لم تتوقف محاولات التهويد في الضفة وقطاع غزة وخاصة في القدس عبر التضييق على سكانها ومصادرة أراض وعقارات لصالح الاستيطان الإسرائيلي في المدينة، حيث طردت سلطات الاحتلال مئة ألف فلسطيني عام 1948 منها ونحو خمسة وعشرين ألفاً عام 1967. هذه السياسة تستهدف اقتلاع الفلسطينيين وطمس المعالم العربية والإسلامية في المدينة المقدسة حيث يلف القدس طوقان من المستوطنات يسكن فيهما نحو (200) ألف مستوطن إسرائيلي.

وهناك مخططات جاهزة لفرض حقائق جغرافية إسرائيلية على الأرض يصعب الانفكاك عنها عند بدء المفاوضات الفعلية حول الوضع النهائي لمدينة القدس حيث تتفق كافة الأحزاب بأن تبقى مدينة القدس الموحدة بشطريها الشرقي والغربي العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل ولتمتد مساحتها على ربع مساحة الضفة الغربية التي تصل مساحتها إلى حوالي (5800) كم2.

و تبقى الإشارة إلى أن السلطات الإسرائيلية حاولت منذ عام 1948. أي منذ احتلالها الجزء الغربي وكذلك في عام 1967 بعد احتلالها الجزء الشرقي من المدينة، حاولت وضع خطط لتهويد المدينة .

وتغيير معالمها العربية والإسلامية، فجذبت العديد من اليهود وبنت لهم أحياء يهودية تحيط بالمدينة، وهناك محاولات لفرض وقائع على الأرض في وسط المدينة وقامت السلطات الإسرائيلية باعتداءات متكررة على المعالم التاريخية في القدس وعلى المقدسات. كان أهمها إحراق المسجد الأقصى في 21/8/1969.

ولم تكن انطلاقة انتفاضة الأقصى في يوم الخميس 28/9/2000 سوى التعبير الحقيقي لإصرار الشعب الفلسطيني على الحفاظ على أرضه وقدسية القدس وحضارتها العربية، وما زالت القدس على الرغم من مراحل الاحتلال المختلفة شامخة في آثارها وحضارتها ورموزها العربية المختلفة، ولا ينقص اهلها سوى الدعم المادي والمعنوي للحفاظ على شموخها الأبدي.

لقد شاع في السنوات الأخيرة مصطلح الخطر الديمغرافي العربي على« إسرائيل » ويكثر تناول المصطلح المذكور بعد كل تصريح لمسؤول صهيوني، وبعد انتهاء أعمال مؤتمر هرتسيليا في نهاية عام 2003 اتفق جميع القادة الصهاينة على خطاب موحد إزاء ما يسمى الخطر الديمغرافي العربي على « إسرائيل »، وللأسف كرر الإعلاميون في العالم العربي والإسلامي المصطلح الصهيوني المنشأ.

من المعلوم ان الخطوات الصهيونية للزحف اليهودي إلى أراضي فلسطين وخاصة إلى مدينة القدس قد رسمت في المؤتمر الصهيوني الأول في بال السويسرية في نهاية أغسطس من عام 1897، وبذلك توضح أن الخطر الأهم على الشعب الفلسطيني والقدس يتمثل بالخطر الديموغرافي اليهودي، حيث اليهود هم الأداة الرئيسية لتحقيق السيطرة على الأرض والمقدسات.

وفي دراستنا هذه سنحاول رصد الخطوات اليهودية والصهيونية للزحف إلى فلسطين وبالتحديد إلى مدينة القدس ومحاولات إيجاد حقائق يهودية في القدس يصعب تغييرها.

*أولى القبلتين

وفي هذا المجال لابد من الإشارة لما للقدس من مكانة خاصة في إطار القضية الفلسطينية، ومشاعر المسلمين، حيث أنها تعد «أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين»، والقدس من أقدم مدن العالم، وقد تعرضت عبر تاريخها الطويل الذي يعود إلى ما يقرب من خمسة آلاف عام إلى ثماني عشرة محاولة تدمير وإعادة بناء.

