مع انهيار الاتحاد السوفييتي السابق بداية عام 1990 سنحت الفرصة الذهبية أمام المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية لتحشيد قوافل الهجرة الاستيطانية التوسعية اليهودية الصهيونية إلى فلسطين.
وبدأت أرقام هجرة اليهود السوفييت تتراكم باتجاه فلسطين المحتلة، وقد وصل خلال الفترة (1990-2000) نحو مليون يهودي حيث كانت سنة الذروة 1990 حين وصل إلى فلسطين المحتلة 616. 199 من المستوطنين اليهود.
بينما كان المتوسط القياسي خلال سنوات ثمانينات القرن الماضي 15 ألفاً سنوياً وفي السبعينات 70 ألفاً سنوياً، وساهمت الهجرة بأكثر من 67% من إجمالي الزيادة السكانية اليهودية على أرض فلسطين خلال الفترة المذكورة. إلا أن مصادر ومنابع الهجرة التهويدية إلى فلسطين بدأت بالجفاف التدريجي، خاصة في ظل انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية، وتصاعد الكفاح الوطني التحرري المشروع للشعب الفلسطيني.
فقد طرأ هبوط واضح على هجرة اليهود إلى فلسطين من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق خلال الانتفاضة الفلسطينية الراهنة التي عامها الثاني، وذلك قياساً بالأعوام التي سبقت. فقد وصل الانخفاض في ميزان الهجرة وفق معطيات الوكالة اليهودية إلى نسبة تقارب 27%، وسبق أن بلغت نسبة الهبوط في الهجرة بحدود 12% خلال العامين اللذين سبقا اندلاع الانتفاضة.
وتفيد البيانات الإسرائيلية المنشورة بأن عدد اليهود الذين قدموا إلى فلسطين المحتلة بلغ نهاية النصف الأول من العام 2002 ما مجموعه 18000 مهاجر منهم 9556 من دول الدول المستقلة.
وتشير مصادر إسرائيلية إلى أن العدد الحقيقي لهم لا يتجاوز 1500 فقط والباقي من المهاجرين غير اليهود بينما بلغ عدد من وصل العام 2001 ما مجموعه 44 ألف مهاجر، وفي العام 2000 بلغ 60 ألف مهاجر وبهبوط 22% عن العام 1999 حيث انخفض العدد بـ 17 ألف نسمة.
وحسب المعلومات التي بثها المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي فإن أعداد المستعمرين الذي وصلوا إلى فلسطين المحتلة خلال نهاية السنة العبرية في 6/9/2002 بلغت 34 ألف مستعمر جديد، كان 64% منهم من دول الاتحاد السوفييتي السابق، 12% من الأرجنتين، 9% من إثيوبيا، كذلك 1700 من فرنسا، وحوالي 1500 من الولايات المتحدة إضافة إلى بلدان أخرى.
وبشكل عام ـ وعلى سبيل المثال ـ خلال العامين الأولين من عمر الانتفاضة الفلسطينية انخفضت أعداد المستوطنين القادمين من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بنسبة 40%. بينما كانت الفئات العمرية للدفعات الأخيرة تتوزع على النحو التالي: 20% منهم بعمر 14 سنة فأقل، و4. 9% بعمر 65 سنة فأكثر، ونسبة الإناث 1000 مقابل 873 للذكور، وكلما ارتفع جيل المستوطنين القادمين إلى فلسطين المحتلة قل عدد الرجال، ومن بين الفئة العمرية 75 سنة وأكثر يوجد 1000 امرأة مقابل 492 رجلاً. والنسبة بين النساء والرجال في هذا الجيل هي 1000 امرأة مقابل 688 رجلاً في الدولة العبرية.
ويشكل القادمون من دول رابطة الدول المستقلة 56% من مجموع المستوطنين الذين وفدوا خلال النصف الأول من العام 2002، ونسبة 85% منهم من الجمهوريات الأوروبية للاتحاد السوفييتي السابق، ونسبة 11% من الجمهوريات الآسيوية.
من جانب آخر، تنال المناطق الجنوبية من فلسطين المحتلة عام 1948 درجة أولى كموقع استيطاني لليهود القادمين إلى فلسطين حيث يفضلها 22% منهم، وبعد ذلك وسط فلسطين بنسبة 21%، ثم القدس بنسبة 8%، ثم حيفا وغيرها.
