ليس تضميد الجروح فحسب هو الشغل الشاغل للولايات المتحدة الآن. هناك أيضاً مواجهة المشكلات العرقية الكبيرة التي كشفت عن وجودها مياه الفيضان. فما هو مدى عدم التوازن العرقي الذي تعانيه أغنى دولة في العالم؟ لقد قفزت معدلات الفقر في ظل حكم الرئيس بوش بمعدل 12%.

ليست سهلة أبداً تلك الحياة التي يعيشها صيادو المحار في بوانت ألا هاش. يقضي تينيون ميرون لامار 10 ساعات يومياً في خليج المكسيك مع زملائه من العمال حيث يذهبون باحثين عن قوتهم على ضفتي الخليج، وهو المكان الذي يتمركز فيه محار الغلف كوست الذي يصبوا إليه هؤلاء الصيادون.

لقد كان ديكهاند لامار مسؤولاً عن تنظيف وغسل القارب في حين كان يعمل الآخرون على التقاط الثروة السمكية التي تزخر بها تلك المياه. وفي المساء يأخذون في تقسيم الغنيمة بينهم، على أن يأخذ لامار دولارين مقابل كل كيس من المحار. وفي الأيام الوفيرة الرزق يمكن أن يجني ما يصل إلى 100 دولار.

ولكن جاء إعصار كاترينا ليدمر كل شيء، بما في ذلك القارب والأراضي التي يتكاثر فيها المحار ومنزل لامار وقريته عن بكرة أبيها، وهي القرية التي كانت واقعة على دلتا الميسيسبي على بعد أميال قليلة من نيو أورليانز.

الآن يعيش لامار في كوخ في باتون روج، متأملاً ما تبقى من أطلال لحياته. إنه في الثالثة والأربعين من عمره وقضى السنوات الـ 24 الأخيرة من حياته في تنظيف قوارب الصيد، وهى المهنة الوحيدة التي يعرفها.

لم يكن يكسب الكثير، فقد كان يجمع 2000 دولار في الشهر عندما لا يكون مريضاً أو حينما لا يضطر إلى أخذ إجازة قصيرة ليوم واحد يقضيها هنا أو هناك. ولكن كان ما يكسبه يكفي بالتمام والكمال لاحتياجات زوجته وأطفاله الثلاثة ولتمويل عربة مقطورة صغيرة في أحد متنزهات المنازل المتحركة.

غير أن هذا الدخل لم يكن يكفي لدفع تكاليف تأمين ضد الفيضانات. ولم يكن الرجل يفكر في إنه سيجمع حطام منزله بعد إعصار بقوة كاترينا. وإنه يعلم الآن أنه لم يتبق له شيئا. لقد رأى صوراً بالأقمار الصناعية لمدينة صغيرة كان يعيش فيها في يوم من الأيام. «علينا أن نبدأ من الصفر»، هكذا يقول لامار.

إن مركز ريفر في باتون روج هو أحد أهم قاعات رياضات الأماكن المغلقة في ولاية لويزيانا. والآن يضم ذلك المركز لاجئين من أمثال لامار وعائلته. إنهم ينامون على زوج من الفراش قبالة الجانب الأيسر من الحقل المجاور. وبجانبهم مباشرة هناك شخص يدعى لينوكس باتل يعيش في المخيم ذاته مع زوجته وأطفاله الثلاثة.

وباتل (40 عاماً) هو الآخر صياد محار. والفراغات الموجودة بين أسنانه تدل على أنه لم يسبق له قط أن زار طبيب أسنان طوال حياته. يقول باتل إن الذهاب إلى طبيب أسنان يكلف الكثير. كما كان التأمين الصحي يعتبر بزخاً لا تقدر عليه عائلة باتل الذي يقول في هذا الشأن: «إنه ضرب من ضروب المستحيل أن أستطيع دفع كل تلك الفواتير».

