ما كان بالأمس ضرورة ملحة صار اليوم ترفاً، فمغريات الحياة العصرية الكثيرة أهملت وعزلت الكثيرين عن متعة كانت ترسو عند الآباء والأجداد كرسو السفن على شاطئ البحر، إنها مهنة الغوص في أعماق البحر بحثاً عن أرزاق لا يعلمها إلا الله، أما اليوم وقد تعددت أسباب الرزق فقد بات الشباب في منأى عن تلك المهنة رغم وجود فئة منهم يرون بها رياضة أو شيئاً من الترفيه، مثلما أنها لا تزال منتعشة في أذهان الكثيرين من غير العرب.

في دبي تؤدي بعض الأندية والمراكز أدواراً متعددة في تعليم من يرغب فنون الغوص الجديدة، التي لم تعد تحافظ على مسماها السابق كمهنة، وصار النظر إليها فقط على أنها هواية أو ترف، ومهما كانت مسمياتها ستبقى شيئاً غريباً على أبناء اليوم بعد أن كانت وإلى حد معين مهنة ودرباً يسلكه الجميع.

* رياضة ترفيهية

أحمد مطر صاحب أحد مراكز الغوص في دبي اكتفى بوصف ما يقوم به اليوم بالرياضة الترفيهية، بعد أن ابتعدت عن مسماها القديم وصارت تعرف بالترفيه وحب الاستطلاع.

مطر دخل للمركز الذي يملكه اليوم متدرباً في العام 1991، واستمر هناك حتى أصبح شريكاً ثم مالكاً قبل ست سنوات، وفيه درب ولا يزال يدرب الكثير من الشباب على هذه الرياضة الجديدة، وإلى الآن تخرج من مركزه كما يقول نحو 40 ألف طالب، في جميع مستويات هذه الرياضة سواء كانت المرحلة الأولى أو المتقدمة في البحر المفتوح أو الإسعافات الأولية.

* 80 % مواطنون

في هذه الأوقات يعمل في النادي ثلاثة مدربين عرب يشرفون على نحو 15 طالباً يتدربون حالياً، أما الطلاب الذين التحقوا بالنادي فمعظمهم من المواطنين بنسبة تصل إلى 80 في المئة كما قدرها صاحب النادي، بالإضافة إلى شبان عرب وبعض الأجانب.

وهذا المركز يعد وحيداً كما يقول مطر في تخريجه لمدربين باللغة العربية، وأن ما نسبته 95 في المئة من المدربين المواطنين والعرب في مختلف مراكز تدريب الغوص في الدولة تخرجوا منه، وهو الوحيد أيضاً الذي ترجم دورة المدربين إلى اللغة العربية، حيث انها تعطى في بقية المراكز باللغة الإنجليزية.

* رخصة عالمية

وبالنسبة للدورة الأولى فرسومها لا تتجاوز ألفاً وستمئة درهم، وتكون شاملة للكتب والشهادات العالمية التي تمنح لهم، بحيث يستطيع حامل رخصة الغوص العالمية الغوصة في أي مكان من العالم.

وعن إقبال الشباب على هذه الرياضة كما سماها صاحب المركز، فهو يرى أن الأجانب يملكون توجهاً أكبر من العرب، لكن أعداد الشباب اليوم والمواطنين تحديداً في ازدياد نحو هذه الرياضة، كونهم ملوا الرياضات التقليدية والمحصورة في الصالات، ووجدوا أن الغوص يتيح أمامهم المجال للتعرف على عوالم جديدة مجهولة.

* مهنة الأجداد

رياضة الغوص كما يطلق عليها اليوم كانت بالأمس مهنة الأجداد، لذا يجد الشباب فيها متعة أخرى في إحيائهم لما كان عليه آباؤهم وأجدادهم كما يرى مدرب الغوص أحمد مطر.

ويضيف أن بعض الشباب يتدربون فيها ويأخذونها كمهنة، ومنهم من يريد الالتحاق بالدفاع المدني أو من يطمح من طلاب الثانوية العامة أن يتعلم مهنة القطع واللحام تحت الماء، والتي كما هو متعارف تدر عليهم أموالاً كثيرة، فمهنة الغوص تعد البوابة الأولى في هذا الاتجاه.

وبالنسبة لهذا المدرب فهو علم الكثيرين من الشباب المواطنين والعرب، ومنهم من يعمل في شرطة دبي أو في الدفاع المدني، وبالتالي جمهور هذه المهنة أو الرياضة الترفيهية هم من يفرضون عليها المسمى، على الرغم من وجود توجه قوي عند بعضهم ليكون الغوص أساسياً في حياتهم.

وسواء كان الغوص رياضة أو ترفيهاً فهو لا يزال مجهولاً عند الكثيرين، والذين يعتقدون أنها رياضة الخطر والخوف والمغامرة، إلا أنها وكما يؤكد مدربها تبقى الرياضة الممتعة والسهلة والبعيدة عن المخاطر.

محمد حلمي، كبير المدربين في مركز آخر للتدريب على الغوص يقول إن ناديه يقدم الغوص الترفيهي فقط، وما يحتاجه الطالب هو فقط معرفة السباحة التي تؤهله للالتحاق في الدورة، التي تسمح شهادتها الأولى للطالب في الغوص لعمق 18م، ثم توجد دورات أخرى مختلفة المراحل تمنح الطالب تقدما وتطوراً، والشهادة التي يحصل عليها الخريج تأتي من شركة عالمية أسمها ز باديس التي تمنح الرخصة العالمية في مجال الغوص، والتي تمكنه من الغوص معها في أي مكان من العالم.

