الآن وقد أخلت إسرائيل قطاع غزة، فبوسعنا أن ننسى أمر أي مفاوضات جادة مع الفلسطينيين. فقد فعل رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون كل ما ينوي فعله، وكما جاء على لسان مستشار مقرّب منه في حديث مع صحيفة «هآرتس» قبل بضعة أشهر، فإنه لن تكون هناك أي مفاوضات جادة مع الفلسطينيين «حتى يتحوَّلوا إلى فنلنديين».

تبلغ مساحة قطاع غزة 340 ميلاً مربعاً، ويُعتبر من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية. ويعيش في القطاع أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين الذين أخرجهم الإسرائيليون من ديارهم. وستكون معجزة حقاً إذا أمكن إيجاد مجتمع قابل للحياة والازدهار في مثل هذه المنطقة الصغيرة شحيحة الموارد.

وفي هذه الأثناء، لم يحصل الفلسطينيون في الضفة الغربية والقدس الشرقية على شيء. فالمستوطنات الثانوية التي وافق شارون على تفكيكها لا تمثل سوي حبّة واحدة في كومة رمل. وهو لا ينوي تفكيك المستوطنات الأكبر، التي تحوي حوالي 250 ألف يهودي. وليس لديه أي نيّة لوقف بناء الجدار المشجوب عالمياً، والذي يسميه الفلسطينيون «جدار الفصل العنصري». فهو برغم كل شيء، مؤسس تلك المستوطنات ومؤسس الحركة الاستيطانية بوجه عام.

ولو حدث في أي بلد آخر في العالم أن وجدت مستوطنات لا يسمح لغير اليهود العيش فيها، وتربط بينها طرقات لا يسمح لغير اليهود استخدامها، لاعتبر ذلك مثالاً صارخاً على التمييز إن لم نقل العنصرية. لكن إسرائيل هي الاستثناء الأعظم الذي لا تنطبق عليه المعايير الأخلاقية الأميركية. فإسرائيل تفصل ما يحلو لها والحكومة الأميركية تنصاع لإرادتها وتحميها من عقوبات الأمم المتحدة، وتقدم لها تبرعات سنوية لا تحلم بها أي منظمة خيرية في العالم.

إذن ماذا يعني هذا بالنسبة لنا؟ إنه يعني أن جوهر أسباب الإرهاب سيبقى بدون حلّ. فالإرهاب ما هو إلا استجابة عسكرية من الدرجة الدنيا للمشاكل السياسية. وما لم تحل المشاكل السياسية، لن يكون هناك أمل بوضع حد للإرهاب. فالفلسطينيون لن يرحلوا عن هذه الأرض ولن يقبلوا البتة بأن ينتهي بهم الحل الدائم لمجموعة مهمشة بائسة في مجتمع مقطع الأوصال.

من الصعب على الأميركيين إدراك اليأس والإحباط والإذلال والمصاعب التي يفرضها الإسرائيليون على الفلسطينيين، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في أرض أسلافهم ـ الأرض التي يشتهيها الإسرائيليون. ولقد اعترف الفلسطينيون منذ زمن طويل بحق إسرائيل بالوجود، لكن لن يكون هناك سلام، ولا نهاية للإرهاب. حتى يعترف الإسرائيليون بحق الفلسطينيين بأن تكون لهم دولتهم المستقلة.

إن فعل ذلك لا يتطلب تفكيك المستوطنات. فبإمكان الحكومة الإسرائيلية التعامل مع المستوطنين اليهود بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع الفلسطينيين الذين رفضوا مغادرة ديارهم. بإمكانها أن تعيد رسم الحدود وتقول للمستوطنين اليهود بأنهم يستطيعون البقاء حيث هم، لكنهم سيكونون مواطنين في دولة فلسطين، وليس إسرائيل. وبالطبع فإن هذا لن يحدث أيضاً. ومقولة أن صديق عدوي هو عدوي ليس مقولة حصرية للشرق الأوسط، بل هي حكمة بديهية. إذا قام أحدهم بقتل عائلتي وأنت ساعدته، فإنني سوف أقتل كليكما عندما تسنح لي الفرصة.

والحكومة الأميركية، بسماحها للإسرائيليين أن يظلموا الفلسطينيين، إنما هي تراكم بركاناً من الكراهية. وبعبارة أخرى فإن سياستنا الخارجية الملتوية الضالة حيال الإسرائيليين والفلسطينيين ليست غداء مجانياً. بل إننا سندفع ثمنها، ونحن دفعنا الثمن بالفعل، لكن الأمر لن ينتهي عند هذا الحد.

وثمة عزاء واحد للمتدينين من اليمين المسيحي الذين يؤمنون بأن من واجبهم أن يحبّوا إسرائيل. وهو أنهم عندما يسقطون صرعى في هجوم إرهابي، فسوف يعرفون على الأقل بأنهم ماتوا في سبيل دعم النزعة التوسعية الإسرائيلية والحركة الاستيطانية للمتعصبين الدينيين اليهود الذين يكرهون المسيحيين حتى أكثر من كراهيتهم للمسلمين.

ترجمة: علي محمد

عن موقع «أنتي وورد»