يعتقد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بأن العالم أمام مشهد مفعم بالتفاؤل بفضل سلطة المجتمع المدني ويؤكد أنه سيحاول انطلاقاً من منظمته الخاصة، العمل على الحفاظ على البيئة كطريق لتحقيق الازدهار الاقتصادي.

بيل كلينتون دخل ميدان النضال في سبيل بلوغ ذلك الازدهار المنشود كونه الرئيس الأميركي السابق الأكثر نفوذاً، وهو الموقع الذي شغله جيمي كارتر لمدة طويلة. ولقد توج كلينتون جهوده أخيراً بعقد اجتماع عالمي في نيويورك وذلك بموازاة قمة العالم الستين، التي عقدتها الأمم المتحدة، وحضره العديد من رؤساء وقادة العالم والمستثمرين والنقابيين بدعوة من «مبادرة كلينتون العالمية».

صحيفة «لا ناسيون» الأرجنتينية التقت الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون عشية انعقاد القمة والاجتماع آنفى الذكر في نيويورك وأجرت معه الحوار التالي:

ـ منذ أسابيع وبينما أعلن الجيش الجمهوري الأيرلندي تخليه عن استخدام القوة اثر 36 عاماً من اعتماد ذلك الأسلوب العنيف، كانت لندن ما تزال مزعزعة جراء الضربات الإرهابية. ماذا تبين لنا تلك المصادفة حول العالم الذي نعيش فيه؟

ـ في المقام الأول وفي جانب من الموضوع اعتقد بأن الجيش الجمهوري الأيرلندي تخلى عن استخدام القوة لأن الشعب الأيرلندي لا يريد مستقبلاً عنيفاً. وذلك يبين أننا ربما نقف على أعتاب حقبة من السلام، بعد أن شهدت أيرلندا الشمالية في الفترة الأخيرة نمواً اقتصادياً سريعاً، مما جعل الشعب كله وبغض النظر عن خلافاته يشعر بأنه مشترك في مستقبل واحد ولذلك فإن الجيش الجمهوري الأيرلندي عندما أعلن عن تنحية السلاح جانبا، فإنه كان يعكس إرادة شعبية عامة، وفي المقام الثاني، فإن واقع أن ايرلندا الشمالية لديها قيادة دينية مسؤولة كان له وزنه أيضاً.

فقد وافق الجيش الأيرلندي على أن تتم إدارة عملية تخليه عن الأسلحة ليس فقط من قبل اللجنة العالمية التي ساعدت في تنظيم عملية السلام في 1998، وإنما أيضاً من قبل قادة من الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية لكن هذه قصة وما حدث في لندن قصة أخرى، حيث يبدوأن أمر بعض الفتيان اليائسين الذين لا مستقبل لهم ولا يشعرون بأنهم يشكلون جزءًا من المجتمع قد انتهى إلى اتباع طريق مختلف تماماً حيث تأثير متدينين متشددين. ما الذي تبنيه لنا تلك المصادفة؟

تبين لنا إمكانية وجود إرهاب معولم في مجتمع مفتوح وتبين أن التأثير الديني يمكن أن يكون إيجابياً وسلبياً على حد سواء. عندما يعتبر أحد ما أنه يملك الحقيقة كلها ويحول ذلك إلى برنامج سياسي، فإن ذلك الشخص يعتقد بأنه يستطيع قتل من لا يتفق معه. وذلك هو الشر بعينه، أما الخير، فإنه الإيمان بأن الله يحث على الخير والمحبة وبضرورة البحث عن طريق التوفيق بين الاختلافات. وبالتالي فإني أرى أننا نعيش كلا الطريقين، الخير والشر في الوقت نفسه تقريباً وفي المكان نفسه، لكننا لا نرى فقط الرعب والموت في لندن، وإنما أيضاً صورة الطريق لمستقبل أفضل في ايرلندا الشمالية.

