إعادة النظر في المناهج المدرسية والتقليل من أساليب التلقين وزيادة الاعتماد على مصادر التعليم وتقنياته ورفع مستوى المعلم الوظيفي ضرورات طالب بها أكاديميون، مؤكدين أهمية تغيير فلسفة التعليم وتهيئة الطالب للعيش في عصر المعلومات.

كما أشاروا إلى ان مؤسسات التعليم العالي تنفق القسط الأكبر من ميزانيتها على إعداد الطالب وتأهيله للدراسة الجامعية حيث تنفق الجامعات الحكومية وكليات التقنية من 20ـ 25% سنويا من مخصصاتها لتأهيل خريجي الثانوية العامة للالتحاق بمؤسسات التعليم العالي.

ما هي السبل التي تساعد على تنمية شخصية الطالب وهل هناك أنظمة تعليمية مثالية في ذلك وما هي دواعي ضعف مستويات خريجي الثانوية العامة، وما الحلول لتقليص الفجوة بين التعليم العام والعالي؟

يرى الدكتور حنيف حسن مدير جامعة زايد ان مخرجات التعليم العام بحاجة إلى مراجعة وتطوير جذري وهو ما أكد عليه معالي وزير التربية والتعليم من خلال جولاته على المدارس ولجان الامتحانات، ويعكس المستوى المتدني للمناهج المدرسية والتي لا تتناسب وطالب المرحلة الثانوية، وتتابعاً بالتالي فإن مخرجات التعليم العام ضعيفة لافتا إلى ان هناك فجوة بين توقعات مؤسسات التعليم العالي والمستويات الأكاديمية العالية التي تحرص هذه المؤسسات على تطبيقها.

ولتقليص الفجوة يقترح د. حنيف حسن العديد من الحلول أهمها، إعادة النظر في المناهج وطرائق التدريس في الثانوية العامة، بحيث لا تضطر مؤسسات التعليم العالي إلى إعادة تأهيل الطالب للالتحاق بالجامعة أو الكلية، وكذلك التركيز على المواد الأساسية في التعليم العام، مثل مهارات الاتصال والرياضيات والعلوم واللغة الانجليزية ومهارات الحاسب الآلي مشيرا إلى ان جامعة زايد تقوم بأكثر من مبادرة في هذا المجال.

ومن أهمها الإشراف على تدريس اللغة الانجليزية والعمل مع المدارس على تطوير هذه المادة وطرق تدريسها وخاصة المدارس التي يأتي منها الطالبات الملتحقات بجامعة زايد، كما تقوم الجامعة بدعم من سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة بالتعاون مع منطقة أبوظبي التعليمية في إقامة ورش عمل وحلقات سينمار للعاملين في الميدان التربوي للارتقاء بطرق التدريس.

كما أكد مدير جامعة زايد أهمية التكامل والعمل بين مؤسسات التعليم العالي وبين التعليم العام كون ان هذه المخرجات تصب في بوتقة واحدة وتمثل مدخلا للتعليم العالي.

* مبادرات تعليمية

وفي السياق نفسه يرى الدكتور هادف بن جوعان الظاهري مدير جامعة الإمارات أن التعليم خلال الفترة الماضية حقق إنجازات كبيرة، ساهمت مؤسسات التعليم العالي في تحقيق أهداف الخطط التنموية فيه.

ويقول: على الرغم من ان الجهود التي بذلت في مجال تطور العملية التعليمية كما وكيفا الا انه لم يحقق الآمال المعقودة عليه حيث انه بحاجة إلى مزيد من تسيير نوعيته ورفع مستوى جودته وزيادة فعاليته وادخال تعديلات جذرية في محتواه ووسائله وأدواته وأهدافه.

ويؤكد ان الطالب اثناء دراسته أو بعد تخرجه في النظام التربوي يعتبر الطرف الأساسي الذي تتمثل في سلوكه وشخصيته مخرجات التعليم التي تنعكس على أدائه لأي عمل فهي كذلك تنعكس على دوره الاجتماعي وممارسة شؤون حياته الأخرى وإن طبيعة ومستوى وأنواع مخرجات التعليم هي العامل الرئيسي في تقرير مدى اسهام الخريج في العمل التنموي.

مشيرا إلى ان مخرجات التعليم لم تؤد بعد إلى التنمية الشاملة لشخصية الطالب لعدة أسباب أولها عدم وجود رؤية واضحة لدى معظم الأنظمة التربوية والتعليمية في البلاد العربية عن التنمية الشاملة التي تنشدها وبالتالي فإن مخرجات التعليم لا تعدو كونها إنتاجا فرديا قد يصيب وقد يحظى في سوق العمل وقد تتطلبه السوق لفترة وجيزة يصبح بعدها الخريج بحاجة إلى اعادة وتدريب.

