في الذكرى الرابعة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر أجرى موقع «توم ديسباتش» الإخباري مقابلة مع المؤلف والكاتب الصحافي جيمس كارول، مؤلف كتاب «الحرب الصليبية: تسلسل زمني لحرب غير عادلة»، وهو الكتاب المتوقع بحسب آراء النقاد أن يكون من أفضال الأعمال التي تؤرخ لما يسمى بـ « الحرب على الإرهاب».
خلال المقابلة تحدث الكاتب، وهو ابن جنرال سابق في الجيش الأميركي كان المدير المؤسس لوكالة استخبارات الدفاع التابعة للبنتاغون- تحدث عن المشهد العالمي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ،2001.
وكيف أنه يرى أن الولايات المتحدة الأميركية قد انهزمت بالفعل في حربها على «الإرهاب» وفي العراق. وتطرق الحديث إلى الأزمة التي تعانيها الولايات المتحدة الأميركية على الصعيد العسكري بعدما فقدت جاهزيتها الحربية على حد تعبيره. وفيما يلي مقتطفات من المقابلة:
ـ في سبتمبر 2003 ، أي بعد خمسة أشهر فقط على غزو العراق، كتبت عمودا صحافيا بعنوان: «خسرنا الحرب في العراق. ماذا يتعين فعله لمواجهة هذه الحقيقة الآن؟» وها نحن الآن بعد عامين مما حدث. ماذا تم وما هو الذي ينبغي فعله من أجل مواجهة تلك الحقيقة؟
ـ يهمني الآن ذلك الأمر المتمثل في أن المدافعين عن تلك الحقيقة الآن هم هؤلاء الناس الذين شعروا أكثر من غيرهم بمرارة خسارة الحرب؛ إنهم آباء وأمهات الجنود الأميركيين الذين قتلوا في الحرب.
وإنني أشعر بالدهشة عندما أجد أن مواجهة تلك الحقيقة في شهر أغسطس كانت هي الشغل الشاغل لهؤلاء الآباء فحسب من دون غيرهم، سواء أكان هؤلاء الآباء مؤيدين للحرب أم معارضين لها. لقد عبرت سيندي شاهين عن أحد جوانب هذا الأمر عندما قالت بوضوح إنه مهما كانت القيم التي قد تنطوي عليها، فإن تلك الحرب لا تستحق ما نتكبده من جرائها، ويتعين إنهاؤها على الفور.
وعلى الجانب الآخر هناك الآباء الذين يحاولون انطلاقاً من اليأس تبرير فقدان أبنائهم في الحرب، والذين يريدون أن تستمر تلك الحرب حتى يكون هناك معنى لفقدان الأبناء ولا يكون هؤلاء قد ماتوا سدى بلا أي جدوى. كلا الطرفين يواجه الحزن الأبوي، وبوسعي القول إنهما يواجهان الظاهرة الأكبر نفسها وهي الظاهرة المتمثلة في خسارة الحرب.
لست متأكدا مما إذا كنا سنسمع شيئا من هذا القبيل من أي أب لو أننا كنا قد كسبنا الحرب. ومع الأخذ بالاعتبار حجم المأساة الكبيرة المتمثلة في فقدان ولدك في حرب يجري خسارتها، فإن أحدا لا يمكن أن يتعرض لذلك السؤال المتعلق بما إذا كانت تلك الحرب عادلة أم لا.
أنه ليحزنني بالفعل في السياق السياسي الأميركي عدم مناقشة القضايا الإنسانية والسياسية الأكبر المتعلقة بهؤلاء الآباء الذين انفطرت قلوبهم حزنا وكمدا. أين هم الديمقراطيون؟ وأين هم الجمهوريون في السياق نفسه؟ هل كانت هناك مناقشة لتلك الحرب في ردهات الكونغرس؟ أعني أنه أثناء حرب فيتنام كانت هناك جلسات استماع لفولبرايت.
