تشكل مدينة القدس جوهر القضية الوطنية للشعب الفلسطيني إلى جانب قضية اللاجئين وحقهم في العودة . وتعتبر قضيتها الرمزية الأكثر عدالة لشعب مقهور لم يذق طعم الاستقلال منذ ما قبل محنته الكبرى في 1948 وهي بهذا المعنى قضية عادلة وصارخة، لمدينة فريدة، وتاريخ فريد لشعب مازال يمتطي صهوة الفعل وإرادة الحياة، بالرغم من كل ما أحاط ويحيط به من عوامل الانكسار والاستبداد على يد طواغيت القوة.

يسلط هذا الكتاب الضوء على الممارسات الصهيونية التي استهدفت تهويد المدينة المقدسة والتوسع داخلها وخارج حدودها على نحو يلخص بشاعة الإجحاف الذي تمارسه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني بحاضره ومستقبله. ويسرد تاريخ المدينة وحضارتها من خلال معلومات دقيقة تؤكد عروبتها وهويتها الإسلامية المتسامحة مع الديانات السماوية الأخرى.

يعتبر «اليبوسيون» البناة الأوائل للقدس، وكانت في عهدهم تدعى: (يبوس) وهم من بطون العرب الأوائل، نشأوا في قلب الجزيرة العربية، وترعرعوا في أرجائها، ثم نزحوا عنها، مع نزوح القبائل الكنعانية، وإلى هذه القبائل ينتمون، إنهم أول من استوطن هذه الديار، وهم أول من وضع لبنة في القدس، وكان ذلك حوالي سنة 3000 قبل الميلاد.

كانت يبوس في ذلك العهد ذات أهمية كبيرة من الناحية التجارية والجغرافية، وكانت تعمها الخيرات الوفيرة. وعندما خرج بنو إسرائيل من مصر وأطلوا على أرض كنعان، رأوا فيها ما رأوا من خيرات وبركات، راحوا يغيرون عليها، بقصد امتلاكها، مدعين أنها الأرض التي «وعدهم الله بها»،

عندئذ أيقن الكنعانيون أن مصلحتهم تقتضي عليهم نسيان الماضي، يوم كانوا في حالة حرب مع المصريين، فطلبوا العون منهم، لأن بني إسرائيل كان دأبهم، كلما احتلوا مدينة أن يعملوا فيها وبسكانها النار والسيف، وأما المصريون، فقد كانوا يكتفون بالجزية، فلا يتعرضون لسكان البلاد، وعاداتهم ومعتقداتهم.

وبالفعل، لم يتوان المصريون في مد يد العون للكنعانيين، وقاتل المصريون والكنعانيون بني إسرائيل، إلى حين انشغل المصريون بمشاغل أخرى، فقاتل الكنعانيون بني إسرائيل وحدهم لفترة من الزمن، حتى تمكن الإسرائيليون من السيطرة على القدس عام 1049 قبل الميلاد، وخلال الفترة 1600 - 9401 قبل الميلاد، حدثت غزوتان كبيرتان على اليبوسيين، الأولى عام 1600 قبل الميلاد،

والثانية عام 1200 قبل الميلاد، وكانت الثانية أشد وأقوى وعلى الرغم من تمكن الإسرائيليين من دخول يبوس عام 1049 قبل الميلاد بيد أنهم لم يستطيعوا طرد اليبوسيين من مدينتهم ، وظلوا فيها رغم صعوبة الظروف.وتعترف التوراة صراحة، بأن بني إسرائيل لم يستطيعوا تنفيذ مآربهم، وورد بخصوص ذلك: «وبنو بنيامين لم يطردوا الييوسين، سكان أورشليم، فسكن اليبوسيون مع بني بنيامين في أورشليم، إلى هذا اليوم».

وعملياً، لم يكن لليهود تواجد سكاني يذكر في مدينة القدس، منذ قام الإمبراطور الروماني تيتوس بتشتيت بقاياهم في العام 70 للميلاد وحتى العهد العثماني، حيث لم يسجل خلال الفترة المذكورة سوى عائلتين يهوديتين في العام 1267م، ومع دخول فلسطين في العهد العثماني في عام 1516م، بدأ مجموع اليهود يتزايد في مدينة القدس بفعل التسامح الديني الذي انتهجته الإدارة العثمانية في البداية.