وفي الأشهر الستة الأولى من العام 2002 وصل من دول أميركا الجنوبية التي تعاني من أزمات اقتصادية حوالي 2500 نسمة ولم يطرأ تغيير كبير على عدد المستوطنين القادمين من إثيوبيا إلى فلسطين، فقد وصل إلى 1770 نسمة مقابل 1870 نسمة للفترة المقابلة من العام الماضي.
* تراجع الهجرة
ومع تدني نسب الهجرة التهويدية إلى فلسطين، تراجع قطاع العقارات وبيعها داخل الدولة العبرية بشكل عام، وبشكل خاص في المستوطنات المقامة فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ففي النصف الأول من عام 2001 كان هناك انخفاض بحوالي 50% في بيع الشقق الاستيطانية في مستعمرات الضفة الغربية وقطاع غزة مقارنة مع النصف الأول من العام 2000، حيث تم بيع 238 شقة ووحدة سكنية مقابل 466 في الفترة نفسها من العام السابق.
وتراجعت عمليات البناء في المستعمرات ذاتها بنسبة 5. 9% في الفترة ذاتها فتحول الرقم من 1943 إلى 339، وتراجعت معها تراخيص البناء من 626 ترخيصاً عام 2000 إلى 156 ترخيصاً عام 2001. وكذلك الحال بالنسبة لعمليات تسويق الأراضي الفلسطينية لأغراض الاستيطان حيث انخفضت العملية بنسبة 8%.
وبشكل عام تعزو المصادر الإسرائيلية الانخفاض في قدوم المستوطنين اليهود إلى أرض فلسطين إلى الوضع الأمني المتدهور وتصاعد النضال الفلسطيني المشروع في ظل الانتفاضة، والعمليات الفدائية اليومية التي أقضت مضاجع المستوطنين، فضلاً عن تردي الوضع الاقتصادي.
* الهجرة المعاكسة
على الجانب الآخر، نمت ظاهرة الهجرة المعاكسة، ووفق بيان للسفارة الألمانية في تل أبيب بثه راديو إسرائيل يوم 4/8/2002 ونقلته وكالة الأنباء القطرية فإن أكثر من 60 ألف إسرائيلي قدموا طلبات منذ مطلع العام 2002 للهجرة إلى ألمانيا والحصول على الجنسية الألمانية، وأن الطلبات تضاعفت ثلاث مرات شهرياً حيث لم تشهد السفارة منذ العام 1965 تدافعاً للهجرة والحصول على الجنسية الألمانية كما يحدث الآن.
ومن جانب آخر فإن رئيس دائرة الاستيطان هرتسل غدج يشكك في لقاء مع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية بيهودية أكثر من 150 ألفاً ممن قدموا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وأن العديد من أعضاء الكنيست يحاولون «دفع طلبات تجنيس لأشخاص بعضهم مرتبط بالجريمة الروسية».
وكشف إسرائيليون من أصل روسي أن حوالي نصف مليون وافد من الاتحاد السوفييتي السابق ليسوا يهوداً. بينما تشير تقديرات زعيم حزب شاس المتطرف عوفاديا يوسف إلى أن غير اليهود أو المولودين من أب يهودي فقط يشكلون 40% من حوالي مليون وافد من الاتحاد السوفييتي السابق. وتنحو الوكالة اليهودية إلى إعطاء تقديرات تفيد أن أعداد الوافدين من غير اليهود تصل إلى 250 ألفاً.
وتقول مصادر الاتحاد السلافي المدافع عن مصالح الروس والأوكرانيين والبيلاروسيين غير اليهود في الدولة العبرية إن الرقم يفوق 400 ألف وقد يصل إلى 600 ألف. وجميع هؤلاء يتعرضون لتمييز واضح حيث لا تتاح لهم ترقيات في المناصب، ويتقاضون أجوراً أقل من اليهود عن العمل ذاته فضلاً عن دفن قتلاهم العاملين في جيش الاحتلال خارج أسوار المدافن اليهودية.
