يا من أدبني خير أدب، وعلمني خير الكلام وأجلّ الحديث.. يا من فتح أمام عينيّ سبيل المجد، وهداني إلى سبيل النور.. يا من دلّني على طريق النجاح والفلاح، وعلمّني أن أكون رجلاً عند الشدائد، ووضّح لي كلّ مسألة.

وكشف لي أسرار القراءة وأغوار الكتابة، وحبّب إليّ العلم وأهله، وأحيا قلبي بنور العلم، فتحلّى بالعفاف والتسامح، وفاض بالحب والوفاء للوطن والأهل والأحباب.. يا من أبعدني عن طريق المخاطر، وقلع ما في قلبي من حقد وغلّ..

يا معلّمي.. ها قد بنيت أمام عينيّ سداً عالياً بيني وبين الجاهلين سدّاً منيعاً من أنوار العلم وأسرار الكون، وعلّمتني ما هو أعظم من هذا كلّه، علّمتني ترتيل كتاب الله، عزّ وجلّ، وهو أشدّ عذوبةً من أيّ كلام، كتاب تنشرح له الصدور، وتذوب عنده المشاعر، وتخشع إليه القلوب، كتاب ينير لنا طريق الحياة بنور الإيمان والتقوى.

وكأنه مشكاة فيها مصباح، يكشف لنا أسرار الكون وأغوار الحياة. إن عمل المعلم جليل، لا يماثل في جلاله إلاّ عمل المناضلين في ساحات الوغى، لولاه ما نهضت حرارة، ولا ارتفعت جباه، فهو من زرع في نفوسنا الإرادة، وهو من علّمنا المسؤولية، لم يتهاون يوماً معنا في واجب.

ولم يحجب يوماً عنّا فائدةً، وهو الصابر، وهو الصالح.. الكفاية شعاره، والأمانة عنوانه، والمعلم كالشمعة يحترق، ليضيء للآخرين طريقهم، فهو يجهد جهداً عظيماً، ويتعب تعباً كبيراً، فلا يكاد يلتقط أنفاسه إلاّ على عجل، فإذا كلّ صعب يغدو أمامنا سهلاً مستساغاً.

وساعة يشرق النور من بين يديه يعزف لسانه ألواناً من المعارف، ثقافته تطفئ ظمأ القلب، وتبعث في النفس الحياة، فما أعظمك من معلم، وما أجلّك من إنسان! تتعهّد أبناء أمتك بالرعاية جيلاً وراء جيل، حتى يصيروا شباباً قادرين على خوض معركة الحياة بشجاعة الفرسان وجسارة الإنسان.

في أيدي تلاميذك زهرات من ربيعك، تفوح منها روائح العلم والعمل، ليس لهم إلا أن يملؤوا الدنيا علماً ومعرفةً، وعيونهم ترعاك، وترفع من شأنك، يا من خرجت من أياديك أعظم المهن والمهنيين: الطبيب، والمهندس، والقائد، والطيار، والكيميائي..

إن الأنبياء كانوا معلّمين، وخير من نقتدي به رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم خير البشر وسيد الرسل، هذا النبي الأميّ الذي علّمه الله ـ سبحانه وتعالى ـ ما لم يعلم، وأنزل عليه جبريل ـ عليه السلام ـ وحياً من عند الله القادر على كلّ شيء.

محمد صلى الله عليه وسلم خير معلّم للبشر، صفاته الحسنة تفيض عنه، وتملأ الدنيا جلالاً، نور وجهه مشرق وضّاء، يجذب إليه من رآه، فيستسيغ علمه وأدبه وسنّته العظيمة.. نشر الإسلام، فكان رسالةً عظيمةً وصعبةً، تحمّل في سبيلها أشدّ أنواع المشاق وأشد ألوان العذاب، لكي تصل إلى البشرية جمعاء، لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أبلغه بتوصيل الرسالة إلى أهلها، فلم يشكُ يوماً، ولم يكل يوماً، بل أداها على أكمل وجه وأعظم صورة وهو منشرح الصدر راض كل الرضا عن أداء هذه المهمة العظيمة التي كلّفه بها الله.

وجعله يتحمل الصعاب، ويصبر على المكاره، جعله يكرم الضيف، ويحسن إلى الجار، ويصل الرحم، ويطعم المسكين، ويواسي المريض.. ولو قيست أخلاق البشر كلّها مع أخلاقه لوجدناها أعظم وأكبر، فيا معلمي، أنت وريث رسولنا الأمين، وأنت أنت من يقف لك الناس تبجيلاً وتعظيماً.

قف للمعلم وفّه التبجيلا

كاد المعلم أن يكون رسولا

إنك ـ يا سيدي ـ للروح طبيب، ظللت تعالجها، حتى عشقت كل ما في الكون من أنوار الجمال وأسرار الجلال، وأنت زينة هذا الجمال وهذا الجلال، وأنا إلى تلك الزينة أنظر بإعجاب وإكبار، ومهما حاول قلمي أن يعبر عما يختلج في نفسي من عرفان بجميلك وجميل صنعك، فلن يعبر إلا بالجزء القليل القليل.

شكراً لك فضل علمك الفيّاض، ونحن على الطريق نفسها لسائرون.

أحمد أبو رحمة