برزت مشكلة كثافة الفصول الدراسية مجددا على السطح مع اطلالة السنة الدراسية الجديدة، وبالرغم من وصف الإدارات المدرسية لها بالقنبلة الموقوتة التي تتهيأ للانفجار إلا ان الواقع الأليم في المدارس وما يعانيه العاملون في الميدان اكبر من ان تترك القضية دون ضوابط او حلول، فالكثافة كما صرح البعض لا تقضي على عدد من الطلبة فحسب بل هي قتل لجيل كامل من الطلبة والجميع متفرجون.
«الجيل» رصد ملامح الأزمة بعد بدء السنة الدراسية ليعكس للمسؤولين ملامح الواقع الأليم الذي يحياه ابناؤنا على مقاعد الدراسة.
موزة شهيل مدرسة علوم في مدرسة الشيماء للتعليم الأساسي تقول: بالرغم من عدم اصطدامي المباشر بهذه المشكلة بالذات إلا انني من واقع عملي في هذا المجال أكاد أقول ان كثافة الوجوه في الفصل أو عدم مقدرته على إيصال المعلومة بالطريقة المثلى، مشيرة إلى ان درجات الحرارة المرتفعة في الدولة والأجواء الصحراوية التي تميزها تضيف عائقا جديدا اذ تؤدي كثرة اعداد الطلبة في الصف الواحد إلى حدوث حالة اختناق شديد لاسيما لمن يعانون مشاكل في التنفس.
وذكرت ان المعلمات اللواتي يعانين من الكثافة يبذلن جهدا مضاعفا في سبيل شرح الدروس وتوصيل المعلومات بشكل يسير، الأمر الذي يؤدي إلى استنفاد طاقتهن مبكرا اضافة إلى فقدان المعلم أو المعلمة السيطرة على الفصل وبالتالي حدوث خلل جسيم في إدارة الفصل.
وقالت ان الكثافة في الفصول تنتقل إلى باصات النقل حيث تعاني الطالبات مسلسلا جديداً من التعب بعد يوم دراسي مشحون بالتوتر والضغط والاختناق اذ تجد الطالبات انفسهن مضطرات للركوب في الباص والبقاء لمدة تزيد عن الساعة وقوفا لعدم وجود اماكن لهن ولأن العدد كبير جدا.
فإن رحلة العودة الى البيت قد تستغرق ما بين الساعة أو الساعتين لتصل الطالبة عصرا وهي فاقدة لأية دافعية لمراجعة الدروس أو حل الواجبات المنزلية، ودعت موزة وزارة التربية والتعليم للتدخل وحل الاشكالية لأن اهدافها التي وضعتها وسعيها إلى رفع مستوى التحصيل لن يتحققا وستبقى حبراً على ورق إذا لم تجد حلولاً جذرية ومنطقية لمثل هذا النوع من الظواهر السلبية والقاتلة لأي فكر وإبداع.
* جريمة لا تغتفر
نورا المزروعي مديرة مدرسة الشيماء قالت إن مدرستها بعيدة عن هذا النوع من المشاكل حيث الصفوف متوازنة والأعداد منطقية ومقبولة بالنسبة للطالبات والمعلمات إلا أنها تؤكد من واقع عملها وخبرتها الطويلة في مجال التربية والتعليم أن كثافة الفصول في المدارس لا يمكن السكوت عليها وهي بمثابة البركان الذي يتهيأ للانفجار والسكوت عليه جريمة لا تغتفر لأن عدم التطرق لحل الكثافة يقضي على جيل كامل حقه على الدولة توفير بيئة تعليمية جاذبة، فيها كل المتطلبات للارتقاء والتميز والإبداع، وطرحت مديرة الشيماء حلاً للمشكلة وقالت ان استحداث فصول جديدة في المدارس ذات الكثافة الطلابية العالية وتوفير هيئة تدريسية هو الحل ولا مجال لحلول أخرى لأن ذلك من شأنه المساس بمستقبل أبنائنا الطلبة الفئة الخاسرة من أي تأخير.
وأشارت وداد الصايغ معلمة لغة انجليزية إلى أن أكثر المتضررين من الكثافة معلمو اللغات والمواد العلمية لأنها تحتاج إلى تركيز وروية في إيصال المعلومة، وللأسف فإن اكتظاظ الفصل يحول دون وصول صوت المعلمة إلى آخر الفصل، إضافة إلى الضوضاء والإزعاج الذي لا ينتهي نظراً لكثرة عدد الطالبات وعدم القدرة على معرفة مصدر الصوت أو الإزعاج ما يزيد الواقع الأليم تعقيداً ويجعل المدرس يحمل هماً فوق هم التدريس إضافة إلى إحساسه بأن هؤلاء الطلبة أضيفوا عليه قسراً.