وبقيت رغم ذلك من أبرز الرموز الحضارية والدينية في العالم، وقد نشأت النواة الأولى لمدينة القدس في الألف الثالث قبل الميلاد على تل الظهور ( الطور - تل أوفل )، الذي يقع إلى الجنوب الشرقي من المسجد الأقصى المبارك الآن. أما عوامل اختيار هذا الموقع فتعود لأسباب أمنية متمثلة بحماية هذه المدينة الناشئة، التي ساعدت مياه عين أم الدرج، في الجانب الشرقي من الطور على توفير الاحتياجات المائية لسكانها.

ولم يأت البناء على جبل الطور من قبيل المصادفة: فمن الجنوب يحيط بها وادي الرباية، ومن الشرق وادي جهنم / قدرون، ومن الغرب وادي الزبل. وهكذا تكون المدينة محاطة بمناطق طبيعية صعبة من الجهات الثلاث يغدو أمر اقتحامها من قبل الغزاة مستعصياً، إلا من الجهة الشمالية.

وقد لاحظ المؤرخون أن جميع الجيوش التي احتلت القدس قديماً وحديثاً دخلتها من الشمال. أما ما يعرف بالقدس القديمة اليوم، فهي تلك الأحياء من القدس التي نشأت بعد هجر النواة الأولى للمدينة مع مرور الزمن.

والتي تقع داخل سور القدس الذي بناه السلطان العثماني سليمان القانوني عام 1542 م بطول 4 كيلو مترات وله سبعة أبواب، وبنيت الأحياء بداخل السور على مرتفع: بيت الزيتون في الشمال الشرقي من المدينة، ومرتفع ساحة الحرم في الشرق ومرتفع صهيون من الجنوب الغربي.

سنحاول وفي متن فصول الكتاب، إلقاء الضوء على الخطر الديموغرافي اليهودي على مدينة القدس وسنرصد التغيرات السكانية وغيرها في المدينة خلال الفترة ( 1897 - 4002 (، واستشراف ما ستكون عليه المدينة حتى عام 2010، خاصة وأن المدينة المقدسة كانت ولا تزال محور هجمة صهيونية مبرمجة لفرض الامر الواقع اليهودي في نهاية المطاف، فباتت هدفاً رئيسياً للاستيطان لجهة خلق غالبية يهودية وقائع يصعب الإنفكاك عنها.

في الوقائع التاريخية الحديثة والمعاصرة، تعتبر دولة الاحتلال الصهيوني الدولة الوحيدة في العالم التي قامت بالقوة وباستيراد البشر من كل مكان واستيطانهم بعد إجلاء واستلاب الأرض من أصحابها الشرعيين.

ورغم أن الأمم المتحدة قد أقرت تقسيم فلسطين وفق القرار 181 لعام 1947 الجائر الذي خصص للدولة العبرية مساحة بحدود 5893 ميلاً مربعاً بنسبة 47. 56 % من مساحة ارض فلسطين التاريخية مرتبطاً ببقاء كل الفلسطينيين .

حيث هم على ارض وطنهم داخل وخارج حدود التقسيم، فضلاً عن إقامة الدولة العربية الفلسطينية على الأجزاء الباقية من ارض فلسطين البالغة مساحتها 4476 ميلاً مربعاً بنسبة 88. 4 % من أرض فلسطين التاريخية، مع جيب دولي صغير في منطقة القدس مساحته 68 ميلاً مربعاً بنسبة 65. 0 % من أرض فلسطين التاريخية.

إلا أن الدولة العبرية تجاوزت القرار الدولي بالرغم من الإجحاف الكبير الذي ألحقه بالفلسطينيين وتمددت على أجزاء إضافية من ارض فلسطين وصولاً إلى احتلالها الكامل عام 1967، وفي حقيقة الأمر، فان قراءة متأنية تلحظ بأن قرار التقسيم قد دعا إلى إقامة دولتين واحدة عربية بالكامل، وثانية مختلطة (يهودية+عربية) حيث:

في الدولة العربية، كان العرب يمتلكون من مساحة الأرض 69. 77 % من إجمالي مساحتها، بينما لم يكن يملك اليهود إلا 84. 0 % وكانت هناك أراضٍ مسجلة باسم الدولة تبلغ نسبتها 74. 20 % من إجمالي المساحة المخصصة للدولة العربية، والباقي ونسبته 73. 0 % كان لملاكين آخرين.