وتحت وطأة تأثير الضغوط، الاقتصادية والمادية التي تعرضت لها من الدول الأوروبية خلال عقودها الأخيرة، بلغ عدد اليهود في القدس عام 1525م، أي بعد أقل من عشر سنوات من الإدارة العثمانية ستة آلاف يهودي، وأخذ الوجود اليهودي في المدينة بالتزايد خلال السنوات التالية، إلى أن عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897.

فاحتل موضوع استيطان وتهويد القدس من أجل زيادة عدد اليهود، مكانة الصدارة في البيان الختامي للمؤتمر المذكور، ومنذ ذلك التاريخ بذلت المنظمات الصهيونية المنبثقة عن المؤتمر الصهيوني الأول كل ما في وسعها لإيجاد واقع جديد في القدس في سياق سياسة سكانية صهيونية مدروسة، تخدم الأهداف الأساسية للحركة الصهيونية، وبخاصة إقامة الدولة اليهودية المنشودة، بمادتها البشرية الكافية للاستمرارية في تنفيذ حلقات المشروع الصهيوني التالية.

وكان لوعد بلفور في عام 1917 وفتح بريطانيا، بصفتها الدولة المنتدبة على فلسطين، لأبواب الهجرة اليهودية على مصراعيها، كان لذلك بالغ الأثر في تسريع وتيرة زيادة مجموع اليهود في مدينة القدس، إذ وصل تعدادهم إلى 2. 51 ألف يهودي في عام 1931 يمثلون 6. 56 % من إجمالي مجموع سكان المدينة، ما لبث أن ارتفع مجموع اليهود ليصل 84 ألف يهودي يمثلون 2. 57% من إجمالي سكان المدينة المقدسة بعد مايو1948، وقد كان لطرد العصابات اليهودية حوالي 100 ألف عربي من الجزء الغربي المحتل من المدينة عام 1948 بالغ الأثر في رفع نسبة اليهود في هذا الجزء حتى عام 1967.

لقد مرّ على مدينة القدس شعوب وأقوام في العهود الغابرة، منهم اليبوسيون، الفراعنة، الآشوريون والبابليون، الفرس، اليونان، الرومان، وبعد ذلك مرت مدينة القدس بمراحل أساسية: عهد الإسلام، وفترة الحروب الصليبية، تلاها العهد المملوكي،

فالعهد العثماني، وبعد الحرب العالمية الأولى اقتسم الحلفاء سراً الوطن العربي فيما بينهم، وقاتل العرب إلى جانب الحلفاء ضد العثمانيين، ودخل الجنرال اللنبي بحملته إلى القدس عام 1917، وكان الجناح الأيمن لهذه الحملة مشكلاً من قوات الثورة العربية، معتقدين أن الحلفاء جاءوا لطرد العثمانيين من البلاد، وتسليمها لأصحابها، بيد أنه حصل ما لم يتوقعه العرب، فقد استعمرهم الإنجليز والفرنسيون والإيطاليون، وكان نصيب فلسطين للإنجليز، الذين مهدوا الطريق لدخول مزيد من اليهود إلى فلسطين واستيطانها، من أجل إقامة دولة إسرائيل.

وكان لوعد وزير خارجية بريطانيا بلفور في عام 1917 بالغ الأثر في دعم هذا الاتجاه، وبذلك ساعدت بريطانيا الحركة الصهيونية على الصعيد المادي والمعنوي في إنشاء إسرائيل، فخلال فترة الانتداب البريطاني 1919 - 8491، حصلت عدة موجات من الهجرة اليهودية إلى فلسطين إلى أن بلغ مجموع اليهود في فلسطين عشية إقامة الدولة العبرية الصهيونية 650 ألفاً، جزء منهم تركز في مدينة القدس، وقد قسمت مدينة القدس إلى قسمين القدس الجديدة: الغربية التي احتلتها العصابات الصهيونية في عام 1948، والقدس القديمة الشرقية التي احتلها الجيش الإسرائيلي في يونيو 1967.