وأوضحت الصايغ ان قصر مدة الحصة والكثرة تحول دون إشراك الجميع في النقاش أو الإجابة ودون معرفة المعلمة الفئة التي لم تستوعب الشرح، مؤكدة أن عدم فاعلية المكيفات وحرارة الجو تفقد الطالبات والمعلمات القدرة على التركيز أو حتى الرغبة في متابعة الحصة، داعية إلى وضع اليد على السلبيات التي تنتج عن الكثافة.
وحلها لأن الأساس في المدارس أن تكون بيئات جاذبة وليس العكس كما أن المدرسة مكان لزيادة مستوى الطلبة التحصيلي ومعالجة مشاكل الذين يعانون ضعفاً في بعض المواد ومع الكثافة وتكدس أعداد الطلبة في الفصل الواحد لا أعتقد أن لدى أي مدرس الوقت أو القدرة على رصد الفئة الضعيفة ووضع برنامج علاجي لهم.
* طاقات مهدورة
وقالت عائشة المطوع مديرة مدرسة الزهراء للتعليم الثانوي، أنها تعاني كثافة عددية في الصف العاشر نظراً لرغبة أولياء الأمور إدخال بناتهم إلى الزهراء دون غيرها، معتبرة مسألة الاكتظاظ في الفصول سبباً في استنفاد طاقات الهيئات الإدارية والتدريسية كما أن استيعاب الطالبة مع الكثرة يقل لأن الضوضاء
وعدم التركيز خلال شرح المعلمة يؤدي إلى عدم مقدرة الطالبات على فهم كل شيء في المنهج، مشيرة إلى أن المنطقة قامت بتوزيع الطالبات كل حسب المنطقة السكنية التي يعيش فيها الأمر الذي أسهم في رفع العبء عن كاهل الإدارات وتخفيف الأعداد عن بعض المدارس مشيرة إلى أن استحداث فصول جديدة لن ينفع المدرسة نظراً لوجود نقص في عدد المدرسات وعدم توفر الاحتياجات إلى جانب تجميد التعيينات من قبل الوزارة.
ولفتت عائشة أحمد مسعود الاختصاصية الاجتماعية في الزهراء للتعليم الثانوي إلى نقطة أخرى، حيث ترى أن ذلك له انعكاسات صحية خطيرة قد تؤدي في المستقبل إلى تعرض الطالبات إلى الاختناق وضيق التنفس نظراً لصغر مساحة الصفوف وانعدام التهوية وعدم فاعلية المكيفات إضافة إلى أن المدارس معرضة شأنها شأن أي مكان لحدوث أي طارئ.
وإذا حصل ـ والحديث مازال لعائشة ـ فإن كارثة حقيقية ستحصل لأن كثرة العدد ستحول دون خروج الطالبات بسرعة من مخارج الطوارئ على عكس العدد القليل الذي تسهل فيه عملية الحركة ومتابعة الطالبات دراسياً وسلوكياً مشيرة إلى أن كثرة الأعداد تؤدي إلى حدوث مشاكل وخلافات كما أن القدرة على مسك زمام الأمور خاصة بوجود أخصائية أو اثنتين في المدرسة ستكون ضرباً من الخيال، مضيفة أن الكثافة تؤثر بطبيعة الحال على مستوى الطالبات وتقلله بدلاً من أن ترفعه.
وتلتقط عائشة الهاجري مديرة مدرسة الفلج للتعليم الأساسي طرف الخيط لتؤكد ما قيل، حيث تجزم أن الكثافة في الفصول هي عدو الإبداع والقاتل له، فالكثافة تعني عبئاً على المعلمات في توصيل المعلومات والاهتمام بكل نقطة، مشيرة إلى أن السنوات الماضية كان عدد الطلاب أقل ولا يتجاوز اثنين وعشرين طالباً
وكانت المعدلات ممتازة بالفعل لأن الاهتمام يتركز على عدد قليل وقدرة المعلمة على اكتشاف نقاط الضعف تكون سريعة وبالتالي إيجاد العلاج يكون مبكراً، وثمنت مديرة الفلج تعاون المنطقة مع المدارس ومحاولتها القضاء على الكثافة الطلابية في الفصول بكل الوسائل الممكنة.
* شللية ولكن..
وقالت خولة عبدالرازق مديرة مدرسة الرولة الإعدادية في الشارقة أن قضية توزيع الطلبة كل حسب المنطقة السكنية جاء لمصلحة المدرسة التي لم تعان نتيجة لذلك من الكثافة هذه السنة، معتبرة مسألة الاكتظاظ العامل الأهم في ظهور ما يعرف بالشللية بين الطلبة حيث تفقد إدارات المدارس نتيجة لكثرة العدد من السيطرة على سلوكيات الطلبة حتى بوجود ضوابط وقوانين لأن الكثرة تؤدي إلى إشاعة الفوضى وعدم الانتظام بين الصفوف والمعاناة هنا تنعكس على الإدارة حيث تبذل جهوداً استثنائية وتقضي يومها الدراسي في محاولة للسيطرة قد تنجح أحياناً وتفشل أحايين كثيرة.