وقال مدير جامعة الإمارات ان المناهج الدراسية بشكل عام في مراحل التعليم العام تتركز على التحصيل المعرفي وفي مستوياته الهرمية الدنيا وان تنمية شخصية الطالب لا تبنى، أو تنمى من خلالها كما ان هذه المناهج لا تزال تعتمد على الكم المعرفي ولم يعط بعد تعليم التفكير أو مهارات التفكير حقها، ويفتقر الطالب أيضا إلى العديد من المهارات سواء كانت مهارات اللغة أو استخدام الحاسب الآلي.

ولذلك فإن الفجوة بين التعليم العام والعالي تؤثر على أداء الطلبة في الجامعات، كون الطالب لم يعد الاعداد المناسب ولذلك تضطر الجامعة إلى سد هذه الفجوة، مما يتطلب الوقت والجهد والمال، لافتا إلى بعض المهارات التي لا يستطيع الطالب اكتسابها لأن الوقت يكون متأخرا، مما يؤثر على جهد التعليم الجامعي.

وأكد الظاهري ان السياسات والمبادرات التعليمية المقترحة للمرحلة المقبلة ستعمل على تطوير التعليم معربا عن أمله ان تحدث البرامج التطويرية التي تقوم بها وزارة التربية والتعليم بتوجيهات من معالي الشيخ نهيان بن مبارك وزير التربية والتعليم نقلة نوعية في تطوير التعليم العام بعد دمجه بقطاع التعليم العالي في وزارة واحدة.

* نتائج مشجعة

ويرى الدكتور طيب كمالي، مدير مجمع كليات التقنية العليا أن الفجوة بين التعليم العام والتعليم العالي موجودة ويجب ردمها ومعالجتها، مشيرا إلى ان العلاج لا يكون في المرحلة المباشرة التي تسبق التحاق الطالب بمؤسسات التعليم العالي، والتركيز على اجتياز امتحان اللغة الانجليزية وغيرها فحسب،

بل يكون جذريا من خلال اكتساب الطالب للمهارات التي تهيئه لمواصلة تعليمه العالي، وهي مهارات شديدة الصلة باللغة والاتصال والبحث الذاتي والتعلم الذاتي، اضافة إلى مهارات قيادية، دون ان ننسى أهمية وعي الطالب بالمتغيرات التي تحدث حوله، وبالعالم الذي يتحول تدريجيا إلى عالم رقمي.

وأشار د. كمالي إلى ان تجربة كليات التقنية العليا أثبتت انه متى ما توفر المناخ التعليمي الصحي والمناسب للتحصيل العلمي النوعي، فإن مخرجات العملية التعليمية ستحقق النجاح والتفوق، مؤكداً على أن توفير المناخ يشمل المبنى الدراسي وتجهيزه بأحدث المعدات والتقنيات التعليمية، اضافة إلى تكنولوجيا الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، كما تشمل الأنظمة التي تنظم الحياة داخل المدرسة وعلاقة الطالب بالهيئتين التعليمية والإدارية.

وقال إن تجربة كليات التقنية في توفير المناخ الصحي الذي يشجع الطالب على اكتساب المهارات الضرورية والرئيسية، أعطت نتائج عظيمة ومشجعة، وخريجو الكليات خير دليل على ذلك.

وأوضح د. كمالي أن المناخ الصحي في الكليات استطاع ان يؤثر وبشكل سريع أيضا على الطلبة الجدد، ويدفعهم لتطوير أنفسهم واكتساب مهارات جوهرية تعينهم على مواصلة دراستهم في الكليات، واختتم د. كمالي كلامه بتأكيده على ضرورة ان ينهض التعليم العام وبشكل سريع ونوعي ليواكب التقدم الذي حققته مؤسسات التعليم العالي في الدولة.

* تغيير المناهج

وطالب الدكتور عبداللطيف حيدر عميد كلية التربية في جامعة الإمارات التعليم العام بتغيير مناهجه، وتقليص الجوانب النظرية فيه، والتركيز على المهارات العلمية، تلبية لحاجات المتعلمين المتزايدة، وإتاحة فرص التعليم الذاتي، لتحسين مخرجات التعليم.