* الأرقام تتكلم

في الدولة اليهودية المقترحة كانت نسبة ملكية العرب تعادل 24. 32 % من مساحتها، مقابل 38. 9 % من الأرض التي تم تمليكها لليهود على يد سلطات الانتداب البريطاني، بينما كانت نسبة الأراضي المسجلة باسم الدولة 04. 66 %، ونسبة ما يمتلكه الآخرون ممن ليسوا عرباً أو يهوداً 34. 0 %.

وروعي في قرار التقسيم أن تشمل الدولة اليهودية معظم اليهود الذين قدموا إلى فلسطين بفعل الهجرات التوسعية الاستيطانية التي هيأ لها الانتداب البريطاني ودول الغرب الأوروبي إلى فلسطين، وبذا فهي كانت تضم آنذاك 498 ألفاً من اليهود والبالغ عددهم 608 آلاف نسمة وبنسبة 9. 81 % بينما في منطقة القدس الدولية 100 ألف نسمة بنسبة 5. 16 % من إجمالي عدد اليهود، كما أبقي عدد ضئيل منهم في الدولة العربية بنسبة 6. 1 %.

وأبقى قرار التقسيم عدداً كبيراً من السكان العرب على أرضهم في إطار الحدود المخصصة للدولة العبرية (405 آلاف نسمة من إجمالي عدد السكان العرب في فلسطين البالغ آنذاك مليوناً و237 ألف نسمة بنسبة 9. 32 %).

كما أبقى القرار 105 آلاف نسمة من السكان العرب في منطقة القدس الدولية وهم يشكلون نسبة 5. 8 % من إجمالي عدد السكان العرب على كامل أرض فلسطين آنذاك. وباختصار فان: الدولة العربية: 725 ألف نسمة من العرب + 10 آلاف نسمة من اليهود. بنسبة عربية تبلغ 64. 98 %.

الدولة اليهودية: فإن واقعها يقول انها دولة مختلطة، حيث 498 ألف نسمة من اليهود + 407 آلاف نسمة من العرب. بنسبة يهودية تبلغ 03. 55 % ومن هنا نلحظ بأن الدولة العبرية ليست سوى كيان مختلط حسب قرار التقسيم إلا أن الدولة الصهيونية لم تحترم حتى حدود هذا القرار المجحف والظالم بالحقوق الوطنية والقومية للشعب العربي الفلسطيني.

حيث تعتبر إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي أقيمت بقرار دولي، فتجاوزته بالاستيلاء على أغلبية أرض فلسطين التاريخية واستتبعت ذلك بالاحتلال الكامل لها عام 1967.

في السياق ذاته كان إسحاق رابين قد كشف في كتابه (ملف خدمة) وقائع طرد أبناء الشعب الفلسطيني من على أرضهم، حيث كان رابين ضابط عمليات قوات البالماخ الصهيونية (الصاعقة) التي احتلت وسط فلسطين في منطقة اللد والرملة، واشرف رابين شخصياً على طرد أكثر من 80 ألف فلسطيني بالمذابح وقوة النار.

في الوقت الذي قاد فيه إيغال ألون حملته على لواء غزة وبئر السبع ولاحقاً لواء الجليل ومدينة صفد، بعمليات الترانسفير التي تواصلت على امتداد الأرض الفلسطينية عشية نكبة 1948. وللتوضيح أكثر، وحسب الوثائق البريطانية والملف الدولي للاجئين رقم 245 الصادر في لندن عام 1993، ففي عام 1947 وقبل إعلان تقسيم فلسطين كان عدد سكان فلسطين: مليوناً و450 ألف نسمة من المواطنين العرب الفلسطينيين.

وبملكية عربية للأرض الزراعية والعقارية تتجاوز مساحتها 5. 26 مليون دونم، 650 ألفاً من اليهود بملكية لا تتجاوز 950 ألف دونم من الأرض، ومنهم 152 ألف يهودي عاشوا مع الشعب الفلسطيني وحملوا الجنسية الفلسطينية والعدد الباقي 498 ألفاً دخلوا إلى فلسطين خلال مرحلة الانتداب البريطاني.

وبعد قرار التقسيم وبفعل الهجرة اليهودية المتواصلة أصبح اليهود يشكلون 23 % من السكان باعتبارهم مواطنين فلسطينيين، والعرب 67 %، بملكية عربية تبلغ 25 مليون دونم. أما الأرض التي تم استملاكها من قبل اليهود بعد تقديمها من قبل سلطات الانتداب البريطاني للوكالة اليهودية.

