بلادنا زاخرة بكنوز الجمال والعطاء، وأغلى كنوزها إبداعات أبنائها ومواهبهم، ومبدعونا من أبنائنا الطلبة هم النخبة المتميزة في مجالات الحياة المختلفة من أدبية وفكرية وعلمية وغيرها وهم اللبنة القوية التي يرتكز عليها صرح المجتمع المنشود.
الحلم الجميل
في زمان ليس ببعيد عن زماننا كان ما كان.
كان في مدينتنا (دبي) رجل فقير، يعيش على الخبز والماء سعيداً أكثر من ملك، لأنه يأكل من عرق جبينه، فلا يسأل الناس مالاً أو عطفاً. اعتاد الرجل منذ صغره أن يأكل طعامه على شاطيء البحر، فكان كل صباح يتوكأ على عصاه، ويحث الخطى إلى الشاطيء القريب، وهو يغني أناشيد الصيادين، ومواويلهم، فقد كان الرجل بحاراً، يعرف البحر هادئاً وهائجاً، ويعرف أسراره وأخطاره.
من بعيد..
من بعيد تسمع الأسماك صوته، ومن الأعماق ترى وجهه الصبوح، فتهرع إليه سرباً فسرباً، وتتراقص أمام عينيه بهجة وسروراً. كان يقطع الرغيف نصفين: نصفاً له، ونصفاً للأسماك، وكان يحذرها من شباك الصيادين و(قراقيرهم)، ويحبب إليها العمل والتعاون، فكانت الأسماك تتراقص أمام عينيه، وكأنها في عرس حقيقي.
ذات ليلة هبت عاصفة قوية، اقتلعت الأشجار، وهدمت البيوت، وأجفلت العصافير، فهربت إلى بلاد بعيدة بعيدة، وعلى صوت الرعد استيقظ الرجل الفقير مذعوراً خائفاً، وعلى وميض البرق رأى بيته ركاماً من الأحجار والأخشاب فجلس على حجر، يسبح الله، ويحمده في السراء والضراء. كعادته ذهب الرجل إلى البحر باكراً، فوجده حزيناً متعباً، أحزنه ما أحدثته العاصفة من خراب في المدينة، وأتعبه ما تكسر على شواطئه من أمواج كثيرة.
بكى الرجل، بكى على حاله وحال صديقه البحر، حتى وصلت دموعه الساخنة إلى أعماق البحر، فاستيقظت الأسماك من نومها، وهبت إلى مواساته ونجدته.. وبينما كان الرجل يمسح دموعه بهرت عينيه سمكة غريبة، لم يرها من قبل إلا في الحكايات والأساطير، فلا هي من (البياح) ولا من (الصافي)، ولا هي من الإنس ولا من الجن. عرك عينيه جيداً، وأمعن النظر في جسمها العجيب، فلم ير إلا نصف امرأة ونصف سمكة، تحمل على كتفها (دامجانة) كبيرة من اللآليء، تعاونت الأسماك على جمعها من أصداف البحر وأعماقه.
قالت له عروس البحر، وهي تبتسم:
«هذه دموعك استحالت في البحر درراً ولآليء».
سألها الرجل، والدهشة تملأ عينيه الدمعتين:
«ماذا أفعل بهذه الثروة الكبيرة من اللؤلؤ؟!»
قالت له عروس البحر، وهي تتمايل، وتضحك: «ابن بيتاً جديداً هنا على الشاطيء، حتى تكون قريباً منا، نستمتع بغنائك الجميل، ونستأنس بوجهك الصبوح. اشتر لنا خبزاً وحلوى، وسننتظرك هنا كل صباح».
حمل الرجل (دامجانة) اللؤلؤ على ظهره شاكراً لعروس البحر هديتها الثمينة، وعاد إلى بيته فرحاً مسروراً. جمع الرجل أهل المدينة، ووزع على كل فقير منهم لؤلؤة، حتى نفذت اللآليء، ونهضت البيوت وارتفعت الرؤوس.
في الصباح.. في كل صباح كان الرجل يستيقظ من نومه، فلا يذكر من أحلامه الجميلة إلا عروس البحر.