* الغوص والطيران

كبير المدربين شبه الغوص تماما كما الطيران، فالأخيرة تأخذ ممارسها إلى عالم آخر غير المعروف على الأرض بينما يمنح الغوص ممارسه متعة التعرف والعيش مع ما هو تحت الماء ولا يعرف عنه سوى القليلين، وبالنسبة للتدريب في المرحلة الأولى فيتم اختبار وإكساب الطالب نحو 18 مهارة في مجال الغوص والتعامل مع بيئته الجديدة، ويكون ذلك في حوض للسباحة موجود في النادي عمقه متران، ثم ينقل بعد ذلك المتدرب للغوص في أماكن أخرى في البحر.

* رياضة طبقة محددة

يقول حلمي: إنه في كل شهر يتخرج نحو 50 غواصاً في ناديه معظمهم من الأجانب، فرياضة الغوص أقرب ما تكون اليوم إلى رياضة الجولف التي تستقطب أناساً من طبقة معينة رغم كونها رياضة للجميع ذكوراً وإناثاً.

وحالياً يوجد في النادي نحو 100 طالب في مراحل التدريب المختلفة، أصغرهم يبلغ عشرة أعوام وأكبرهم 65 عاماً، بينما تبلغ نسبة المواطنين والعرب المتدربين نحو 10 في المائة فقط جميعهم من الشباب وأعمارهم في العشرينات، أما نسبة النساء المتدربات فتبلغ نحو 30 في المئة جميعهن من الأجنبيات.

* الغوص المنفرد ممنوع

حتى تستطيع الغوص تحتاج إلى عدة الغوص الكاملة التي تبدأ من النظارات وأنبوب التنفس ومنظم الهواء وجهاز التحكم في الطفو وحزام الأوزان والحذاء والزعانف، إضافة إلى بدلة الغوص المناسبة في الشتاء.

وكما يقول المدرب محمد حلمي فلا مكان للخطر مع هذه الرياضة إذا التزم صاحبها بالقوانين، بتجنبه للغوص في الأماكن الممنوعة، علاوة على أنه يمنع في هذه الرياضة الغوص منفرداً حتى لو كان الغواص الأول في العالم.

كينت ماديسون، مدير أحد أندية الغوص في دبي يقول إن الأجانب عادة يتعلمون الغوص في بلادهم ويحصلون على شهادة الغوص العالمية من هناك، بينما يفضلون ممارسة هذه الرياضة في أماكن أخرى بسبب أن المياه هناك باردة جداً، فيأتون إلى الخليج أو إلى مصر ليستمتعوا أكثر مع هوايتهم المفضلة.

* أجمل المناظر

أما أجمل وأمتع المناظر التي يراها الغواصون تحت الماء فموجودة في البحر الأحمر في مصر وفي استراليا وجنوب أفريقيا والبحر الكاريبي وإندونيسيا، والغواصون المتدربون هنا في الإمارات يمارسون تدريبهم وهوايتهم في مكانين الأول في دبي، حيث تملأ بحرها مناظر السفن الغارقة، وفي خور فكان والفجيرة ومسندم في عمان التي تمتاز بوجود الشعب المرجانية الأخاذة.

* شعور لا يوصف

تامر عبدالرحمن، شاب يبلغ من العمر 30 عاماً ويعمل في بلدية دبي، وأحد الذين قطعوا أشواطاً طويلة مع هذه الهواية، ورغبته بالغوص تتأتى من حبه للبحر والسياحة والسفر، إضافة إلى أنه يفكر بمشروع مستقبلي يتعلق بالبحر والسياحة، والغوص ليس بعيداً عن هذا المجال.

هذا الشاب وعلى الرغم من أنه لم يمارس هوايته كثيراً إلا أنه يشعر بمتعة لا يعرفها الكثيرون من شباب اليوم، حينما يتجول أسفل البحر مع الأسماك والشعب المرجانية متنوعة الأشكال والألوان والتي تمنح الناظر إليها شعوراً لا يوصف، إضافة إلى أن رخصة الغوص العالمية تمنح صاحبها الإذن باستخدامها في أي مكان يتواجد فيه، ففي البحر الأحمر في مصر توجد مناظر مبهرة يقصدها الغواصون من جميع أنحاء العالم.

* المغامرة والاسترخاء

وفي نظر الشاب والطالب عبدالرحمن محمد فالغوص اليوم أصبح رياضة ترفيهية، وعلى الرغم من أن والده عاصر هذه الرياضة أيام كانت مهنة تساعد على تحمل أعباء الحياة، إلا أنه يتعلمها لأنه يرغب بالمغامرة علاوة على امتلاكه لفضول المعرفة والاطلاع، والغوص كرياضة تنقله من عالم إلى آخر، وحتى الآن وصل هذا الشاب إلى غواص منقذ، ويفكر في أن يستمر ويصبح مدرباً.

عبدالرحمن يؤمن ويعرف بأهمية الغوص وخصوصاً في السابق، حيث كانت تمثل حياة أخرى بالنسبة للأجداد والآباء في البحر، أما اليوم فالجميع ينظر إليها على أنها رياضة للترويح عن النفس والانتقال بعيداً والاسترخاء الكامل.

وفي حقيقة الأمر فإن ما يرى تحت البحر أمر لا يمكن توقعه فهناك حياة أخرى تسحر الناظر إليها، وجميع العالم الذي نعرفه يمثل 30 في المائة، والنسبة الأخرى لا يمكن معرفتها من دون الغوص في أعماق البحار والمحيطات.

عنان كتانة