ـ هل يمكن اجتثاث الإرهاب ذي الأصل الديني؟

ـ الأهم، من منظوري، هو ابقاء الأمل حاضراً في قلب الناس، فعندما يتلاشى الأمل، فإن كل ما يتبقى هو العنف. والأشخاص الذين يفكرون بالغد يشعرون بأنهم كاملون وبأن لديهم تجارب إيجابية في الحياة، سواء في العمل أو المجتمع أو المدرسة ولا يتحولون إلى إرهابيين. الإرهاب يأتي نتيجة العزلة والشعور باختلال الثقافة المراد مهاجمتها. يمكن للدين ويتعين عليه أن يشكل جزءاً مهماً من الطريق إلى المستقبل المشترك الذي نريد بناؤه. وكذلك الأمر بالنسبة للارتقاء بمستوى المعيشة في البلدان الفقيرة.

ـ أليس من شأن رفع مستويات الاستهلاك لمئات ملايين الأشخاص في آسيا وأفريقيا أن يعجل بنفاد الموارد الطبيعية؟ ألن نواجه انهياراً بيئياً في حال بلغ جميع سكان الأرض المستوى نفسه من الاستهلاك الذي ينعم به سكان كاليفورنيا؟

ـ الإجابة الأقصر هي: نعم لكن الإجابة الأطول هي أنه من الممكن إيجاد ثروات من دون تدمير البيئة. ذلك هو التحدي الكبير، حيث يشهد العالم كله تراجعاً في احتياطيات المياه وتآكلاً للأراضي الخصبة وتضاؤلاً في إنتاج الحبوب أيضاً. أميركا الجنوبية تمثل واحدة من المناطق القليلة في العالم، التي تمكنت من زيادة إنتاج فول الصويا وحبوب أخرى بفضل التكنولوجيا ووفرة الأراضي الخصبة، لكن ذلك مجرد استثناء في العالم، أما القاعدة، فتتمثل في شحّ المياه والأراضي الصالحة للزراعة.

وبالتالي، فإن أحد أهم أهداف مبادرتي يكمن في إيجاد سبل لجعل الحفاظ على البيئة طريقاً لتحقيق الازدهار الاقتصادي، مع أننا ندرك أن رد فعل الأشخاص، لنقل في الصين أو الهند، يمكن أن يكون سلبياً، لأنهم قد يعتقدون بأن حماية البيئة ما هي إلا فخ نصبه الأميركيون والأوروبيون للحيلولة دون النمو الاقتصادي في تلك البلدان.

ولذلك يتعين علينا تشجيع استخدام الطاقة الشمسية والطاقة الهوائية والمساعدة على إضفاء صبغة شعبية على تقنيات الزراعة ذات الإنتاجية العالية، التي تساعدنا على حفظ الأرض والمياه. وبهذا الشكل سيفهم الناس أن حماية الموارد تجعلهم أكثر ثراءً وليس أكثر فقراً. والإحصائيات تظهر لنا تأثيراً إيجابياً آخر لزيادة مستوى المعيشة واستهلاك الناس، إذ كلما اغتنت الدول، فقد النمو السكاني حدته. وعندما يعرف أن أكبر تأثير سكاني على الكوكب موجود في البلدان التي لديها أكبر احتياطات من الغابات تتضح أهمية مساعدتهم على الخروج من حالة الفقر.

ـ قلت أخيراً إن على العالم الدخول في مرحلة ما بعد العولمة، ما طبيعة هذه المرحلة؟

ـ أحدثت عملية عولمة الاقتصاد تأثيرات إيجابية جداً، لكن الكثير من الناس لم تستفد منها. والطريقة الوحيدة لتوسيع تلك التأثيرات الميمونة هي وضع المجتمع المدني في قلب المشهد. أعتقد أنه قد آن الأوان لقيام المنظمات غير الحكومية والشركات ونقابات العمال والمنظمات العالمية بمحاولة لتطوير سياسة اجتماعية وبيئية تكون بمستوى التحديات والفرص التي تطرحها العولمة.

إن قضايا مثل التدهور البيئي وزيادة الفقر وعدم المساواة لا يمكن أن تتكفل قوى السوق وحدها بمواجهتها. وبالتالي فإني أعتبر أنه من غير الواقعي تخيل أننا قادرون على الحصول على اقتصاد معولم من دون استدراك فعل عالمي اجتماعي. فكرتي تقوم بالدرجة الأساسية على المساهمة بإنشاء مجتمع مدني عالمي مع مؤسسات تعبر الحدود الوطنية والإقليمية.