وإن كان عام 1948 وهو العام الذي أقيمت فيه الدولة العبرية الصهيونية على نحو 78 % من مساحة فلسطين البالغة 27009 كيلو مترات مربعة، قد شكل منعطفاً هاماً في التركيز على عملية استيطان القدس لجعلها عاصمة أبدية للدولة الصهيونية، إلا أن المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بازل السويسرية في عام 1897 هو الذي وضع الأسس لإنشاء الدولة اليهودية المنشودة، ومركزية مدينة القدس في التوجه الصهيوني، خاصة من أجل تهويد فلسطين.

* الموقع الجغرافي

تقع مدينة القدس على دائرة عرض 31 درجة شمالاً وخط طول 35 شرقاً، وعلى بعد 65 كيلو مترا من ساحل البحر المتوسط، ونحو 40 كيلو متراً من نهر الأردن، وترتفع عن سطح البحر المتوسط 750 متراً، وعن سطح البحر الميت 1150 متراً، وهي حلقة من سلسلة تمتد من الشمال إلى الجنوب فوق القمم الجبلية للمرتفعات الفلسطينية، وترتبط بطرق رئيسية تخترق المرتفعات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وهناك طرق عرضية تقطع هذه الطرق الرئيسية لتربط وادي الأردن بالساحل الفلسطيني.

وأهمية الموقع الجغرافي للقدس هو جمعها بين ميزة الانغلاق الذي يكفل حماية المدينة، وميزة الانفتاح الذي يمنح المدينة إمكانية الاتصال بالمناطق والأقطار المجاورة، فضلاً عن مركزية موقع القدس عن سواها من المدن العربية الفلسطينية بالنسبة إلى فلسطين والعالم الخارجي.

بلغت مساحة القدس قبل عام 1948 حوالي 3. 39 كيلو متراً مربعاً منها 3. 9 كيلو مترات مربعة هي مساحة القدس القديمة، ملك منها اليهود حتى العام المذكور بطرق شتى 4% والباقي وقدره 30 كيلو متراً مربعاً وهي مساحة القدس الغربية، ملك منها اليهود 17% فقط، وبعد عدوان يونيو1967 أصبحت سلطات الاحتلال الصهيونية تملك نحو 84 % من عقارات القدس القديمة، وحوالي ثلثي المساحة الكلية منها.

وأشارت مصادر أخرى إلى أن مساحة مدينة القدس كانت قد قدرت في عام 1945 على النحو التالي:

أولاً: 868 دونماً داخل السور.

ثانياً: 18463 دونماً خارج السور.

ثالثاً: وبذلك يصل المجموع إلى 19331 دونماً.

رابعاً: كان العرب يملكون منها في العام المذكور 11191 دونماً تمثل 58%، في حين يملك المستوطنون اليهود 25%، أي حوالي 2835 دونماً، وشكلت الطرق والميادين وغيرها 17% أي حوالي 3035 دونماً.

ونتيجة لحرب عام 1948 واحتلال الجزء الغربي من مدينة القدس في العام المذكور، جرى تبديل في التوزيع المذكور، حيث إن اتفاقية رودس بين الأردن والدولة الصهيونية في 3/4/1949، وفي المادة الخامسة، الفقرة ب منها إشارة إلى خطوط الهدنة منذ 30 /11/ 1948، والتي قسمت على الشكل التالي:

أولاً: القدس الشرقية تحت السيادة الأردنية ومساحتها 2220 دونماً.

ثانياً: القدس الغربية التي احتلتها إسرائيل في عام 1948 ومساحتها 16261 دونماً.

ثالثاً: مناطق محرمة خاضعة لسلطة الأمم المتحدة ومساحتها850 دونماً.

وبعد أن أعلنت السلطات الإسرائيلية ضم القدس الشرقية في 30 /7 /1980، سعت إلى الاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي الضفة وضمها إلى القدس، فقدرت مساحة المدينة بقرابة 108 آلاف من الدونمات، ثم توسعت إلى القدس الكبرى، حتى وصلت مساحة المدينة إلى 123 ألف دونم، وهناك مخططات استيطانية لرفع نسبة أراضي القدس الشرقية وحدها لتصل إلى ربع مساحة الضفة الغربية قبل البدء في مفاوضات الحل النهائي التي تشمل المفاوضات على القدس.

