيلية، فإن هذا البديل يمكن تطبيقه على مراحل حسب الظروف التي ستنجم خلال الفترة المقبلة، حين يمكن اقتراح عدد كبير من التسويات الدائمة في مجال يتم بحثه منها مثلاً دراسة أن يسرى نظام الإدارة الذاتية المقترح على مجالات معينة في المرحلة الأولى لمدة خمس سنوات وبعد ذلك سيتباحث الطرفان في توسيعه أو تعميق الإدارة الذاتية الوظيفية التي ستحدد في المرحلة الأولى.

* حل العاصمتين

بدائل إضافية إقامة قدسين: في السياق ذاته، تمت بلورة الاقتراح في مكتب رئيس الوزراء السابق شيمون بيريز عام 1996 وتكرر هذا الاقتراح عند أطراف من الليكود وحزب العمل وورد في الوثيقة المسماة وثيقة «بيلين ـ ايتان» في إطار النقاش حول مفاصل التسوية الدائمة، ويستند هذا الاقتراح إلى إقامة «قدسين».

الأولى، هي القدس الحالية، على أن تكون بمثابة العاصمة الموحدة للدولة العبرية. والثانية هي القدس التي يمكن أن تقام ويعلن عنها في منطقة أبو ديس والعيزرية باعتبارها ضمن الحدود الجغرافية الواقعة في إطار القدس الكبرى، وهذه الثانية يمكن أن تشكل عاصمة الكيان الفلسطيني، مع إمكان إتاحة حرية الوصول للأماكن المقدسة في القدس الشرقية.

الفكرة السابقة أول ما طرحت في حوارات خاصة بين طواقم فلسطينية وطواقم إسرائيلية وتمت بلورتها في مكتب رئيس الوزراء السابق بيريز، الذي اعتبرها في حينها فكرة خلاقة وقابلة للتطبيق ويتم من خلالها وضع حد لقضية القدس ويرجح أن يتم رفض هذه الفكرة من قبل الطرف الفلسطيني باعتبارها تكرس السيادة الإسرائيلية على القدس العربية الشرقية.

قدس عاصمة موحدة للطرفين: اقترح الدكتور رون فونداك كبير المفاوضين الإسرائيليين في مفاوضات أوسلو السرية بديلاً محدداً، ولم يستبعد أن تكون القدس عاصمة للطرفين. وفي حديث مع صحيفة «اكسبريس» الفرنسية الأسبوعية نقلته صحيفة «معاريف»، يعتقد أنه بالإمكان إذا سارت الأمور على ما يرام أن تقوم دولة فلسطينية، غير أنها يجب أن تكون دولة منزوعة السلاح، وعندئذ يمكن أن تكون القدس هي «عاصمة الطرفين»، واعتبر فونداك أن هذا السيناريو يمكن أن ينجح إذا توافر شرطان:

1ـ عدم وقوع عمليات مسلحة في إسرائيل مطلقاً.

2 ـ وجود الرغبة الحقيقية لدى الفلسطينيين للعيش إلى جانب إسرائيل.

لم ينف فونداك إمكان وجود بلديتين، واحدة عربية وأخرى يهودية مع مؤسسات مشتركة لشؤون الهندسة المعمارية والشؤون الاجتماعية والمواصلات الخ .. وفي المناطق التي يوجد فيها فلسطينيون بكثرة من الممكن عندئذ أن تتولى بلدية فلسطينية إدارة شؤونهم من دون تدخل السلطة اليهودية.

بديل آخر مرير: من جانب آخر أشار عدد من التقارير التي نشرت في الصحافة العربية والعبرية عن خطة إسرائيلية جرى إعدادها منذ فترة ليست بالقصيرة في إحدى العواصم الأوروبية للوصول إلى اعتراف دولي وفلسطيني بالقدس كعاصمة موحدة للدولة العبرية، وطرحت الخطة البدائل الثلاثة التي قدمها «معهد القدس لأبحاث إسرائيل» مع طرح بديل رابع باعتباره حلاً مرناً من حيث طابعه،

ومن الممكن وفق هذا البديل اقتراح عدد كبير من التسويات في كل مجال يتم بحثه في المستقبل، كما أنه يمكن تطبيقه على مراحل حسب الظروف التي ستنجم في القدس، والمنطقة كلها في السنوات المقبلة. بديل يوسي بيلين : وقدم يوسي بيلين بديله بإبقاء مستوطنات الضفة الغربية كلها في مكانها، وستكون تحت السيادة الإسرائيلية وبعضها تحت السيادة الفلسطينية،

ليحصل الفلسطينيون في نهاية المطاف حسب بيلين على أغلبية الضفة الغربية مقابل التنازل عن موضوع حق العودة للاجئين وموضوع القدس. وفي مسألة القدس الشرقية يقترح تجميد الوضع الراهن ومن ثم فتح تسوية جديدة خلال 25 عاماً. وفي المقابل سيتم عزل المسألة الدينية عن موضوع السيادة على القدس، وإدارة الأماكن المقدسة كحل من خلال إدارة مشتركة.