حيث بلغت مساحة هذه الأرض 581 ألف دونم من إحدى عشرة مدينة. ومع نكبة فلسطين عام 1948 فقد تم تهجير واقتلاع وتدمير 532 قرية وبلدة ومدينة فلسطينية، وتم مسح عدد كبير منها من الوجود وأقيم مكانها المستعمرات والمدن الاستعمارية اليهودية.

تركزت عمليات التدمير والإجلاء والاستيلاء بشكل رئيسي تجاه قرى مناطق شمال فلسطين في الجليل وطبريا والساحل من عكا وحيفا شمالاً حتى جنوب يافا، كما في منطقة اللد والرملة فضلا عن منطقة القدس وشمال قطاع غزة. وبلغ عدد القرى المدمرة بشكل كامل 418 قرية وبلدة عدا عن إحياء كاملة في المدن المختلفة.

وعليه ـ وبناء على التقديم التاريخي أعلاه ـ شهدت فلسطين سيلاً من الهجرات اليهودية المنظمة من قبل الحركة الصهيونية قبل عام 1948، وهو العام الذي شهد في مايو منه إنشاء الدولة الصهيونية، ويمكن ملاحظة ست موجات هجرة خلال الفترة 1880ـ 1948.

فقد هاجر نحو 758. 482 يهودياً إلى فلسطين خلال فترة الاحتلال البريطاني لها 1919-1948، منهم 6. 89 % من يهود أوروبا وأميركا، ونسبة 4. 10 % من قارتي آسيا وافريقيا، بينما مثلت الموجة الخامسة الموجة الذهبية من حيث أرقام الهجرة الاستيطانية الكولونيالية التهويدية للأرض الفلسطينية.

حيث هاجر إلى فلسطين خلال الفترة 1932-1939 نحو 225 ألف يهودي معظمهم من يهود ألمانيا ودول أوروبا الغربية وبولندا، ثم اجتذبت الحركة الصهيونية العالمية ما مجموعه 118300 يهودي إلى فلسطين خلال الموجة الأخيرة التي سبقت الإعلان عن قيام الدولة العبرية على 77 % من مساحة فلسطين التاريخية وتحديداً ما بين 1940-1948، ليصبح مجموع اليهود في فلسطين في 15 مايو 1948 عند إعلان قيام الدولة العبرية 650 ألف يهودي.

* اللحظة الذهبية

سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1948 إلى جذب المزيد من يهود العالم إلى فلسطين لغرض إحداث انقلاب ديمغرافي كامل لصالح أغلبية يهودية. أما الفترات الذهبية للهجرة اليهودية إلى فلسطين بعد النكبة خلال الأعوام الممتدة 1948-2000.

فقد تمثلت بالفترة الأولى 1948-1960، حيث ساهمت الهجرة اليهودية خلالها بنحو 69 % من إجمالي الزيادة اليهودية، وتراجعت أرقام ونسب المساهمة فيما بعد، فلم تتعد مساهمة الهجرة 45 % خلال الفترة 1961-1971، ونسبة 5. 21 % خلال الفترة 1972-1981.

وبلغت أدنى حد لها خلال الفترة 1989-1983 فبلغت نسبة 5. 7%. ومع انهيار دول الاتحاد السوفييتي السابق دقت اللحظة الذهبية أمام الحركة الصهيونية لجلب قوافل الاستيطان التهويدي إلى أرض فلسطين وتحديداً في بداية عام 1990 فبدأت أرقام هجرة اليهود السوفييت تتراكم باتجاه فلسطين المحتلة، وقد وصل خلال الفترة 1990-2000 نحو مليون يهودي .

وهي أكبر هجرة استيطانية على الإطلاق في تاريخ الهجرات وعمليات الاستيطان الكولونيالي التهويدي على أرض فلسطين. وساهمت الهجرة بأكثر من 67% من إجمالي الزيادة السكانية اليهودية خلال الفترة المذكورة، ليرتفع عدد اليهود في فلسطين المحتلة، من 650 ألفاً في عام 1948 إلى 2. 5 ملايين يهودي في نهاية عام 2000.