فضلاً عن ذلك تجري محاولات إسرائيلية حثيثة لتطبيق سياسة سكانية مبرمجة لتهويد القدس خلال السنوات المقبلة، وذلك في سياق سياسة ديموغرافية، اعتمدت أساساً على طرد أكبر عدد من العرب الفلسطينيين من المدينة تحت حجج مختلفة، وجذب أكبر عدد من المهاجرين اليهود، خاصة من دول الاتحاد السوفييتي السابق إليها.

* الكنز الثمين

تعتبر حضارة القدس من أقدم وأعرق الحضارات في العالم، وقد تعرضت المدينة عبر تاريخها الطويل، الذي يعود إلى ما يقرب من خمسة آلاف عام من الآن، إلى ثماني عشرة محاولة تدمير وإعادة بناء، وبقيت رغم ذلك من أبرز الرموز الحضارية والدينية في العالم.

وقد أسس الكنعانيون المدينة المقدسة وأطلقوا عليها اسم أورشاليم، أي مدينة الإله شالم إله السلام عند الكنعانيين. كما أطلق عليها اسم يبوس. وهو اسم لإحدى القبائل الكنعانية التي هاجرت إلى فلسطين في عام 2500 قبل الميلاد.

واستطاع العرب بناء حضارة خاصة في القدس، حيث بقيت معالمها قائمة حتى اللحظة الراهنة. والتراث المعماري العربي الإسلامي خير دليل وكنز ثمين دال على ذلك. ومن خلال الحفاظ على هذا التراث العربي العريق في القدس، استطاع العرب تجسيد الإصرار على البقاء في ركب الحضارة الإنسانية العالمية. وتمتاز القدس عن مدن العالم بأنها مهد الديانات السماوية.

وأرض الأنبياء والمقدسات وفيها ثروة معمارية وحضارية لا تقدر بثمن، فكل حجر في القدس يحكي تاريخاً عربياً مجيداً. وفي بيت المقدس صلى الأنبياء. فالقدس من أهم صروح الحضارة العربية والإسلامية. باتت القدس نتيجة الحضارة والأوابد الإسلامية والعربية فيها، تضم أهم المعالم السياحية في فلسطين، وتبعاً لذلك أصبح دخل السياحة والصناعة السياحية من أهم الدخول للأسرة الفلسطينية في مدينة القدس،

هذا فضلاً عن كون السياحة ترفد الناتج المحلي الفلسطيني بقيمة مضافة جيدة، لكن السياسات الإسرائيلية في المدينة أدت إلى تراجع قيمة دخول السياحة الفلسطينية، وبالتالي تراجع أداء القطاع السياحي الفلسطيني سواء من ناحية العاملين فيه أو مساهمته في الناتج المحلي.

ومن أهم المعالم الحضارية التاريخية في القدس الأسوار، حيث يوجد ستة أسوار، وكان أول من بناها اليبوسيون سنة 2500 ق.م، والهدف من إنشائها تحصين المدينة المقدسة من اعتداءات الأقوام الأخرى. ولهذا توجد في الأسوار المذكورة أبراج لتكون دعائم لها، منها برج كبريت، وبرج اللقلق، كما توجد في القدس سبعة أبواب مستعملة وأربعة مغلقة والأبواب المستعملة هي:

باب العمود: ويعرف باسم باب دمشق، بناه السلطان سليمان القانوني في منتصف الحائط الشمالي للسور.

باب الساهرة: ويقع شرقي الباب الأول.

باب الأسباط: ويقع في الحائط الشرقي، وله طابع عثماني.

باب المغاربة: في الحائط الجنوبي للسور وهو أصغر الأبواب.

باب النبي داود: وهو باب كبير في الجنوب أيضاً.

باب الخليل: أو باب يافا في الغرب.

الباب الجديد: فتح سنة 1898 ويقع في الجزء الشمالي.

أما الأبواب المغلقة في القدس فهي: باب الرحمة وثلاثة أخرى.