وبجانب باتل ينام دينيس لانيكو، وهو طباخ من نيو أورليانز خسر، شأنه شأن الجميع في ذلك المبنى، كل ما لديه. بشكل عام هناك ما يزيد على 4000 شخص في تلك القاعة كلهم الآن بلا مأوى. معظمهم فقراء ولديهم عدد كبير من الأطفال وغير متعلمين ومن الأميركيين الأفارقة.

يبدو أن أميركا نظرت في أمر مياه الفيضان التي خلفها إعصار كاترينا وشاهدت معاناة وفقراً بحجم لا يمكن وصفه. لقد خلفت مياه الإعصار وراءها مئات الألوف من الضحايا هم الأفقر داخل المجتمع الأميركي. وبجانب الجثث والطين الملوث والمسمم، ينظر الأميركيون بكل حيادية وصدق الآن إلى نقاط الضعف في مجتمعهم.

وفي اليوم ذاته الذي شهد انهيار السدود، كان تشارلز نيلسون من مكتب الإحصاء السكاني للولايات المتحدة الواقع في واشنطن يقدم أحدث تقرير عن حجم الدخل والفقر في الولايات المتحدة. وجاءت الأرقام والرسوم البيانية التي قدمها لتنقل صورة مرعبة للمشهد في الولايات المتحدة.

لقد قفز عدد هؤلاء الذين يعانون الفقر في الولايات المتحدة الأميركية بنحو 1,1 مليون ليصل الإجمالي إلى 37 مليون شخص، وهو ما يمثل الزيادة الرابعة على التوالي. وبينما كان عدد الفقراء ينخفض بشكل منتظم في عهد إدارة كلينتون، فإن هذا العدد قد زاد بنسبة 12% تحت قيادة جورج دبليو بوش.

وتقديم إحصائية بعدد الفقراء في البلاد هو «روتين» سنوي يحدث في آخر فصل الصيف، وهو الإحصاء الذي يمثل رؤية لواقع يفضل الأميركيون تجاهله. إلا أنه في تلك المرة تفجرت مناقشة جوهرية عن الفقر في الولايات المتحدة.

وعلاوة على ذلك كله، صاحب عرض تلك الأرقام بث صور تلفزيونية جسدت كارثة لا يمكن تصورها. لقد أمعنت أميركا النظر في وضعها خلال الأسبوعين الماضيين ورُوعت مما رأته.

والآن تتحدث واحدة من أغنى دول العالم عن تركها لشريحة كاملة من مجتمعها تعاني في الدفاع عن نفسها. يا لها من سنوات طويلة تلك التي مرت منذ حقب العبودية قبل أن تُناقش موضوعات الفقر والعنصرية والفقر بمثل ذلك الزخم والشكل المحتدم كما يجري الآن.

وعلى امتداد ربوع الدولة، بدأ الناس يرون حجم المعاناة من ديترويت في الشمال، حيث يعيش ثلث الشعب تحت خط الفقر، إلى العاصمة واشنطن دي سي حيث تبلغ نسبة وفيات الأطفال ضعف مثيلتها في بكين.

غير أن الجنوب يظل هو المنطقة التي خرجت منها أفظع صور المأساة. لقد كانت المنطقة دوماً مهمشة مقارنة بالشمال ولم تنهض أبداً من آثار الحرب الأهلية منذ 140 عاما.

إن الضحايا الرئيسيين لكاترينا ـ من ولايتي لويزيانا وميسيسبي ـ ينتمون إلى اثنين من أكثر ولايات أميركا فقراً. وفي نيو أورليانز، حيث يشكل الأميركان من أصل أفريقي ثلثي السكان، يعيش 23% من الشعب بشكل لا يكاد يفي بحاجات العيش الضرورية.