أما تقرير المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي فيشير إلى أن نسبة 5. 3% من سكان الدولة العبرية باعتبارهم مصنفين بلا ديانة، وهم من المستعمرين الجدد، الأمر الذي يدعم النظرة التي تقول بالطبيعة العدوانية الارتزاقية للدولة العبرية والقائمة على جلب وإحلال مستعمرين داعمين للمشروع الصهيوني من أي مكان في العالم ومن أية ديانة أو جنسية لإحلالهم مكان شعب فلسطين صاحب البلاد الأصلي.
وبشكل عام، فإن معظم المهاجرين اليهود الذين قدموا لاستيطان الأرض الفلسطينية وطرد أصحابها جاءوا من رابطة الدول المستقلة التي كانت تشكل سابقاً الاتحاد السوفييتي، وذلك بنسبة 83%.
وهناك ميل متواصل لهبوط عدد المهاجرين القادمين من دول الاتحاد السوفييتي السابق. كما أن 84% من المهاجرين المستعمرين اليهود القادمين من دول رابطة الدول المستقلة جاءوا من المناطق الأوروبية، ونسبة 16% من المناطق الآسيوية.
ومعدل الهجرة من روسيا الاتحادية، هبط بدوره بنسبة 15% قياساً للفترة التي سبقت اندلاع شرارة انتفاضة الأقصى والاستقلال الفلسطينية. وانخفضت الهجرة من المدن الكبرى، وتحديداً من موسكو، وبطرسبورغ.
* إخفاق متزايد
وحسب الوكالة اليهودية، فهناك تزايد مرتفع في الإخفاق بجذب نخبة اليهود الموجودين في المدن الكبرى في رابطة الدول المستقلة نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويذكر أن الإحصاءات البيانية للوكالة اليهودية تشير إلى أن عدد اليهود في موسكو يبلغ 180 ألفاً، وعدد اليهود في بطرسبورغ 100 ألف وهذا الهبوط المستمر في الهجرة من دول وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق يوازيه هبوط آخر في أعداد المهاجرين من الدول الغربية، حيث هبطت النسبة مقارنة بفترة ما قبل الانتفاضة 14% في عدد المهاجرين من الولايات المتحدة الأميركية وكندا، وهناك هبوط 25% في معدلات الهجرة من بريطانيا.
وبشكل عام، فإن نصف المهاجرين الاستيطانيين خلال العامين الماضيين، كانوا من جيل 30 عاماً، ونصيب الشبان حتى 14 وصل 5. 19%، ونسبة كبار السن (65 وما فوق) كانت 11% ونسبة 26% من المهاجرين هم من أصحاب المهن العلمية والأكاديمية، و نسبة 32% من أصحاب المهن الحرة المتعددة، ونسبة 22% من العمال المهنيين ونشطاء الصناعة، والباقي موظفون ومستخدمون في المبيعات والخدمات العامة والأعمال الزراعية.
وليس بعيداً عن الانتفاضة الفلسطينية وما صنعته من وقائع انعكست على ميزان الهجرة التوسعية التهويدية، فإن الوكالة اليهودية وهي الجهة المعنية بقضايا الهجرة والاستيطان قدمت ملاحظات أولية حول الأسباب الضافية لتدني هبوط نسبة المهاجرين من دول وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق على الشكل التالي: الاستيعاب الفاشل للعلماء والمهندسين والأطباء من المهاجرين إذ يعمل ثلث المهاجرين فقط في مجال اختصاصه واتضح أن حزب «يسرائيل بعلياه» الذي يضم العدد الأوسع في صفوفه من مهاجري الدول المذكورة، لم يستطع هو الآخر أن يؤثر في هذا المجال، حيث يضطر مهاجرو جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق للعمل في الخدمات البلدية بالنسبة للشباب، وفي الحانات والملاهي الليلية والأندية المغلقة بالنسبة للفتيات، إضافة للمساعدة المقدمة من الوكالة اليهودية.
أما العامل الذي يجد مكانا للعمل في مصنع ما، فيحصل على راتب متدن قياساً بالدخل في الدولة العبرية، بحيث يقتل حافزيته للتطور والعطاء والتقدم في عمله (وفق تقارير الوكالة اليهودية). وموضوع انهيار عملية التسوية الراهنة ودخول المنطقة في نفق الاستعصاء، وهذا الموضوع مفصلي وهام باعتبار أن معظم المهاجرين يأتي في سياق البحث عن رفع مستوى معيشته وتاليا الثراء السريع. إضافة إلى عودة الانتعاش الاقتصادي ولو بوتيرة منخفضة إلى روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، لذا فالفرصة الأفضل أصبحت في نظر أعداد كبيرة من يهود روسيا والدول المذكورة البقاء في وطنهم الأم.