أما السيادة الفعلية على القدس فستكون من نصيب إسرائيل وحدها، وليس هناك أي سور أو تقسيم أو أي علم فلسطيني فوق القدس. بهذه الروحية تسعى إسرائيل لحل قضية القدس، وهو حل تمهد له منذ فترة طويلة من خلال تكثيف عمليات الاستيطان بتوسيع ما هو قائم من المستوطنات في القدس ومحيطها،

وجلب أعداد متزايدة من اليهود القادمين من بلدان الاتحاد السوفييتي السابق وإسكانهم في المدينة ومحيطها، كما أن شق الطرق الالتفافية أدى إلى خسارة مناطق واسعة من الضواحي العربية للقدس. وباختصار فإن سلطات الاحتلال تقوم بتهويد المدينة بشكل متسارع.

وقبل مفاوضات كامب ديفيد 2 التي جرت قرب واشنطن على امتداد أسبوعين متتاليين، كانت سلطات الاحتلال قد وافقت في سياق ما جرى من مفاوضات تمهيدية للحل الدائم بين عوديد عيران، ياسر عبد ربه، على منح السلطة الفلسطينية سيطرة مدنية في الأحياء الشمالية للقدس (بيت حنينا، شعفاط، مطار عطروت، جزء من جبل المكبر، حي قلنديا، ضاحية البريد، الولجة).

والاقتراح لا يتنازل عن السيادة الإسرائيلية في هذه الأحياء أو عن المسؤولية الأمنية العامة، ولكن كل مجالات الحياة المدنية، والتخطيط والبناء، والإدارة المالية، والصحة ستنقل حسب الاقتراح إلى السلطة الفلسطينية. وبصورة عملية يدور الحديث عن اعتراف قانوني إسرائيلي بالرابطة القائمة بين أحياء مختلفة في شرقي القدس وبين السلطة الفلسطينية، وتحديد المسموح والمحظور من الوجهة الإسرائيلية للنشاط الإسرائيلي في شرق المدينة.

وكشفت مصادر إسرائيلية، تبني الطاقم الإسرائيلي في مفاوضات الحل الدائم المفهوم الذي يقف وراء وثيقة بيلين ـ أبومازن، مع تعديلات محددة بحيث يتم توسيع القدس بضم الكتل الاستيطانية الواقعة ضمن الضفة الغربية إليها مثل (معاليه أدوميم، جغعات زئيف، بيتار) وبالمقابل اقتطاع أحياء عربية من القدس لتتصل مع مناطق السلطة،

وطرحت إمكانية ثانية لان تكون أبو ديس أو الرام الواقعتين شمال المدينة كمركز قيادة فلسطيني، مع اقتراح تحويل البلدة القديمة إلى ما يشبه «دينيكان» ) مدينة دينية على نمط الفاتيكان ) أي منطقة تكون فيها السيادة للأديان المختلفة، وخارج مجال السيادة السياسية لفترة محددة بروحية الأفكار التي طرحتها مجموعة الجامعة العبرية، وفي إطار هذا الحل فإن المسؤولية العامة حتى في البلدة القديمة ستبقى في يد إسرائيل.

وأكد مراسل صحيفة هآرتس للشؤون السياسية عكيفا الدار بأن طاقم عوديد عيران لمفاوضات الحل الدائم رسم خطة تنسجم مع نهج باراك بحل مسألة القدس، بحيث لا يتبقى سوى 70 ألف من السكان الفلسطينيين تحت السيادة الإسرائيلية بينما يتم ضم عدة أحياء عربية على حدود شرقي القدس إلى السيادة الفلسطينية.

* سلام أوسلو

وفي دراسة أعدها خبير إسرائيلي في شؤون القدس هو الدكتور مناحيم كلاين، دعا إلى منح السيادة الفلسطينية على القدس الشرقية، معتبرا أن الفلسطينيين مثلما نجحوا في إرغام إسرائيل على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، سينجحون في الحصول على السيادة على القدس الشرقية. واعتبر أن الأسس لتسوية قضية القدس يجب أن تستند بإقرار السيادة الفلسطينية على القدس الشرقية.

