الزمن يمر ثقيلاً، وعلي يتلوى من الألم يمنة ويسرة، فلا يرى من الدنيا إلا وجه أمه المتغضن، تبكي بكاء مرا، وتمسح بيدها جبينه اللاهب، وهي تقرأ آيات من القرآن الكريم، فتهدأ النار قليلاً، وتسكن الريح.
لم يكن علي يعرف أن مرضه خطير، لا نجاة منه، فقد أخفت الأم عليه الحقيقة المرة التي خسفت بها الأرض، وعقدت يومئذ لسانها، ولم تكن الساعة المعلقة على الجدار تتحرك كعادتها، فقد توقفت على الثانية عشرة، وكأن الزمن قد انته.
لم يسع أحد في البيت الكبير إلى إنزال الساعة من أعلى الجدار لشحنها بالطاقة من جديد، ولم يفتح أحد منذ أسبوع نافذة من النوافذ الكثيرة، ليعرف علي أن الشمس ما تزال تشرق كل صباح.
كان علي يهذي لكما ارتفعت درجة حرارته، يهذي هذياناً مسموعاً، أرعب الأم، وأرعدها. وعلي في ريعان الشباب، يذيل أمام عيني أمه يوماً بعد آخر مثل ورقة صفراء، فتذبل الأشجار في حديقة البيت، وتسقط أوراقها، وتعصف الريح في أرجائه، فلا تهدأ إلا إذا علا صوت الأم بآية أو سورة.
قال علي، وهو يرتجف، ويرتعد: «انتهت الرحلة، يا أمي، انتهت اليوم، ها هي ذي الساعة تتوقف على الثانية عشرة».
** عبدالرحيم حسن