عبدالرحيم حسن
من مذكرات طالبة
عشت في وهم اسمه إعجاب، أصبحت لا أفرق بين النوم واليقظة، ولا أجيب من يحدثني، انتقلت من دنيا الناس إلى دنيا الوهم والكآبة، حتى زويت وصرت هيكلاً عظمياً ليس فيه من علامات الحياة سوى عينين كآلتين من زجاج، يرسلان نظرات بلا معنى، هكذا كانت حالتي، أفتدرون حكايتي،
إليكم أسطر ذكرياتي، فأنا طالبة على خلق والتزام، ولكنّي رميت نفسي للضياع لأنني تناسيت هدفي في الحياة ولم أدرك ما يناسب فطرتي وكينونتي في الوجود، فما أن انقضت أشهر الصيف بما تحمله بين طياتها من لهو ومرح، متعة وملل حتى اجتمعنا ثانية أنا ورفيقاتي في المدرسة تحدونا آمال للمستقبل وتوحّدنا الصداقة البريئة والذكريات التي لا تنسى.
دقّ جرس طابور الصباح، فانتظمنا في صفوفنا والفرحة تغمرنا ووقفت مديرة المدرسة ترحب بنا وتهنئنا بالسنة الدراسية الجديدة وتوجهنا بعباراتها المعهودة عن أهمية الالتزام بقوانين المدرسة والمثابرة للنجاح.
لمحتها وسط المدرسات بوجهها الضاحك الباسم وغطاء رأسها الأنيق وقوامها الممشوق، قفز قلبي فرحاً، فقد غزا سهم حبها قلبي ومشاعري وإحساسي فأسميتها من دون سابق معرفة (أميرة) لأنها فعلاً أميرة، دخلنا الصفوف وأنا أراقب مدرساتي المستجدات يدخلن الفصل ويخرجن وأنا أراقب وأنتظر إلى أن قاربت على فقدان أي بارقة أمل في أن أراها تدخل فصلنا،
فانتابني شعور بالإحباط وتسلل الملل والضيق إلى صدري حتى لاحظ الجميع تأففي وضجري، وفجأة.. طرقت قلبي الموجوع اللحظة التي كنت أنتظرها، دخلت أميرتي، بشحمها ولحمها، تسارعت دقات قلبي وعلا نبضها حتى كاد من حولي أن يسمعها، وارتسمت ابتسامة عريضة على شفتاي وامتلأت مقلتاي بالدموع، دموع الفرح، وتصبب العرق من جبيني، واستغربت حالتي ولماذا هذا الشعور العارم بالفرحة؟!
أهو حب من أول نظرة الذي كنت أسمع عنه، إنه حب.. نعم.. حب وإعجاب غزيا قلبي، فلا مناص من إخراجهما، تابعت أميرتي والتي لم أسمع ما قالته حين دخلت الفصل ولم أعرف اسمها بعد لما كنت فيه من شرود، إنها معلمتنا لهذه السنة وستقوم بتدريسنا مادة اللغة العربية التي أعشقها، يالسعادتي أميرتي ولغتي المفضلة، كم أنا محظوظة!
عدت إلى البيت وأنا في منتهى السعادة، فقد كانت حصة «اللغة العربية» تأخذ نصيب الأسد في الاهتمام والتحضير والمراجعة على حساب باقي المواد، حتى بات للرائي أننا لا نتعلم في المدرسة سواها، وكلما اقترب موعد الحصة المفضلة يزداد نشاطي وتتغير ملامحي ويستيقظ عقلي النائم طوال الحصص الأخرى، كنت أعشق حصتها وكانت تبادلنا جميعاً الحب والتعاون وترمينا بعبارات التشجيع والتحفيز،
فكنت أظن أنها توجه الكلام لي وتخصّني أنا من دون غيري، أما عبارات الثناء التي كانت تسطرها لي على كراساتي فكانت قطعاً من ذكرياتي، أما صوتها الحنون الساحر فكان الموسيقى التي أنام وأصحو عليها، هذا الشعور أدى إلى تغيير تصرفاتي مع زميلاتي، حتى بدأن يتذمرون مني، أما باقي مدرساتي فبدأن في تأنيبي وحثي على بذل المزيد من الجهد في المواد الأخرى، وكنت لا أترك حصة فراغ أو فسحة أو فرصة إلا وأذهب لأراها وأحادثها وغالباً كنت أراها مع طالبات أخريات،
فكان الجو لا يخلو لي وحدي، فبدأت الغيرة تتسلل إلى قلبي فبعثت لها رسائل على هاتفها الخليوي بتوقيع العاشقة، وكنت أضع الورود الحمراء على مساحات سيارتها كل يوم، أما رسائل الحب والإعجاب فكانت على مكتبها دائماً.