وحسب رئيس قسم الهجرة في الوكالة اليهودية «اوري جوردون» فإن ارتباط يهود المدن الكبرى في روسيا مع يهود الدولة العبرية ضعيف وهم يفضلون الثقافة والحياة الغربية على المزاج الشرق أوسطي. وهذا ما يبرر الأعداد القليلة والهبوط المستمر للمهاجرين من المدن الكبرى من دول الاتحاد السوفييتي السابق نحو فلسطين المحتلة.
* الحوافز الاستيطانية
بناء على كل ذلك قدمت الوكالة اليهودية (قسم الهجرة) عدداً من الاقتراحات للزعامات الحزبية الإسرائيلية للعمل على رفع نسبة الهجرة الاستيطانية، وهذه الاقتراحات كانت على الشكل التالي: إرسال مبعوثين إضافيين للعمل على تقوية علاقة اليهود في روسيا والدول المحيطة بها بيهود الدولة العبرية. وجعل الوكالة والهستدروت الصهيوني مؤسسة واحدة، وإقامة مؤسسة جباية إسرائيلية وتأسيس جامعة يهودية للشبان اليهود في روسيا وأوكرانيا وحتى بولندا.
وإضفاء رونق على قسم الهجرة في الوكالة اليهودية من خلال جلب المستشارين الاستراتيجيين والخبراء في الإدارة. كما في إعطاء فيض من المعلومات من جانب مبعوثي الوكالة للمهاجرين لدفعهم للهجرة، مع تقديم المساعدات المادية والحقوق الاجتماعية ومنحهم الجنسية قبل وصولهم. وإقامة المشاريع الحكومية الكبرى مثل قناة المياه التي تربط بين البحر الميت والبحر الأبيض المتوسط، بحيث يتحول هذا المشروع مشروعاً تطوعياً لجذب آلاف اليهود الشبان.
فضلاً عن تطوير الاستيطان والبنى الاستيطانية وخصوصاً في هضبة الجولان الغنية بالمياه والأرض الخصبة، وفي مناطق القدس ومحيطها. وتجنيبهم مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة التي أصبحت مقبرة لعصابات المستوطنين. مع إعطاء المهاجرين فور قدومهم امتيازات مادية وإعفاء ضريبي ورعاية اجتماعية بنسبة اكبر من الواقع الحالي، ولفترة انتقالية تمكنهم من الاستقرار. فالمستوطن في مناطق الاستيطان الجديدة يكلف دولة الاحتلال 17 ضعفاً مما يكلفه الإسرائيلي في رامات غان أرقى وأغلى أحياء تل أبيب.
وخلاصة القول إن انتفاضة الشعب الفلسطيني لعبت دوراً بارزاً في الحد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وكذلك تراكم أعداد المهاجرين اليهود في الهجرة المعاكسة إلى خارج فلسطين، حيث يلعب الاستقرار الأمني دوراً مهماً في جذب المزيد من يهود العالم إلى فلسطين، فضلاً عن العامل الاقتصادي المهم والمؤثر أيضاً، و قد تتراجع أرقام الهجرة اليهودية باتجاه فلسطين في السنوات 20022010.
حيث اجتذبت إسرائيل أكثر من مليون يهودي من دول الاتحاد السوفييتي السابق، و بقي الكم الأكبر من يهود العالم في الولايات المتحدة بتعداد يقارب ستة ملايين يهودي، وفي فرنسا 700 ألف يهودي، وهذه البلدان بطبيعة الحال لا تعتبر من المنابع الخصبة للهجرة الاستيطانية الإجلائية إلى فلسطين المحتلة، بسبب من ارتفاع مؤشرات التنمية الاقتصادية والبشرية فيها، والبحبوحة التي يعيشها اليهود هناك كمواطنين على أرض بلدهم الأصلية، وهي بالتالي مناطق استقرار لهم.