ومن المعالم التاريخية الحرم الشريف الذي يقع جنوب شرقي المدينة القديمة، ويشرف على سهول اللطرون من جهة الشرق، ويتكون من ساحة فسيحة تأخذ شكل شبه منحرف قطع ضلعه الشمالي في الصخر. وتعتبر قبة الصخرة من أعجب المناظر في المعمورة. ويقول عنها المؤرخون الأجانب «لا أبعد سمواً ولا أغرب بنياناً من هذه القبة» وقد زينت بكسوة فسيفسائية تزين داخلها، وواجهة الجدران وأعلى الأعمدة المثخنة.

وهذه الزينة ترجع إلى عهد الخليفة عبد الملك بن مروان سنة 72 ه، وقد تجددت زخرفة القبة عدة مرات من القاشاني والرخام المعرق، أما النوافذ فزجاجها معشق، وسقوفها ذات لون ذهبي أخاذ، أما عن دقة تلك الفسيفساء فلا نستطيع أن نجد في الغرب مثل جمالها، فاستخدام عروق اللؤلؤ مقابل الضوء يجعلها تحتفظ بقيمتها الكاملة. أما المسجد الأقصى، فتعود بدايات إنشائه إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث أمر ببناء مسجد في الحرم القدسي.

غير بعيد عن موضع الصخرة التي بنيت عليها القبة. وهناك قول إن مسجد عمر أقيم في جزء من معبد روماني قديم ينسب إلى هيرود. وهدمه الإمبراطور الروماني تيتوس، ولكن من المعروف أن الوليد بن عبد الملك هو من أنشأ المسجد الأقصى في مكانه الحالي وذلك سنة 97 هجرية. ولم يبق من مسجد الوليد سوى العقود القائمة على أعمدة الرخام يمين القبة الصغيرة، وقد رمم المسجد الأقصى عدة مرات أيام حكم المماليك والعثمانيين، والمسجد الأقصى، عمل معماري تراثي يجمع بين البساطة والجلال.

* قلعة القدس

تعتبر قلعة القدس من أهم المعالم التاريخية والسياحية في مدينة القدس. وكانت القلاع انتشرت في فلسطين في الألف الثالث قبل الميلاد. والقلعة في القدس تتوسط المدينة، والأسوار تحيط بها، وفي بلدان الشرق الإسلامي العربي نجد قلعة دمشق والقاهرة وعتليت في فلسطين، إضافة إلى قلعة القدس.

وتقع قلعة القدس بين باب الخليل وباب النبي داوود. وهي تقوم على مرتفع صخري يشرف على القسم الغربي والجنوبي من مروج القدس، وتعتبر أضخم بناء في القدس. ويحيط بالقلعة خندق طمرت أجزاء منه خاصة الأجزاء التي تمتد من البرج الشمالي الغربي وباب الخليل، وتحتوي القلعة برجاً للمراقبة ومسجداً للصلاة وأماكن للسكن، وثكنات للجنود.

ونتيجة للتطور الحضاري في القدس ونشاط أهلها العرب، ارتفع مجموع المدارس للتعليم الثانوي والعالي ليصل إلى سبعين مدرسة، وبقي من هذه المدارس حتى عام 2004 أربعون مدرسة ماثلة للعيان وشاهدة على الحضارة العربية في المدينة المقدسة. وتقوم المدارس على أروقة المنطقة الغربية والشمالية للحرم القدسي الشريف، ومن أشهر المدارس في القدس، الكيلانية، والأغوتية، والمزهرية، والأشرفية.

ومن الآثار الحضارية الأخرى في مدينة القدس، الزوايا التي كانت تعد بالمئات، لكن الباقي منها أربعون، وهي بيوت للصوفية. منها زاوية (أبو مدين)، وزاوية الأدهية، وهي كهف تحت جبل الساهرة. فضلاً عن ذلك يعتبر المتحف الإسلامي من أهم المعالم التاريخية في القدس. ويحتوي على المخطوطات النادرة والمصاحف التي لا تقدر بثمن،

ويقدر عددها بنحو (650) مصحفاً كما توجد في المتحف (900) وثيقة تعود للفترة المملوكية وتضم معلومات في غاية الأهمية عن تاريخ القدس، وقد أسست مكتبة المسجد الأقصى في عام 1922 لتضم أرشيفاً ضخماً عن مدينة القدس. ومن قبلها أسست في عام 1900 المكتبة الخالدية التي تقع في مبنى أثري قديم في باب السلسلة.

