لا يتعين على المرء سوى بذل قليل من الجهد لكي يدرك حجم الشعور بعدم الثقة والتنافس السائد بين العملاقين الآسيويين الصين والهند.واذا أردنا التحدث من خلال الواقع، فإن التوتر في العلاقات الثنائية قد تراجع، الأمر الذي أدى الى رفع حجم التبادل التجاري من 262 مليون دولار في 1991 الى نحو 14 مليار دولار الآن. غير انه لو كان بإمكان النمو التجاري إحداث تقدم سياسي، لما كانت اليابان والصين في حالة حرب باردة ناشئة اليوم.

لقد أصبح من المألوف ان تتم المقارنة بين المسيرة الاقتصادية للهند والصين انطلاقاً من الاعتقاد بأن الدولتين سوف تقودان النمو الاقتصادي العالمي وتساعدان على جعل القرن الواحد والعشرين قرناً آسيوياً، والمقارنات بين الدولتين تدور بشكل أساسي بين معدلات النمو في الهند المدفوعة من قبل قطاع الخدمات وكذلك الاستقرار المؤسسي القائم على التعددية والشفافية وحكم القانون، وبين القيادة الصلبة ومعدلات الادخار العالية والبنية التحتية الجيدة وقاعدة التصنيع في الصين.

غير أن الشيء الذي يمر من دون ملاحظة هو أن العولمة تهدد الحكم الاستبدادي الصيني وليس الديمقراطية الهندية. ومن الشائع أيضاً الدخول في نقاشات ووضع نظريات، لا سيما في الدوائر الفكرية اليسارية، بشأن الكيفية التي يمكن بها للشراكة الهندية ـ الصينية أن تساعد على تصحيح هيكلية القوة في العالم المبنية على وجود قطب واحد يمسك بزمام الأمور.

ولكن هل يمكن للهند أن تعمل فعلياً مع بكين من أجل إيجاد عالم متعدد الأقطاب في الوقت الذي تسعى فيه الصين إلى أن تصبح القطب الأوحد في آسيا وبالتالي تستطيع أن تحد من النفوذ الأميركي وتحتوي الهند وترهب تايوان وتحرج اليابان وتحدث انقساماً في صفوف الآسيان،

وتستفيد من الدول شبه الفاشلة التي هي مفيدة لها مثل باكستان وميانمار وكوريا الشمالية، وتحاول الصين الآن اجتذاب دولة فاشلة أخرى إلى فلكها وهي نيبال، وذلك بعد أن دفع انقلاب في القصر هناك الهند والولايات المتحدة وبريطانيا إلى التنسيق وإيقاف التعاون مع المملكة النيبالية.

وحقيقة الأمر تشير إلى أنه في ضوء عدم رغبتها في رؤية منافستيها الآسيويتين الهند واليابان عضوين دائمين في مجلس الأمن، فإن الصين تعرض نفسها كقوة بحكم الوضع الراهن داخل نظام الأمم المتحدة. غير أن الاختلاف الأساسي بين الهند والصين لا ينبع من أن إحداهما دولة مفتوحة سياسياً والأخرى منغلقة سياسياً فحسب، وإنما يتمثل أيضاً في أن الاثنتين ترمزان إلى اتجاهين عالميين متعارضين.

فالبراغماتية الشرسة والمواقف المتصلبة التي تتبناها الصين تتعارض بشدة مع أسلوب الهند الميال إلى المهادنة مع العالم، فالهند التي من السهل اغراؤها عن طريق التملق والإشادة، هي دولة تتوق إلى أن يحبها الآخرون وتشعر بأنها في أفضل حالاتها عندما تتمتع سياساتها بقبول خارجي. وعلى النقيض، تريد الصين أن ينظر إليها باحترام ووقار ولا تغير وجهة نظرها حتى ولو كان الأمر يتعلق بمصالحها.

بإمكان المرء هنا أن يقارن بين الإنذار المبكر الذي وجهته لبكين ضد صفقة بيع نظام باتريوت الأميركي المضاد للصواريخ إلى الهند وبين صمت نيودلهي حيال الخطوة التي فكر باتخاذها شريكها الاستراتيجي الاتحاد الأوروبي، للاخلال بتوازن القوى في آسيا عن طريق رفع الحظر العسكري المفروض على الصين منذ 15 عاماً. كما أن تناول الدولتين للعلاقات الثنائية يكشف الكثير.

فالهند لا تؤمن بالتوازن الاستراتيجي وليست لديها أي نية في أن تستخدم التبت أو تايوان كأداتي قوة مضادة للنفوذ الصيني. وحقيقة الأمر تشير إلى أن الهند قد رضخت للرغبة الصينية بشأن التبت. فعندما زار أتال بيهاري فاجبايي، رئيس الوزراء الهندي وقتها بكين في 2003، استخدم المصطلح السياسي «يعترف لا وذلك خلال وثيقة وقعها مع نظيره الصيني للقبول بما وصفته الصين بمنطقة التبت ذات الحكم الذاتي كجزء من أرض جمهورية الصين الشعبية».