وتشير الدراسات المتتبعة لحركة الاستعمار اليهودي في الأراضي العربية المحتلة إلى أن حزب الليكود وريث اليمين العقائدي القومي الصهيوني قام ببناء ما يقارب من 1. 70 % من المستعمرات فوق الأراضي المحتلة عام 1967، في حين ساهم حزب العمل ببناء حوالي 9. 29% منها.

ومعظم المستعمرات تم بناؤها بين الأعوام 1976 و1982 وبين الأعوام 1989 والعام 1991. في حين تباطأ تأسيس المستعمرات الجديدة على حساب استمرار عمليات توسيع وتسمين ما هو قائم منها، ولم يشفع للأرض الفلسطينية الاتفاقات التي وقعت.

ومنذ توقيع اتفاق أوسلو1 وحتى اتفاق أوسلو2 وصولاً إلى انطلاق شرارات انتفاضة الأقصى والاستقلال الفلسطينية لم تتوقف حركة توسيع وزيادة استيعاب المستعمرات القائمة فتم مصادرة أكثر من 450 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية بقصد توسيع المستعمرات القائمة وشق الطرق الالتفافية، عدا عن بناء مئات النوى الاستيطانية (مستعمرات البؤر ـ الكرافانات).

إن نظرة بسيطة للخارطة الرقمية للاستعمار الاستيطاني التهويدي توضح المأزق الكبير الذي يعترض المسيرة التفاوضية على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي..

فالوجود الاستعماري اليهودي في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة والجولان، بات يستخدم كذريعة كبرى بيد ليس فقط قوى اليمين الصهيوني بشقيه التوراتي والقومي العقائدي بل وعند صف واسع من القوى الأخرى داخل إسرائيل للتمسك بالأرض المحتلة منذ العام 1967، وفرض السيطرة والسيادة الإسرائيلية عليها.

وفي العودة للوقائع التاريخية، تميل أطراف إسرائيلية عديدة للقول بأن إقامة المستعمرات اليهودية على ارض فلسطين في سنوات 1920 ـ 1923 في منطقة الجليل الغربي والجليل الشمالي (حنيتا، أيلون، ميسوبا، ).

وأكثر من 50 مستعمرة بين سنوات 1936 و 1939، وفي نهاية الثلاثينات بالاستعمار المكثف في جنوب النقب وأصبع الجليل، وحملة الاستعمار التهويدي الكبرى في أوائل الأربعينات من القرن الماضي في شمال وغرب النقب، كل هذه العمليات الاستعمارية أدت في نهاية المطاف إلى ضم النقب وأجزاء واسعة من أرض فلسطين التاريخية إلى الدولة العبرية وفق قرار التقسيم.

وتالياً ساهمت في خلق وقائع أثرت على الحدود المستقبلية عام 1948 للكيان العبري، وأصبحت حدود وقف إطلاق النار هي حدود المستعمرات.

* حماية المستعمرات

في السنوات اللاحقة تم دفع الحدود باتجاه المناطق العربية الأخرى في الجولان ز بعد اتفاقية الهدنة عام 1949 ز وفي المناطق الفاصلة بين خطي وقف إطلاق النار وفق حرب 1948 في الضفة الغربية والقدس والقطاع.

وحتى على الحدود الفلسطينية ـ المصرية. وجاءت عملية دفع الحدود لإعطاء مجال حيوي أوسع أمام المستعمرات الحدودية، وهذا الأمر ظهر بشكل واضح في منطقة الحدود السورية مع الكيان العبري، حين بررت إسرائيل اعتداءها المتواصل فترة الخمسينات .

وبداية الستينات على الجبهة مع سوريا، لحماية مستعمرات الحدود الممتدة من أصبع الجليل شمالاً وحتى جنوب بحيرة طبريا ومثلث الحمة السوري ـ الفلسطيني ـ الأردني. ولذا فإن بعض الاتجاهات المحسوبة على العمل وأطيافه، ومعظم الليكود والقوى المؤتلفة تعتبر أن المستعمرات هي التي تحدد مجال نفوذ الدولة العبرية وتالياً حدودها في إطار الحل النهائي في المفاوضات القادمة.

ومما يعزز هذه الرؤية الإسرائيلية أن الاتفاقات المرحلية التي تمت حتى الآن أبقت المستعمرات اليهودية في الضفة والقطاع واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وآخرها التجمعات الاستعمارية في محيط وقلب مدينة الخليل (الحي اليهودي مستعمرة كريات أربع، مستعمرة تل الرميدة.. ).