ـ ألست متفائلاً زيادة عن اللازم فيما يتعلق بالنتائج العملية التي يمكن تحقيقها؟

ـ أعتقد أننا نستطيع ونحن متحدون تحقيق نتائج واقعية في وقت أقصر مما هو متخيل. فالمجتمع المدني العالمي يتسع ويتمدد بشكل سريع منذ نهاية الشيوعية الحقيقية. وإذا نظرت إلى ما يحدث في العالم منذ سقوط جدار برلين في 1989، فسترى أن ثلاث ظواهر كبيرة تعطي شكلاً للعالم المعاصر. الظاهرة الأولى تتمثل في واقع أنه لأول مرة في التاريخ هناك أشخاص يعيشون في ظل حكومات ديمقراطية أكثر من الأشخاص الذين يعيشون في ظل الأنظمة الديكتاتورية. الظاهرة الثانية هي الانتشار العملي للإنترنت. أما الظاهرة الثالثة فهي توطيد المنظمات غير الحكومية كهيئات فاعلة على المستوى العالمي.

ـ إذا نحينا جانباً واقع أن الأمم الديمقراطية لا تخوض حروباً فيما بينها إلا في حالات نادرة، فما هي الفرص الأخرى التي أتيحت جراء الظواهر التي ذكرت؟

ـ إن التوسع في استخدام الإنترنت كأداة للمواطنين كان حيوياً، فلقد استخدم الصينيون، مثلاً، الإنترنت لإجبار حكومتهم على الاعتراف بجسامة خطر مرض الحمى الآسيوية (سارس) واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع انتشاره. أضف إلى ذلك نفوذ المنظمات غير الحكومية في البلدان السائرة في طريق التطور وفي البلدان الغنية، حيث لدينا مشهد يبعث على التفاؤل إلى حد كبير.

وانتشار المنظمات غير الحكومية من مؤسسة بيل غيتس، التي تنفق ملايين الدولارات على الأدوية في الهند وأفريقيا وحتى المنظمات الأصغر حجماً التي تعطي قروضاً صغيرة في أميركا اللاتينية وجنوب آسيا. حسناً، ما أعتقد أن بوسعي القيام به هو توفير فرصة لكل الناس لتركيز أفعالهم بطريقة تصبح معها أكثر فعالية. وآمل بإيجاد مناخ يتمكن فيه قادة المستثمرين والنقابيين والسياسيين والمنظمات غير الحكومية من الجلوس معاً والقول: حسناً، هذه هي الأمور التي ينبغي أن نستهل العمل بها وننهيه خلال عام، وهذه هي الميادين التي نعتبرها حيوية لمستقبلنا المشترك.. إلخ.

ـ غالباً ما تشكل المشاريع الكبيرة دعوة لعمل الفاسدين، ألا تخشى من إمكانية ضياع كل هذا؟

ـ ليس ضرورياً أن تكون المشاريع كبيرة، أعتقد بوجود طرق متعددة لتمويل المشاريع من دون التعرض لخطر تغذية الفساد. ولذلك تعتبر نوعية الأشخاص أمراً أساسياً.

في بلدان كثيرة من الكتلة الشيوعية السابقة، يوجد أحياناً عشرون أو خمسون شخصاً متنفذون حقاً في الحكومة وسط بيروقراطية متعفنة، ما الذي نستطيع عمله؟ التعرف على الأشخاص الجيدين ومساعدتهم. وأنا أتفق على أنه عندما تكون الحكومة فاسدة، فإن المساعدة تعني رمي المال في القمامة.

ـ هل تتخيل نفسك عائداً إلى البيت الأبيض بصفتك «الزوج الأول»؟

ـ لا أعلم شيئاً عن هذا. وأنا فخور بزوجتي التي تقوم بعمل استثنائي في مجلس الشيوخ وستسعي إلى إعادة الانتخاب في 2006. وقبل التفكير بأي شيء آخر، عليها مواجهة تلك الحملة. وما أستطيع قوله هو إني سعيد للغاية بعملي في مؤسستي، ساعياً إلى إنقاذ حياة الناس وحل مشاكلهم.

ترجمة: باسل أبوحمدة

عن «لاناسيون» ـ الأرجنتين