لقد كان السيناتور الديمقراطي وليام فولبرايت معارضا للرئيس الديمقراطي ليندون جونسون عندما بدأت جلسات الاستماع تلك، وكان هذا أمراً مؤكدا. أين جلسات الاستماع اليوم؟ نحن لدينا نظام سياسي من المفترض أن يتناول القضايا الكبرى ولكن من الواضح أن النظام لا يتناول شيئا. ما هي المدة التي نحتاجها كي نستطيع أن نواجه هذه الحقيقة؟
يا له من أمر مرعب حقا أن يضطر هؤلاء الآباء المفجوعين إلى مواجهة الحقيقة والاعتراف بها، وذلك لأنه حتى إذا كانوا معارضين للحرب، كما هو موقفي أنا، فإنهم ليسوا هم الأطراف الذين ينبغي لنا أن نبحث لديهم عن الحكمة السياسية من أجل الوصول إلى كيفية تسوية المأساة الكبيرة التي نعيشها.
ـ في مارس 2004 وفي أول ذكرى للغزو، كتبت للمرة الثانية العبارة التي أنهيت بها كتابك « الحرب الصليبية» التي تقول فيها : «مهما يحدث بداية من هذا الأسبوع فصاعدا في العراق، فإن النتيجة الواضحة لتلك الحرب فيما يتعلق بموقف الولايات المتحدة الأميركية هي أننا قد هزمنا أنفسنا»؟.
ـ كنت وقتها أتحدث في ضوء ما تعلمته بالفعل من تاريخ القرن العشرين الذي لخصه بشكل جيد للغاية جوناثان شيل في كتابه «العالم الذي لا يمكن غزوه». فهو يستشهد بعدة أمثلة يبين فيها كيف أن حركات المقاومة الوطنية المتمركزة على نطاق واسع يكون بالامكان هزيمتها حتى على أيدي أعتى القوى العسكرية العالمية.
ورأى من واقع قراءته المتعمقة للأحداث أن القرن الأخير متخم بالكثير من تلك الأمثلة. ولعل أوضح تلك الأمثلة بالنسبة لأميركا هو حربها في فيتنام، حيث لم يكن للقوة العسكرية الهائلة أثر في مواجهة حركة مقاومة مثلت أقلية تعتمد على الشعب الأصلي للبلاد.
ومن الواضح أن ما يطلق عليه في العراق حركة تمرد هو أيضا حركة مقاومة تمثل الأقلية من الشعب التي هي معظمها من السنة، وأن كونها تمثل الأقلية لا يمثل أي فارق. فهناك شعب أصلي يحتوي تلك المقاومة، وهذا الشعب الأصلي هو الذي يغذيها. واتضحت كل تلك الأمور على نحو سريع. وفي الواقع أعتقد أن الأمر كان واضحا للرئيس الأسبق جورج بوش الأب في 1991.
لم تكن حرب فيتنام هي التي نحتاج التعلم من دروسها منذ بداية حرب العراق، وإنما كان يتعين علينا الاستفادة بالفعل من حرب الخليج الأولى وقرار بوش الأب المتماشي مع مبادئ السياسة الطبيعية بوقف الحرب اعتمادا على معرفته الأكيدة بأنه لا مجال لإلحاق الهزيمة بحركة دينية شعبية تعتمد على الشعب الأصلي ومستعدة للقتال حتى الرمق الأخير.
ـ إذاً أين نقف نحن الآن من منظورك؟
- لقد أتضح للناس بالفعل الآن أننا لا نستطيع أن نفوز بتلك الحرب. ولكن من يعرف معنى أننا هُزمنا؟ لقد قلت إننا خسرنا لأننا لا نستطيع فرض إرادتنا على شعب العراق. فهذا هو ما يوضحه ذلك الوضع المعقد دستوريا الآن.
فمنذ شهر مضى كان رامسفيلد يصر على أنه يجب أن تكون هناك اتفاقية تضم ثلاثة أطراف. وفي أغسطس أتضح أنه لن تكون هناك أي اتفاقية من هذا القبيل. ولذلك هناك الآن اتفاقيتان استبعد منهما الطرف السني.
وبشكل فعلي جاءت تلك التطورات السياسية لتجعل من الُسنة حركة مقاومة، وذلك لأنه تم استبعادهم من مستقبل العراق. فهم ليس لديهم أي نصيب في نفط البلاد، وليس لديهم أي مجال للوصول إلى القوة السياسية الحقيقية في بغداد. وبالتالي لم يعد لديهم ما يفقدونه،الأمر الذي يمثل وصفة للدخول في قتال لا ينتهي.
ـ لقد دُهشت بتصريحات صدرت أخيرا عن عدد من كبار القادة العسكريين الأميركيين في العراق تحدثوا فيها عن تقسيم للقوات وانسحابات وأمور من الواضح أنه لم يتم التصريح لهم بالتحدث فيها من قبل واشنطن.