وقال د. حيدر ان خريجي الثانوية العامة يفتقرون لبعض المهارات الرئيسية المهمة التي تلزمهم لمواصلة الدراسات الجامعية بنجاح ومن أهمها مهارات الدراسة والاستذكار ومهارات التفكير والتواصل القرائي والشفهي والكتابي أو حتى اللغوي، مشيرا إلى ان ذلك يؤثر على أدائهم في الجامعات، فتضطر مؤسسات التعليم العالي إلى وضع برامج علاجية، سواء كان ذلك في الرياضيات أو في اللغة الانجليزية أو العربية، حيث يضطر الطالب لقضاء أكثر من سنة أكاديمية ليكون مستعدا للالتحاق بالبرامج الأكاديمية الجامعية، ولذلك تضطر الجامعة ان تقدم مثل هذه البرامج حتى لا تهبط إلى مستوى الطلبة الضعاف، ومع هذا فان الجامعات غير راضية تماما حتى مع هذه البرامج العلاجية.

واستطرد عميد كلية التربية بجامعة الإمارات قائلا: للإنصاف ليس جميع الطلبة يعانون من ضعف في هذه المهارات وانما قدر منهم يمر بهذه البرامج العلاجية مما يهدر وقته ووقت الجامعة أو الكلية وكذلك يسبب إنفاقاً كبيراً للجامعة، وهي ليست معنية فيه.

ولتقليص الفجوة يقترح د. عبداللطيف حيدر ان تعمل مؤسسات التعليم العالي والعام من مدارس ومناطق تعليمية ووزارة تربية على تحسين المناهج وطرق التدريس وأساليب التقويم، وربما مراجعة المنظومة التربوية بأسرها، بحيث يكون الطالب محور العملية التعليمية.

وبحيث تركز المناهج على جوانب الضعف الحالية التي نلمسها في بعض الخريجين، مؤكدا ان هذه المسألة ليست سهلة فهي بحاجة إلى تمويل وإلى جهود مشتركة من مؤسسات التعليم العالي ومؤسسات التعليم العام وفعاليات المجتمع المختلفة وأولياء الأمور، وكذلك لابد من التمويل اللازم لمشروع بهذا الحجم.

وقال نحن ندرك ان قيادة وزارة التربية ممثلة بمعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان لديها من الخطط الكفيلة بمعالجة الخلل الحاصل، ونحن مستعدون للعمل في إطار خطط وزارة التربية والمبادرات الحالية من الإمارات المختلفة بالدولة لمعالجة هذا التحدي الذي يواجهنا جميعا، حيث ان مخرجات التعليم العام هي مدخلات الجامعات ومخرجات الجامعات بعضها مدخلات التعليم العام سواء كانوا معلمي أو مديري مدارس أو قادة تربويين، والبعض منها مخرجات لسوق العمل، وبالتالي أي تحسين في مخرجات التعليم العام هو في الأساس دعم لجهود التنمية في الدولة بقطاعي العمل العام والخاص، وبهذا فالدعوة موجهة للقطاع الخاص ان يسهم في هذه الجهود لتحسين التعليم في الدولة.

* مناهج حديثة

ويتفق معه سيف راشد المزروعي مدير إدارة البرامج التعليمية ومعادلة الشهادات بوزارة التربية والتعليم (التعليم العالي) قائلاً: المشكلة الرئيسية تكمن في عدم وجود نظرة شمولية في تخطيط المناهج الدراسية وضعف في آليات متابعة وتوثيق مجريات العمليات التربوية، لافتا إلى ان محاولات التطوير السابقة اعتمدت معالجة المشكلات بطرق عشوائية انفصالية وآنية موضحا ان هناك علاقة طردية وقوية بين تحصيل الطلبة في مراحل التعليم العام وتحصيلهم الجامعي، وبالتالي فان أي تقدم و تحسن في مستويات الطلبة القادمين إلى الجامعة يتأثر بتحصيلهم التعليمي.

ويقول المزروعي بدأت وزارة التربية والتعليم بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي سابقا السعي لردم هذه الفجوة وذلك من خلال التنسيق معها ورفع مستوى المناهج في المدارس، وإضافة بعض المناهج الحديثة اضافة إلى تطبيق تعليم اللغة الانجليزية منذ الصف الأول الابتدائي، واعتقد ان هذه الفجوة بدأت بالتقلص عاما بعد عام،

والان بعد دمج الوزارتين بدأت الاستفادة من خبرة الخبراء في مؤسسات التعليم العالي بالدولة للحصول على أفضل النتائج التي تؤدي إلى رفع مستوى الطلاب قبل انخراطهم في مؤسسات التعليم العالي، وهذا واضح من خلال ارتفاع نتائج مخرجات التعليم العام على مستوى امتحان القدرة في اللغة الانجليزية (السيبا) أو على مستوى امتحانات القبول في الجامعات.

*** عبدالرزاق المعاني