ترى هل عرفتني؟ هل تبادلني الحب نفسه؟ تراها هل تفضلني على الآخريات؟ حتى اقترب موعد درس اللغة العربية فدخلت أميرتي وانتابني شعور غريب، فهي لا تبتسم ابتسامتها المعهودة واختفت روحها المرحة لتظهر مكانها علامات الضيق، وبعد أن انتهت الحصة وجهت كلماتها لجميع الطالبات بأنها تريد مقابلة من وضعت رسالتها صباح اليوم على مكتبها في نهاية الدوام، ترددت في الذهاب، ولكنني ظننت أنها تريد أن تراني من دون إشعار زميلاتي بالأهمية لعدم إثارة فضولهن،
أخيراً استجمعت قواي وذهبت إليها، وحين واجهتها بأنني صاحبة الرسائل ذهلت ولم تصدق عينيها وانطلقت تقول: طالبتي النجيبة المؤدبة! أمعقول أنت من يعاكس مدرّسته ويشغل باله بتفاهات، أأنت من يضع الورود كل يوم، أأنت من يبعث لي بمسجات حتى أدخلت الشك في بيتي، لم أتصور أن تكوني أنت، أنا فعلاً أحبك وأكن لك الكثير من التقدير والإعجاب،
ولكنك هكذا تعديت الخطوط الحمراء في حبك لي، علاقتنا ببعضنا لا تتعدى حدود علاقة مدرسة بطالباتها، وأرجو ألا تتكرر مثل هذه الأفعال، فأنا أحب نضوجك وقد سمعت شكوى مدرساتك فلم أصدقهم، أنا أمك الثانية وحبي لك يدفعني لنصيحتك قبل فوات الأوان للخروج من وهم اسمه إعجاب!
الحمد لله أن إعجابك بي لم يتغلغل في سويداته كما يحصل بالكثير من المعجبات فنهايتهن تكون أبلغ، فيصبن بالهوس والمرض النفسي أو طريحات الفراش حتى الموت! إنه عشق مذموم، وسلوك شاذ، فاحذري منه يا ابنتي فهو أخطر على الناس من الكثير من المعاصي والسيئات، فهو يشغل القلب عن الله، فتأثيره أبلغ من تأثير الخمر والمخدرات، فهو يجعل المعجبة طالبة من عشقتها المحال وما لا تستطيع إليه وصال، فيفسد بذلك عليها عقلها ويتسبب في انحطاط مكانتها بين أهلها ومعلماتها ورفيقاتها في المدرسة.
وأحسست بيدها الحانية تربت على كتفي الذي لم أشعر بوجوده وهي تتابع حديثها معي، كانت الجمل تسقط من فمها ثقيلة كالحجر الذي يهبط من قمة جبل، صكت سمعي، ثم ألقت بنفسها تنفجر على الأرض تصيب وتدمي شظاياها، دفعت بنفسي لأخبئ وجهي في مخدتي، وسط دموع منهطلة لا أقوى على إيقافها، لقد كنت قطعة من الشقاء والألم، فقد عرفت وعشت من لحظة مصارحتها لي كل ما يحمل قاموس البؤس من معان وأحداث،
وهرعت كالمجنونة على دفتر مذكراتي، أقلب في صفحاته، فانفجرت مدامعي من جديد تأثراً وانفعالاً، وأناملي الراعشة تضغط بالمنديل الورقي على الكرات الدمعية كي لا تفسد صفحات اعتدت على تدوين خواطري وذكرياتي في ثناياها، وفي تلك الأثناء دخلت أختي الكبرى حجرتي لتراني غارقة في دموعي وأحزاني
ووجدت نفسي مضطربة أحكي لها قصة إعجابي بأميرتي، فما أشد إعجابي بنضاجة فكرها حين كانت تحمد الله وتدعوني لحمده أن كان إعجابي بمن يرضى الله خلقها ودينها ورجاحة عقلها، فلولا أنها كانت تعرف ربها ودينها حق المعرفة لانساقت معي وتاهت بي بإعجابي بها.
دانة مروان أبو رحمة
مدرسة زعبيل للتعليم الثانوي