لقد زاد الإعصار من حجم المعاناة هناك بشكل «دراماتيكي» وأضاف بعداً جديداً من الفوضى إلى الوضع. لقد وصف جيم سليبر، الأستاذ في جامعة يال، الوضع في المدينة التي تسيطر عليها الآن أجواء الفوضى بشكل لاهوتي بقوله:

«بغداد على ضفاف الميسيسبي». وكتب فرانك ريتش، وهو أحد منتقدي الرئيس بوش الكبار وكاتب افتتاحية صحيفة «نيويورك تايمز» عما أسماه «متلازمة تيتانيك». وقال إنه تحت سطح كل بيت كان كل فرد يقاتل من أجل نفسه. وركاب الدرجة الأولى هم فقط الذين كانت لهم ميزة الوصول إلى قوارب النجاة.

وفي تلك الأثناء، كان يعود بعض من أثرى أثرياء نيو أورليانز من البيض إلى فللهم على متن المروحيات. وفي أحد الحقول الواقعة في متنزه أودوبون، وهو الحقل الذي يمثل قرية صغيرة لم تمسها مياه الفيضان والإعصار، حملت الطائرات المروحية قواتٍ تنتمي إلى شركة أمن إسرائيلية لنجدة وحماية العزب والقصور الموجودة هناك. وبحلول نهاية الأسبوع الماضي، التقى بعض من كبار علية القوم في المنطقة العمدة راي نيجين لمناقشة عملية إعادة الإعمار. ويريد الأثرياء أن يغيروا هيكل المدينة على المستوى الديمغرافي والجيوغرافي والسياسي.

وفي الوقت ذاته تحولت مدرسة بيلوكسي الثانوية التي تقع على ساحل الخليج في ولاية ميسيسبي، إلى مركز طوارئ يأوي الذين تقطعت بهم السبل.

وشوهد المسنون يهيمون على غير هدى في تشتت في أرجاء قاعات مبنى المدرسة، في حين يستلقي آخرون على الأرضية الباردة لقاعات المبنى. وقد نال التعب والإرهاق الكثيرين من أمثال تشارلز بارفيت، وأضحوا مستعدين للاستسلام. ذلك الرجل مريض عقلياً ويناضل منذ فترة طويلة بين ردهات المحاكم بحثاً عن دعم الدولة.

ولكن الشجعان أيضاً كانوا حاضرين. من هؤلاء الشجعان آن بلاكمون، وهي امرأة غير متزوجة لديها طفلان وتبلغ من العمر 29 عاماً. اعتادت تلك المرأة أن تكسب قوتها عن طريق بيع السندويتشات في أحد الكازينوهات وكانت تكسب 10 دولارات في الساعة الواحدة. والآن تلك المرأة مشردة.

وهو الوضع الذي كان بطبيعة الحال ينطبق على معظم أفراد عائلاتها الممتدة، بمن فيهم أبواها وطفلاها وأخواتها وإخوانها وأبناؤهم ـ كل هؤلاء كان يبلغ تعدادهم نحو 34 شخصاً. ولكنهم لم يستسلموا بعد ويتوجهون الآن إلى فلوريدا للبدء بحياة جديدة.

وهناك مئات الألوف من أمثالها ممن سيتركون المنطقة إلى الأبد وهو ما يمثل نزوحاً جماعياً ذا أبعاد تاريخية لم تحدث من قبل. وحتى قبل الفيضان، لم تكن لديهم بالفعل أي أموال أو سيارات يستطيعون الهرب بها. لم يكن من الممكن طرح ذلك السؤال المتعلق بإمكانية الحفاظ على المتعلقات الثمينة لهؤلاء، لقد كان ذلك أمراً محال الحدوث. والآن ليس لدى هؤلاء ما يساعدهم في الوقت الذي يجدون فيه أنفسهم مرغمين على بدء حياة جديدة.

هناك عالمان جديدان، أو بالأحرى أميركتان مختلفتان عن بعضهما البعض تواجه كل منهما الأخرى في الأيام الحالية في أعقاب إعصار كاترينا. وقد يكون هذا هو النقطة المضيئة الوحيدة في المأساة.

ترجمة: حاتم حسين

عن «ديرشبيغل»