بالمقابل هناك وجهة نظر إسرائيلية أخرى تطلقها أقلية يهودية من بعض أركان ائتلاف ميرتس الثلاثي (راتس، شينوي، مبام)، تقول بأن إقامة المستعمرات في الحرب لم يكن .

ولن يكون له أي تأثير على تحديد الحدود، وتعتبر أن قوة السلاح هي التي حددت حدود الدولة العبرية وليس الاستعمار التهويدي، حيث لم تؤثر المستعمرات الكبيرة في وسط سيناء (يميت، رفيح، أوفيدا، بنيعوت، ) على تحديد الخط الدولي بين الدولة العبرية ومصر.

في هذا السياق، فان عمليات الاستيطان الجائر واستعمار الأرض الفلسطينية وتهويدها تراجعت قليلاً للخلف على أرضية تواصل الانتفاضة من جانب والخسائر التي وقعت بصفوف المستوطنين ذاتهم في العمليات الفدائية التي لم تهدأ طوال ما يقارب العامين منذ انطلاق شرارة الانتفاضة الفلسطينية ـ الثانية. وبالمقابل تواصلت عمليات مصادرة الأرض.

وإنشاء البؤر الاستيطانية التي لم يجد معظمها من ساكنين لها من المستوطنين الجدد بالرغم من كل التسهيلات والمنح المالية التي قدمتها الحكومات الإسرائيلية التي تعاقبت منذ مؤتمر مدريد عام 1991 والى حينه. ففي عهد بنيامين نتانياهو تم إنشاء 42 مستعمرة، وتم بناء 6045 وحدة استعمارية استيطانية في عهد أيهود باراك، وهناك 35 مستعمرة وبؤرة استيطانية منذ قدوم أرييل شارون.

ومع أن الكم الأكبر من المستوطنين المستعمرين على أرض الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة ينتمون إلى تيارات اليمين القومي الصهيوني «الأيديولوجي» بشقيه التوراتي العقائدي والعلماني ومجمع مجلس الاستيطان (يشع).

ومع استمرار التسهيلات الحكومية المالية والتشجيعية، وتوفير المزيد من الحماية العسكرية خاصة للمستعمرات الصغيرة (البؤر الاستيطانية) إلا أن موجة تراجع ملحوظة قد لوحظت في تزايد الاستيطان، واقتصار النسبة الأكبر في الزيادة على النمو الطبيعي (المواليد ـ الوفيات).

وأفاد استطلاع للرأي أجراه معهد (هوب) في عدة مستوطنات بطلب من حركة «السلام الآن» المناهضة لعمليات الاستيطان التهويدي للأراضي الفلسطينية المحتلة، ونشرت نتائجه على صفحات الجرائد الإسرائيلية أن ثلثي المستعمرين اليهود مستعدون للانتقال من الضفة الغربية وقطاع غزة في سياق تسوية سياسية مع الطرف الفلسطيني مع دفع تعويضات مالية لهم.

وأن 68 % «يعترفون بحق المؤسسات الحكومية في تقرير إزالة المستوطنات في إطار عملية تفاوضية نهائية مع الفلسطينيين. وقال 26 % انهم سيمتثلون للقرار بعد معركة قضائية. بينما شدد 6 % من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع على معارضتهم بكافة الوسائل إخلاء المستعمرات، وهم الأقلية ذات النزعة « القتالية» على حد تعبير حركة «السلام الآن»..

ويمثلون 12 ألف فرد أو 2400 عائلة يقيمون في مستعمرات ظهور الجبال المطلة على المدن الفلسطينية وفي مستعمرات قطاع غزة. فضلاً عن أعداد إضافية منهم تقيم في مستعمرات هضبة الجولان السورية المحتلة. وشملت العينة التي أخضعت للاستبيان 3200 شخص من مراكز المستعمرات المختلفة.

من جانب آخر أفضت نتائج الاستطلاع ذاته إلى أن 59 % من المستعمرين اليهود على أرض الضفة الغربية وقطاع غزة يفضلون الحصول على تعويضات مالية، وأكد 10 % منهم انهم يريدون مسكناً داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وأشار 9% منهم الى انهم يصرون على البقاء في مواقعهم حيث هم الآن، وأبدى الباقي رغبته في الانتقال إلى مستعمرات مجاورة.