وفي جانب آخر، وعلى درجة من الأهمية، ومنذ استيلاء البريطانيين على فلسطين عام 1917 - 8191 كانت الإدارة في ذلك الوقت إدارة عسكرية تعمل إلى جانبها لجنة صهيونية لوضع السياسة التي تحقق وتنفذ وعد بلفور، وقد قصرت الحكومة البريطانية تقصيراً كبيراً في تعليم أبناء العرب، بعكس اليهود الذين تولوا تعليم أبنائهم بأنفسهم، فقد بلغت نسبة الذين حرموا من التعليم من أطفال اليهود وهم في السن من خمس سنوات إلى سن الرابعة عشرة حوالي 3 %

بينما بلغت تلك النسبة حوالي 67% بين الأطفال العرب، الذين بقوا مشردين ومحرومين من التعليم والتعلم، إضافة إلى من لم يتقدموا بطلبات الدخول إلى المدارس من العرب لاعتقادهم بان الفرصة لن تسمح لهم، أو لعدم وجود مدرسة في قريتهم. وقد بلغت النسبة المئوية لعدد الطلبة في عام 1944 إلى عدد من هم في سن التعليم ( 5 - 41 ( سنة عند العرب 5. 32 % أما عند اليهود فقد بلغت 97 %.

وفي ظل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 قامت السلطات الإسرائيلية باتخاذ عدة إجراءات متعلقة بشؤون التعليم، ومنها ما يخص مدينة القدس، حيث عملت على إلغاء جميع البرامج التعليمية الأردنية والمطبقة في مدارسها واستبدالها بالبرامج المطبقة في المدارس العربية داخل فلسطين المحتلة 1948.

وقد اتخذت هذا القرار وزارة المعارف الإسرائيلية على أساس أن القدس أصبحت جزءاً من ما يسمى «دولة إسرائيل» وبناء على ذلك وضعت يدها على جميع المدارس الحكومية ومديريات التعليم الأردني وطلبت من الموظفين والعاملين في الجهاز التعليمي الانخراط في أجهزة التعليم الإسرائيلية.

وقد لاقت هذه الإجراءات الإسرائيلية معارضة كبيرة ورفضا من قبل موظفي سلك التعليم، الذين بعثوا بمذكرة إلى وزارة المعارف الإسرائيلية وأخرى إلى الحاكم العسكري الإسرائيلي،

ولكن سلطات الاحتلال رفضت ذلك وقامت باعتقال عدد كبير من المدرسين ومدير التعليم في القدس واستطاعت بالقوة فتح ست مدارس خلال الأيام الأولى للاحتلال، ولكن لم ينتظم في المدارس من الطلبة أو المعلمين إلا القليل. وقد عمدت سلطات الاحتلال إلى إهمال المؤسسات التعليمية وكرست سياسات تمس المضمون العربي والقومي للتعليم.

* سياسة التهويد

رغم كل الصعوبات والمشكلات وحملات الاعتقالات العشوائية والتوقيف المستمر في أوساط الطلبة والمعلمين، فلا يزال الإصرار الوطني على توسيع برامج التعليم والحفاظ على مضمونه الوطني والقومي، واستمر الوضع كذلك إبان فترة انتفاضة الأقصى، إضافة لذلك قامت سلطات الاحتلال بتعيين مدرسين من ذوي المؤهلات المتدنية في التعليم كحملة الثانوية العامة.

كما فرضت المناهج الإسرائيلية التي تعمل على تثقيف الطلبة وفق التربية الإسرائيلية التي تتجاهل الشعب الفلسطيني ووجوده وتؤكد على وحدة «الشعب اليهودي»، والولاء التام للدولة الصهيونية، وتهويد المجتمع الفلسطيني ومؤسساته، فمثلاً في مادة التاريخ يدرس الطالب نصف المنهاج للتاريخ العربي والنصف الآخر للتاريخ العربي واليهودي،

وفي مادة الأدب العربي تم حذف دراسة الشعر العربي الفلسطيني، وفي مادة الدين تدرس التوراة والأساطير اليهودية ، ولم يسمح بتدريس المنهاج الأردني إلا في المدارس الخاصة والمدارس التابعة لوكالة الغوث، في حين طبق المنهاج الإسرائيلي في المدارس الحكومية.