وعلى هذا الأساس تتردد الكلمات التالية داخل دولة الاحتلال: «القوة المعنوية للاستيطان (التوسعي) على أرض فلسطين ذات البعد الأيديولوجي الروحي في صفوف يهود العالم تراجعت جداً قياسا للعقود الماضية، ففي حين كان يطلق على المستوطنين خاصة القدامى منهم اسم (الطلائعيين) فان المستوطن الحالي ليس سوى باحث عن فرصة أفضل للعيش والامتيازات في مكان جديد في العالم».
* جدار الفصل
لم تكن عملية بناء جدار الفصل العنصري على طول الحد الفاصل بين فلسطين 1948، وفلسطين 1967 بعيدة عن اقتطاع أجزاء واسعة من الأرض المحتلة عام 1967 وضمها إلى داخل مناطق الدولة العبرية. ولم تكن العملية ذاتها بعيدة عن تطويق منطقة القدس الكبرى (المدينة والضواحي) بالجدار الفاصل، وتحويله إلى (غلاف) يزنر المدينة المقدسة في ظل الضم القسري الذي جرى للقدس بعد احتلالها الكامل. فالجدار يلتف حول المدينة ليطوقها ويحصر بداخله كتل المستعمرات الكبرى، في خطوة تمتزج فيها عقلية الأمن والسياسة مع فلسفة التهويد والضم الزاحف.
وبشكل عام، شكلت مسألة بناء الجدار الفاصل موضوع نقاش مستديم منذ فترة ليست بالقصيرة داخل الدولة العبرية قبل انطلاقة انتفاضة الأقصى والاستقلال الفلسطينية بسنوات، واتخذ هذا النقاش حالة من الاحتدام بين مختلف الكتل السياسية الإسرائيلية. فقوى اليمين رأت فيه تقييداً وتحديداً مسبقاً لحدود ومساحة الدولة العبرية. بينما نظرت قوى يمين الوسط ويسار حزب العمل إلى الموضوع من زاوية نفعية براغماتية لخدمة الأمن الإسرائيلي بالدرجة الأولى، معتبرة بأن المشروع لايعدو أن يكون أفضل حل لأسوأ وضع.
أما الأحزاب العربية في إسرائيل وبعض تلاوين يسار كتلة ميرتس فقد وجدت فيه تكريساً لسياسة عنصرية تهدف إلى خنق الفلسطينيين بين الجدار غرباً وحدود السيطرة العسكرية الإسرائيلية شرقاً على امتداد أغوار الأردن من الجنوب إلى الشمال. ويعتبر وزير الشرطة السابق في عهد اسحق رابين الوزير موشيه شاحال، الأب الروحي للمشروع إلى جانب المفتش العام السابق للشرطة رافي بيلد، حيث ولدت الفكرة أنذاك أثر عملية بيت ليد الفدائية المزدوجة التي نفذها استشهاديان من حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وقتل فيها 23 عسكرياً إسرائيلياً.
وكانت فكرة سياج الفصل تقوم على حجز نحو 20% من مساحة الضفة الغربية، لكن المشروع لم ير النور لأسباب مختلفة منها أسباب مالية وأسباب تتعلق برؤية رابين للجدار الذي أراده سياجاً للأمن بينما أراده بيريز سياجاً فاصلاً للأمن ومحققاً التعاون الاقتصادي في آن، فان كان الفصل اقتصادياً جلب الضرر للمنتج الإسرائيلي الذي شكلت له الضفة الغربية سوقاً اقتصادية تستهلك سنوياً ما قيمته ثلاثة مليارات دولار، علاوة على أن «سياج الأمن» إن طبق اقتصادياً ألحق الضرر بأحلامه الشرق أوسطية. لذلك قوبل المشروع بالرفض حينذاك من قبل رابين وبيريز.
وفي مارس 1996 قررت الحكومة الإسرائيلية الفصل بين المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وبين السكان المقيمين فوق الأرض المحتلة عام 1948 من أجل السيطرة على حركة السيارات والبضائع والمشاة، كما تضمنت الخطة إنشاء منطقة تماس. الخطة أطلق عليها اسم خطة «متساديم» لإنشاء عائق على امتداد منطقة التماس ومنع المرور في المناطق المكتظة سكانياً وشق طرق للدوريات الحدودية واستخدام وسائل سيطرة وتحكم واعتراض متطورة لكن الخطة راوحت مكانها.
ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في 28/9/2000 فان «مجلس الأمن القومي» وما يسمى «هيئة مكافحة الإرهاب» قررا بأن منطقة التماس لا تلبي الهدف المخصص لها كمنطقة عازلة فعالة وناجعة، لذلك حول أيهود باراك مشروع الجدار الفاصل إلى حقيقة جدية على ساحة النقاش في نوفمبر 2000، وكرسه شارون في يونيو 2001 كحقيقة على الأرض عندما كلف معهد فان لير ومديره البروفيسور شمشون تسلينكر بوضعه بمشاركة العشرات من خبراء الاقتصاد والتعليم والديموغرافيا والأمن، وبإسهام فاعل من أوري ساغي الرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية وجلعاد شير، وصادق عليه المجلس الوزاري في يوليو 2001 تحت عنو��ن «خطة منطقة التماس» بما في ذلك التبني الكامل لمشروع «غلاف القدس».
وكان شارون قد أعلن في خطاب له يوم 21/2/2002 ولادة خطة الفصل. شارون عرض خطته في خطابه تحت عنوان خطة «المناطق الفاصلة»، التي كان الجيش الإسرائيلي قد نظر فيها سابقاً تحت عنوان «إقامة مناطق تماس» على يد رئيس «هيئة مكافحة الإرهاب» يحيعام ساسون الذي يعمل تحت إدارة رئيس «مجلس الأمن القومي الإسرائيلي» الجنرال عوزي ديان. وتضمنت خطة شارون للفصل إعادة تقطيع جديدة للأراضي الفلسطينية وتحويلها إلى واقع جديد، وهي بهذا تتعدى حدود اصطناع البانتوستانات التي تحشر داخلها قطاعات بشرية فتحولها إلى تجمعات معزولة تحت السيطرة والمراقبة الدائمة.
وترتكز الخطة على النقاط التالية:
إقامة قطاع بعرض خمسة كيلومترات في الأراضي الفلسطينية على طول الخط الفاصل بين أراضي الـ 67 وأراضي الـ 48. أما في الأراضي الفلسطينية التي تقع في الخاصرة الإسرائيلية مثل حدود قلقيلية وطولكرم، والتي يصعب إقامة مناطق عازلة فيها فسيتم إقامة سياج فصل بدون قطاع عريض. وفي غور الأردن سيكون قطاع الفصل بعرض 20 كيلومتراً وكذلك الأمر في قطاعات أخرى حول القدس.
المنطقة الواقعة داخل مناطق الفصل سيعلن عنها كمنطقة عسكرية مغلقة. ومن لا يسكن فيها لا يستطيع أن يدخل إليها، والمزارعون الفلسطينيون الذين تقع أراضيهم في المنطقة سيحصلون على تصاريح للعمل في أراضيهم. وفي المناطق الفاصلة سيقيم الجيش الإسرائيلي عدة معوقات لتصعيب حركة ما أسماهم صاحب الخطة «حركة المخربين». وبالتالي سيقام سياج لمنع مرور الناس بمناطق مكتظة بالسكان من طرفي خط التماس.
أما بقرب المدن «الإسرائيلية» على حدود خط التماس سيقام سور مضاد للرصاص مع حراسة بواسطة معدات إلكترونية بما في ذلك أجهزة إنذار مبكر وكاميرات على الأرض، فضلاً عن مرابطة قوات متحركة من حرس الحدود. ومنع مرور السيارات الفلسطينية.
ويستند دعاة الفصل إلى مسألتين اثنتين: المسألة الديموغرافية وضرورة فصل سكان مناطق 1948 عن السكان الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة حرصاً على استمرار التفوق الديموغرافي اليهودي، والمسألة الأمنية.
وفي المسألة الأولى، فإن التقديرات التي أعطاها معهد فان لير بأن أغلبية يهودية ستكون حتى نهاية العقد الجاري بين الأردن والبحر بنسبة 51%، وأن هذه النسبة ستصبح 47% في العام 2020، وفي العام 2050 ستكون 37% فقط. أما إذا تم تحديد خط الفصل من الآن ففي نهاية العقد الجاري ستكون هناك أغلبية يهودية داخل حدود الدولة العبرية ما وراء الخط بنسبة 78%، وفي العام 2050 سيشكل اليهود 74%.