أما حاييم رامون، الوزير الإسرائيلي بلا وزارة، فقد كشف النقاب عن قاعدة لإحلال ما سماه « سلام أوسلو » على القدس أيضا، حيث تصبح منطقة أبو ديس والعيزرية مناطق فلسطينية تحت السيادة المدنية الكاملة، وتحت سيادة أمنية إسرائيلية، وتحويلها إلى قدس فلسطينية مع شعفاط وبيت حنينا. بينما تبقى 10 % من أراضي أبو ديس منطقة إسرائيلية وبناء حي يهودي عليها.

أخيراً لابد من التطرق إلى ما قدم من الطرف الإسرائيلي في مفاوضات كامب ديفيد 2 في يونيو2000 بشأن المدينة المقدسة، حيث لم تكن انتفاضة الاستقلال الفلسطينية التي انبثقت خيوط إشعاعها فجر28/9/2000 وليدة لحظتها، فقد جاءت بفعل تراكمات هائلة على امتداد سنين تسوية مدريد، واختزنت رويداً رويداً على أرض الصراع مع مشروع التسوية الأميركي الإسرائيلي بعد انفضاض قمة كامب ديفيد 2 التي جمعت الوفود الثلاثة (الأميركية ـ الإسرائيلية ـ الفلسطينية).

فالمعلومات التي تواترت إلى الداخل الفلسطيني من قمة واشنطن، خلقت التفاعلات على الأرض، وأشارت إلى أوراق عمل قدمها الوفد الإسرائيلي مسلحاً بوجهة نظر أميركية للتدخل مع الطرف الفلسطيني بالمقايضة على حق العودة للاجئين باعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية حال إعلانها مقابل تعويضات مالية تغطى من المجتمع الدولي، ومقابل ضم 10% من الضفة (الكتل الاستيطانية) فوراً لدولة الاحتلال،

ومبادلة أراضٍ من الضفة وغور الأردن بمنطقة حلوتسا الصحراوية في النقب بدلاً من رحيل المستوطنين عن الضفة وجنوب قطاع غزة، والانسحاب إلى حدود 4 يونيو1967. والمؤشرات كانت تشي بتهرب الاحتلال الإسرائيلي من الالتزام بقرارات الشرعية الدولية،

وتقزيم قضية القدس واختزالها بالتتابع من القدس الشرقية (العاصمة الفلسطينية والأرض والسيادة الكاملة ـ وفق الشرعية الدولية) إلى القدس الشريف (الأماكن المقدسة فقط) وأكثر من ذلك إلى مفاوضات حول المسجد الأقصى وتقاسم السيادة عليه.

فضلاً عن الترتيبات الخاصة، حيث وصل سقف الموقف الإسرائيلي إلى تقسيمها إلى أحياء لها بلديات وللفلسطينيين حكم ذاتي موسع وبلدية في إطار القدس الموحدة وسلطة على التعليم والصحة والخدمات ولكن ليس على البناء والتنظيم، مع ممر خاص حر (كوريدور) إلى الحرم القدسي من مناطق شرق المدينة الواقعة تحت سيادة السلطة الفلسطينية. وبعض البلدات المحيطة تنقل للجانب الفلسطيني، ليس فقط أبو ديس والعيزرية والسواحرة الشرقية، ولكن في المستقبل شعفاط وبيت حنينا.

كل شيء ممكن وأنظمة السيطرة التي يفكر بها الإسرائيليون يمكن أن تحل تعقيدات الترتيبات. البدائل السابقة المذكورة والمقدمة إسرائيليا من أطراف حكومية وشبه حكومية لحل قضية القدس في إطار مفاوضات الحل الدائم وبالرؤية الأميركية المتقاربة مع المواقف الإسرائيلية. تشكل محاور المادة التفاوضية للطرف الإسرائيلي والطاقم الحكومي المعني بالمفاوضات مع الطرف الفلسطيني.

ويلاحظ أن هذه البدائل تتقاطع بمساحات واسعة ومشتركة تقوم على نفي الطابع العربي الفلسطيني والإسلامي والمسيحي للمدينة الفلسطينية المحتلة، وتستبدل ذلك بإحلال السيطرة الإسرائيلية الكاملة عليها، وتفتح الأبواب واسعة أمام تهجير سكانها العرب الفلسطينيين من مسلمين ومسيحيين إلى مناطق الضفة الغربية وخارج الوطن الفلسطيني، وهذا الأمر يلحظ عندما تطرح البدائل المذكورة مسائل الإدارة الذاتية للمواطنين الفلسطينيين المقدسيين وتحويلهم إلى لاجئين وغرباء داخل مدينتهم ما يدفعهم نحو الهجرة.