ثم طبقت سلطات الاحتلال عام 1968 المناهج الإسرائيلية السائدة في المدارس العربية داخل فلسطين المحتلة 1948 في المرحلة الابتدائية والإعدادية بهدف إعداد الطلبة للثانوية العامة الإسرائيلية، وفي العام الدراسي 1969- 1970 أعادت السلطات الإسرائيلية تطبيق المناهج الأردنية بشكل غير رسمي.

وقد أهمل الطلبة الفلسطينيون المناهج التعليمية الإسرائيلية لأنها تقوم على تشويه الحقائق الجغرافية للواقع الفلسطيني، حيث تم مثلاً استبدال كلمة فلسطين بكلمة «إسرائيل» والقدس بكلمة «أورشليم» كما قامت بتزييف الحقائق التاريخية وطمس العقيدة الإسلامية وتشويهها، فرأت أن الإسلام هو مجرد تربية روحية، وتاريخ الإسلام هو تاريخ كوارث وفتن، محاولة إقناع الطلبة بالأفكار الإسرائيلية، وبقي هذا الحال حتى عام 1971،

حيث اعتمدت سلطات الاحتلال سياسة أخرى منذ عام 1972 وهي استمرار تطبيق المناهج الإسرائيلية في المرحلة الابتدائية، أما في بقية الصفوف فكانت المناهج خليط من المناهج الأردنية والمناهج الإسرائيلية. ومنذ عام 1973 وحتى الوقت الحالي عادت المدارس الإعدادية والثانوية إلى تدريس المناهج الأردنية، أما المدارس الابتدائية فما زالت تدرس المناهج الإسرائيلية.

وتعتبر خزائن المسجد الأقصى من أهم دور الكتب الإسلامية، حيث كان المسجد الأقصى مركزاً فكرياً ومدرسة لتعليم العلوم الإسلامية. أما ما يخص المدارس فكان لها مكتباتها الخاصة بها، وكان لهذه المكتبات خزنة ومشرفون، ومن أشهر هذه المكتبات المكتبة الفخرية، حيث كانت غنية بمخطوطاتها الدينية والفلكية،

وقدر عدد مجلداتها بنحو عشرة آلاف مجلد، كما كان هناك قاعة مخصصة لكتب الشيخ محمد صالح الإمام شيخ المدرسة الأمينية. وقد فقدت القدس نتيجة للنكبات والهجمات العديدة على مدى التاريخ بالإضافة إلى الزلازل التي أصابتها، والمجاعات التي حلت بها، ونزوح وهجرة وتدمير الممتلكات، الكثير من الكتب والمخطوطات.

وعندما شكل المجلس الأعلى في فلسطين عام 1921 تنبه لهذه المأساة، فجمع الكثير من المخطوطات الباقية، وتم إنشاء دار للكتب في المسجد الأقصى، وقد بلغ عدد مجلدات مكتبة الأقصى حوالي أربعة عشر ألف مجلد. وبعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 للقدس سرقت سلطات الاحتلال الكثير من هذه المجلدات والكتب والمخطوطات إلى الجامعة العبرية وغيرها من مراكز الأبحاث الإسرائيلية.

وكان هناك العديد من مكتبات الأسر المقدسية الخاصة وقد ضاع الكثير منها بسبب الكوارث التي حلت بفلسطين والإجراءات الإسرائيلية، ومن أشهرها المكتبة الخالدية، ومكتبة الخليلي والبديري وغيرها. كما أن السلطات الإسرائيلية لم تبد أي اهتمام اتجاه مكتبات المدارس وتطويرها أو تزويدها بالكتب، بل قامت بتفريغ المكتبات المدرسية من الكتب وذهبت إلى أبعد من ذلك حين احتل الجيش الإسرائيلي في فبراير 2002 ، كافة المؤسسات الفلسطينية في القدس وعلى رأسها بيت الشرق الفلسطيني والمركز الجغرافي.