وعلى النقيض من الهند، فإن الصين تهتم بالعلاقات الثنائية وتقدر الأوراق الإستراتيجية المتعددة التي بحوزتها ضد نيودلهي، بما في ذلك أحد خطوط السيطرة والتحكم في الهيمالايا، الذي ترفض تحديده على الرغم من المفاوضات الحدودية الدائرة منذ 24 عاماً، والتزامها بالإبقاء على باكستان كقوة عسكرية مناوئة للهند وعلاقاتها الإستراتيجية الجديدة عبر ميانمار وعلاقاتها العسكرية الوليدة مع بنغلاديش وتصويرها داخل خرائط رسمية لثلاث ولايات هندية على أنها لا تنتمي إلى الهند،

وهي ولايات أروناكال براديش، وسيكيم وكشمير . وعلى الرغم من المحادثات الثنائية التي لا تنتهي، فإن التعاون السياسي يظل أمراً غير ملموس وحتى غير واقعي. ويبرز مجال الطاقة كأحد الأمثلة في هذا الصدد. فقد سعت الهند الى التعاون من أجل الحيلولة دون ارتفاع أسعار النفط الى مستويات قياسية في الأسواق العالمية نتيجة التنافس بين الشركات الهندية والصينية.

وفي اطار ممارسة «اللعبة العظيمة» في مجال الطاقة، دفعت الهند والصين الشركات المملوكة للدولة الى شراء حقول نفط وغاز موجودة في أماكن بعيدة لاسيما تلك الواقعة فيما يسمى «الدول المارقة» أو المعزولة عالمياً. ولكن بينما كانت تقوم الصين بمثل تلك الاستثمارات في التسعينات عندما كان النفط أقل من خمس مستواه السعري الحالي،

فإن الهند بدأت بشراء أصول بأعلى من قيمتها أخيراً بأقصى سعر موجود في السوق. وتتردد الشركات المتعددة الجنسيات في شراء مثل تلك الأصول غير المضمونة، إلا أن طبقة الموظفين التي تدير الشركات الهندية والصينية لديها الاستعداد للمقامرة بأموال دافعي الضرائب.

ويمكن ان يكون هذا اهداراً كبيراً لرأسمال الدولة لاسيما بالنسبة للهند، وذلك إذا اختارت الدول المعنية أن تسيطر على أصولها الموجودة على أراضيها. واذا حدث هذا، فإن الصين بما لديها من قدرة أكبر على إظهار قوتها ستستطيع ان تعيد قدراً أكبر من استثماراتها في الخارج بالمقارنة مع الهند، إلا أنه في الوقت الحالي فإن الحكام المستبدين للصين يجدون متعة في التفوق على الهنود وعلى الآخرين فيما يقدمون من عطاءات حتى وإن أدى ذلك إلى رفع الأسعار بشكل كبير.

وفي حقيقة الأمر، فإن احتياجات الطاقة بدأت تؤثر على التخطيط العسكري. فواردات الصين المتنامية من النفط تبرر سعيها الى التفوق استراتيجياً على مستوى البحار. إن بكين تتعامل مع البحر على أنه مجال يعطي لها فرصة توسيع نطاق نفوذها. فهي تمركز نفسها على امتداد الخطوط البحرية من الخليج العربي الى بحر الصين الجنوبي، فتركيزها الاستراتيجي الجديد على البحار يؤثر بدوره في التخطيط الدفاعي للهند على المدى البعيد.

ولا توجد خطوة أفضل من زيارة رئيس الوزراء الصيني وين جياباو للهند لتصور ديناميكية التنافس بين أكثر دول العالم اكتظاظاً بالسكان. الاستراتيجية الصينية تترك للهند خيارات واضحة، فإذا لم تطور نفسها بسرعة صناعياً من خلال تطوير البنية التحتية وإصلاح قوانين العمل المتخلفة والسماح بالمنافسة غير المقيدة في مجال التصنيع، وظلت راضية بنحو يصل إلى 6,6% من إجمالي الناتج المحلي مقابل 5,9% في الصين،

فإنها ستواجه صعوداً أكبر في إرساء أرضية يمكنها من خلالها التعامل مع بكين بطريقة الند للند. وإذا واصلت تقليص إنفاقها العسكري، فإنها سوف تزيد من الهوة بينها وبين الصين. وفي الوقت الذي حافظت فيه الصين على نسبة نمو مكونة من رقمين في المخصصات العسكرية السنوية منذ 1990، فإن الهند أوقفت التطوير العسكري لمدة عقد كامل وسمحت بتقليص إنفاقها الدفاعي من 59,3% من إجمالي الناتج المحلي في 1988 إلى 35,2% في السنة المالية الجديدة.

وبشكل يفوق التحدي الذي تفرضه الحرب على شبكة القاعدة، وهي الكيان الذي تصدع وتفككت أركانه الآن، فإن النهضة الصينية ستشكل التحدي الفردي الأكبر فيما يتعلق بالأمن العالمي خلال السنوات المقبلة. وتماماً كما تحملت الهند عبء ظهور الإرهاب الدولي بحكم موقعها الجغرافي، فإنها ستتأثر بشكل مباشر بالقوة النامية لامبراطورية مبهمة ماكرة مجاورة.

بقلم: براهما تشيلاني

ترجمة: حاتم حسين

عن «جابان تايمز»