تفتحت عيناه على جدته وأحضانها، اعتنت به خير عناية وعلمته أفضل ما يمكن أن يتعلمه الصغير ووقفت إلى جانبه طويلاً دونما تفكير، تربطه معها علاقة أقوى من أن توصف كما عبر عنها، ولا يفضل أكثر من أن يكون إلى جانبها دائماً ويساعدها ويعيد إليها بعض ما وهبته من الحنان والعطف والعناية. راشد عارف النورياني، الطالب في الصف الثاني ثانوي في مدرسة الخليج الوطنية الخاصة في دبي لم يتردد في البوح بأن العلاقة التي تربطه مع جدته أقوى منها تجاه والديه.
يسير في اتجاه برزت ملامحه كما يقول، فهو يهوى دراسة الطب والعظام تحديداً، ويرغب في أن يخلص إلى ما كان يطمح إليه دائماً، ومن أجل تقربه إلى تخصص أحلامه أبدع هذا الطالب في مواقع على الانترنت لا تأتي إلا من متخصصين كما تبدو، لكنه أصر على أن تكون منه صغيراً ليجسد بها واقعاً يريد أن يبقى دائماً.
أبصر راشد على حياة مليئة بالعناية والحنان والتضحية، وكانت جدته العنصر الأبرز في ذلك، فهي بالنسبة له الأم والأب، رغم وجود كلاهما وعنايتهما به، وبحكم عمل الأب طبيباً في مستشفى القاسمي في الشارقة ووظيفة والدته كما يقول، لم يكن أمامه أعز من حضن جدته التي أحبته ووهبته كل ما يمكن أن يوهب، فسهرت إلى جانبه و تابعته في دراسته وأوصلته إلى مدرسته وكانت ولية أمره التي لا تتردد في طرق باب مدرسته والسؤال عنه أو حضور الاجتماعات مع أولياء الأمور.
راشد يفخر كثيراً بجدته، ويعتبرها من أكثر الشخصيات تضحية وأوفاهم محبة، فهي تحمل شهادة الثانوية العامة وكانت موظفة في إحدى الدوائر الحكومية، علاوة على أنها تملك رخصة قيادة وسيارة، فمتابعتها له لم تكن عمومية بقدر ما كانت جدية وتهدف إلى زرع كل ما يدفعه نحو الأفضل والتفوق.
جنح هذا الفتى إلى الطب رغم عمره الصغير وعدم إدراكه لمعنى هذه المهنة المستقبلي، ورغم أن والده يعمل طبيباً، إلا أنه يحثه دائماً على عدم التفكير بهذه المهنة واختيار تخصص آخر، كون الطب تخصصاً يستنزف الوقت والجهد والمال، لكن تصميم راشد على دراسة هذا التخصص أقوى من أن تستهويه الإغراءات في دراسة الطيران أو إدارة المشاريع الاستثمارية التي يعرضها عليه والده.
منذ كان صغيراً ولدت فكرة الطب عنده، أما السبب فكانت بالدرجة الأولى والدته حينما مرضت وتألمت من عمودها الفقري ومعاناتها من «الديسك»، فذهبت إلى المستشفى وخشيت أن تخضع لعملية جراحية، واستمرت تعاني من الألم وهي تتابع راشد وترتب حاجياته، فوعدها هذا الصغير ببراءة طفولته أنه حينما يصبح كبيراً سيكون طبيباً وهو من سيجري لها العملية الجراحية، أما هي فسرّت بهذا التوجه عند من ربته وخدمته، ومنذ ذلك الحين استقرت فكرة الطب في رأسه ولم يشأ التنازل عنها حتى يفي ببعض ما قدمته له جدته المريضة.
راشد الطالب يملك بعض المواهب في الخط العربي وفي الأمور الدينية والقرآن وفي الطب الذي أصبح مولعاً فيه منذ حادثة جدته إضافة إلى الانترنت وتصميم المواقع عليه، فاستغل هذه المواهب لخدمة ما يطمح إليه، وأنشأ موقعين طبيين على الانترنت واحد للعظام وآخر للقلب، بعد أن صار يبحث ويجمع المعلومات من الكتب الطبية ومن الإنترنت ليخرج في النهاية بموقعين صغيرين في مجالهما وكبيرين على عمر صاحبهما.
إضافة إلى ذلك أنشأ راشد موقعاً آخر أسماه إسلاميات، حيث أنه يحفظ من القرآن ويجد نفسه مع الأمور الدينية، وله أيضاً عدد من الكتيبات التي خطها بأنامله الصغيرة، حيث يهوى إحياء الخطوط العربية القديمة مثل الديواني والرقعة والكوفي، ولهذا الغرض سار في دورات للخطوط العربية في عدد من المراكز.
راشد وجدته قصة وفاء وإخلاص، فهي التي أخذت على عاتقها احتضانه صغيراً والسهر إلى جانبه وتلبية احتياجاته ومتابعته في جميع أموره، وكما يذكر هذا الشاب فعندما كانت تعالج في أحد المستشفيات استمرت هناك لمدة شهر، وبينما اقترب موعد الامتحانات النهائية رفضت الاستمرار في المستشفى وآثرت البقاء مع ابن ولدها، حتى لا يشعر بفجوة ويتقدم إلى امتحاناته من دون ارتباك، وعادت تسهر معه وتوقظه عند الرابعة صباحاً حتى يكمل دراسته.
وحتى يوفي هذا الصغير ما تعهد به، فهو يبحث حالياً عن جامعة يدرس فيها تخصصه الذي ينتظره، إضافة إلى أنه يبذل جهوداً مضاعفة لتحصيل المجموع الذي يؤهله لدراسة الطب، أما جدته فتقول أنها لن تتركه لوحده حتى في الجامعة، وتود أن تسير معه إلى أين يرغب في الدراسة حتى لا يفتقدها أو تفتقده، بينما يبدي راشد حرصاً كبيراً على دراسة الطب، وإذا لم يتمكن من هذا التخصص فلن يكون وضعه ساراً، وسيصاب بحالة اكتئاب.
يملك راشد مواهب عديدة، منها مشاركته في جائزة الشيخ مكتوم لتحفيظ القرآن وحصوله على جائزة نقدية، وشارك أيضاً في جائزة حمدان للأداء التعليمي المتميز مرتين حصل فيهما على شهادتي تقدير، إضافة إلى كونه يهوى الخطوط العربية والكمبيوتر وتصميم المواقع الالكترونية، وهو أيضاً من حصل على شهادة تقدير من وزارة التربية والتعليم على عرضه لجزئية في اللغة العربية أمام زملائه في المدرسة.
عنان كتانة