وتوقعت خولة عبدالرحمن مديرة مدرسة رقية الثانوية كثافة في فصولها إلا أن توزيع الطلبة بشكل مدروس جنّب المدرسة الدخول في تلك الدوامة تبدأ مع كل سنة دراسية جديدة.
وقالت: ان الاكتظاظ يزيد من العشوائية في المدارس خصوصاً في صفوف العاشر مشيرة إلى أن المسألة لا تقف عند الفصل ومعاناة الطلبة والمعلمين بل تمتد إلى المواصلات حيث تضطر الطالبات في المدارس المكتظة الوقوف طوال رحلة العودة إلى المنزل.
وفي نموذجيات الشارقة قامت بعض إداراتها باستحداث فصول جديدة للحيلولة دون وجود عدد أكبر من المسموح به في الفصل الواحد، وقد قامت مدرسة المنار باستحداث ثلاثة فصول فيما أشار علي الحوسني مدير نموذجية المجد للبنين بوجود نسبة اكتظاظ في الصف السابع، حيث بلغ عدد الطلاب 24 طالباً نظراً للإقبال الكبير الذي تحظى به المدرسة،
لافتاً إلى تعذر قبول عدد كبير ورفض المدرسة بعض طلبات الالتحاق التي يتقدم بها الأهالي إلى الإدارة، مشيراً إلى أن المدرسة ستقوم السنة المقبلة باستحداث فصول جديدة لاستيعاب الراغبين من الطلاب أن يكونوا ضمن طلبة المجد النموذجية.
ومن الطلبة أنفسهم حدثتنا هنوف محمد في الصف الثامن قائلة: إنها تدرس في صف عدد طالباته 38 طالبة، الأمر الذي يؤدي إلى عدم مقدرتها على فهم ما تشرحه المعلمة إضافة إلى إحساسها الدائم بالضيق والانزعاج داعية المسؤولين إنقاذ الطلبة من هذا الجحيم الذي يعيشونه بشكل يومي.
زميلتها آمنة النعيمي كانت أكثر إحساساً بالضيق من الوضع الراهن، مشيرة إلى أن الفصل بمثابة سجن صغير تلتصق فيه الأجساد بعضها ببعض وتختلط الأنفاس حتى نشعر بعدم وجود هواء نقي نستطيع تنفسه، فهل يعقل أن يكون اليوم الدراسي كابوساً، وكيف يمكن أن نفجر طاقاتنا الإبداعية في الوقت الذي نقضي فيه اليوم الدراسي في محاولات بائسة لسماع صوت المدرسة الذي يأتينا من بعيد مختلطاً بأصوات الطالبات؟ سؤال تطرحه النعيمي عله يصل أسماع المسؤولين كما تقول.
* كابوس يومي
غادة محمد سعيد تقول بنبرة يغلفها التهكم والسخرية: أن السنة تنتهي والمعلمة لم تستطع حتى حفظ أسماء الطالبات أو السيطرة على النظام فيه عن بقائها غاضبة وفي حالة من العصبية الشديدة تنعكس سلباً علينا، مشيرة إلى أن كثيراً من الطالبات قررن عدم ركوب الباص نظراً للازدحام الشديد عليه واصفة الرحلة بالعذاب.
وتحمل الطالبة خلود علي من ثانوية الزهراء رأياً مخالفاً، حيث لا تؤثر كثافة الفصل في قدرتها على استيعاب المادة ولا تمثل بالنسبة لها مشكلة في الأساس، ووصفت فيروزة راشد الطالبة في الأول الثانوي الوضع بالطبيعي، وأنه أمر اعتادت عليه بل وألفته أيضاً.
هذه الآراء حملناها إلى فتحية زيد رئيسة قسم الإدارة التربوية في منطقة الشارقة التعليمية معقبة عليها قائلة: إن المنطقة التعليمية في الشارقة منذ بدأت السنة الدراسية تحركت سريعاً لمعالجة الكثافة الطلابية، بحيث تحقق التوازن المطلوب في أعداد الطلبة في الفصول.
موضحة أن المشكلة برزت جلية في أربع مدارس في المنطقة، ذلك مرده تغيير بعض أولياء الأمور لمساكنهم دون إخطار المنطقة بذلك منها مدرسة الأرقم التي عانت من كثافة كبيرة بسبب انتقال الأسر إلى منطقة القراين ونوف، وقد قمنا لحل المشكلة بفتح خطوط مواصلات جديدة وتم نقل الفائض إلى مدرسة واسط، وفي مدرسة حطين عملنا توازناً في أعداد الطلبة بالتعاون مع مدرسة القاسمية.
وأكدت فتحية زيد حرص المنطقة على تهنئة أفضل الظروف للطلبة والإدارات للعمل في أجواء تتسم بالهدوء، مشيرة إلى أن المناطق تتابع سير العمل في مختلف المدارس وتقوم بحل أي إشكالية لديها.
نورا الأمير