ونتيجة لمثل تلك التصريحات يصبح لديك عائلات جنود حانقة وروح معنوية متردية وصعوبات جمة في استقطاب جنود جدد إلى جيش كل قوامه من المتطوعين. وعلى قمة الهرم هناك جنرالات لم يرغبوا منذ بادئ الأمر بالخدمة في العراق ولا يريدون أن يكونوا هناك الآن؟
ـ حسنا لقد اضطر هؤلاء إلى أن يكونوا على رأس التدمير الذي يلحق بجيش الولايات المتحدة الأميركية، بما في ذلك النظام المدني الخاص بدعم الجيش، ألا وهو الحرس الوطني وقوات الاحتياط الفاعلة. هذه هي أهم نتيجة لتلك الحرب كما كانت الحال في فيتنام، فنحن سوف ندفع ثمن تلك الحرب لجيل كامل.
ـ في ضوء علمك بأسلوب البنتاغون، ماذا تعتقد أن يكون ذلك الثمن؟
ـ للأسف يمكنني القول إن أحد الأشياء التي سنعود إليها هو الاعتماد المُجهد على القوة الجوية والضربات التي تنفذ عن بعد. من الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية في ظل تلك الإدارة لن تسمح على سبيل المثال لإيران بالمضي قدما بأي حال من الأحوال في امتلاك أسلحة نووية. والسبيل الوحيد المتاح لعرقلة الإيرانيين في هذا الصدد هو استخدام سلاح الجو.
لم يعد لديهم جيش يكفي لممارسة أي ضغوط. وإذا كان تدمير جيش الولايات المتحدة الأميركية أمرا مخيفا، فإن إعفاء أو استثناء سلاح الجو وسلاح البحرية من الكارثة الحالية هو أمر مخيف أيضا؛ فهذان السلاحان يتبعان القوات الهجومية ذات القدرة على إصابة الأهداف من مسافات بعيدة. فهذا هو سبب وجودهما، كما أنهما لم يتعرضا إلى أي إصابات ومحتفظان بقدراتهما.
وقد تمت إحالة صواريخ هذين السلاحين من طراز توماهوك وكروز إلى التقاعد. نحن لدينا تلك القوة الهائلة الموجودة قبالة سواحلنا وسنقوم بالتأكيد بالعودة إلى استخدامها.
أحد الأشياء التي تدعي الولايات المتحدة الأميركية أنها تعلمتها من التسعينات هو أننا لن ندع حركات الإبادة الجماعية مثل تلك التي وُجدت في رواندا أن تبدأ مرة أخرى.
حسنا لقد قمنا بتدمير الوسيلة العسكرية الوحيدة التي نملكها للرد على مثل تلك الحركات التي تُقدم على حملات إبادة جماعية، وهي القوات البرية. أنت لا تستطيع استخدام القوة الجوية ضد حركة تستخدم المناجل في القتال.
وإذا كنت من ضمن هؤلاء الذي يعتقدون أن مثل ذلك الصراع لن يقع في أماكن يستشري فيه الفقر والكوارث البيئية بشكل مخيف، فإن عليك بمراجعة فكرك.
ـ فما هو نوع الرد الذي يمكن للولايات المتحدة ان تمارسه من دون أن يكون لديها جيش يؤدي خدمة فعلية؟
ـ نحن الآن في موقف مثل الذي كان فيه الإتحاد السوفييتي قبل أن ينهار ويتحول إلى روسيا كما هي الآن. فعندما لم تستطع دفع رواتب جنودها، عادت روسيا للاعتماد على ترسانتها النووية كمصدر أساسي للطاقة.
وبشكل لم يكن الإتحاد السوفييتي أبدا عليه، أصبحت روسيا الآن قوة عسكرية تعتمد بشكل جذري على الطاقة النووية. لم يعد الجيش الأحمر يمثل الكثير.
وها نحن الآن نفعل الشيء نفسه في أنفسنا في العراق. هذا هو معنى أن تكون قد خسرت الحرب بالفعل. لم يكن هناك عدو قد دفعنا إلى تلك الخسارة. لقد فعلنا هذا بأنفسنا.
ترجمة حاتم حسين
عن «توم ديسباتش»