سالم بن تريس: خبراؤنا التربويون قادرون على قيادة العملية التعليمية من معاناة جيل الخمسينات من القرن الماضي على أرض الإمارات بدأ الدكتور سالم بن راشد بن تريس القمزي مدير المعهد العلمي الإسلامي في عجمان رحلته مع التربية تلميذاً في «الراشدية» أول مدرسة نظامية في عجمان بعد أن قضى حياته الأولية مكافحاً،

حيث باع أكياس الأسمنت الفارغة لتدبير رسوم دراسته على يد المطاوعة والتي كانت لا تتعدى في ذاك الوقت (25 فلساً) وهو لا ينسى الفضل لوالدته في دفعه للتحصيل العلمي حتى صار معلماً في حياتها وتدرج في حقل التربية في وظائف كثيرة حتى صار مديراً للمكتب الفني لوكيل الوزارة ومنه طلب العودة للميدان في عجمان ليصبح مديراً للمعهد ليكون أول مدير مواطن له عام 1981، ومن ركام هذه الذكريات الطويلة مع التربية (33 عاماً) عاش ابن تريس نجاحات وإخفاقات يطول حديث ذكرياته عنها.

بدأ الدكتور سالم بن راشد بن سالم بن تريس القمزي حديثه لـ «الجيل» بقوله: من أين نبدأ هذا الوهج وحديث الذكريات من الحقل التربوي الذي قضيت فيه ثلاثة وثلاثين عاماً، حيث بدأت معلماً عام 72/1973 أم من مرحلة النشأة في عجمان حيث ولدت عام 1950 في أسرة متواضعة تحب العلم ووالدي رحمه الله كان غواصاً حيث كانت مهنة أهل الإمارات في أوائل العشرينات من القرن الماضي.

ويلفت بن تريس أنه منذ الطفولة وحتى حصوله على الشهادة الجامعية العليا كان في رعاية والدته التي كان لها الفضل الأكبر على سنوات حياته الدراسية والعلمية حيث كانت أمنيتها ـ رحمها الله ـ أن تراه عالماً فكرست سنوات عمرها مع شظف العيش أن توفر له سبل الدراسة وطلب العلم حتى تحقق لها ما أرادت ورأته معلماً.

وعن الجيل الذي ينتمي إليه يقول نحن ولدنا في جيل حظي ببداية الخير على الإمارات إذ شهد أول إنشاء المدارس النظامية في إمارات الدولة كافة مع بداية 1952 على نفقة دولة الكويت الشقيقة التي حازت هذا الفضل بما قدمته لجيرانها منذ أن تفجر النفط في أرضها فتحملت أعباء الصحة والتعليم في ساحل عُمان خلال عقدين من الزمن.

ويوضح بن تريس القمزي أنه في ذلك التاريخ انتهت مهنة الغوص تلك المهنة الشاقة والمضنية لكافة دول الخليج عامة ودولة الإمارات خاصة.

المدرسة الراشدية

ويتذكر أنه في سنة 1958 تأسست في إمارة عجمان أول مدرسة نظامية وأطلق عليها اسم المدرسة الراشدية، مشيراً إلى أن فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي شهدت انتشار مدارس تعليم القرآن الكريم بنظام الكتاتيب أو ما عرف بالمطاوعة وأنه كان واحداً ممن دخلوا هذه المدارس في عجمان وعمره بين الخامسة أو السادسة ودرس القرآن على يد خلفان بن حميد بن عيسى الذي حرمه الله من نعمة البصر وكانت والدته تعاونه في تعليم الصبية (ذكورا وإناثاً) واستمرت مدرسته حتى آخر الستينات.

ولا ينسى الدكتور سالم زيارات الشيخ راشد بن حميد النعيمي ـ رحمه الله ـ والد صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي حاكم عجمان لمدرسة بن عيسى حيث كان يدرس معنا أحد أبنائه وكان يجلس ليستمع إلى تلاوات الدارسين ويحثهم على الاهتمام بالحفظ والإجادة

كما لا ينسى أن رسوم الدراسة لكل طفل وكانت (25 فلساً) كل أسبوع كانت تمثل عبئاً ثقيلاً على أسر الأطفال بسبب قساوة العيش في هذه الأيام ولذلك فقد شاركت مجموعة من الأطفال في جمع أكياس الأسمنت الفارغة وتقسيمها إلى أكياس صغيرة نلصقها بالعجين ونبيعها لأصحاب الدكاكين مقابل مبلغ قد يصل إلى (روبية هندية) وهي عملة الإمارات أيام فترة الاستعمار البريطاني.

ومثلت احتفالات المطاوعة بختم أحد الطلاب للقرآن مهرجانا تتعطل فيه الدراسة وتتعاون الأسر جميعاً في الاحتفاء بحافظ القرآن مع طلاب المدرسة جميعاً لمدة أسبوع حيث يتم المرور على بيوت الإمارة لإعلامهم بهذا الطالب لتشجيعهم على تعليم أبنائهم القرآن.

الصف الثاني مباشرة

ويعود الدكتور سالم بن تريس بذاكرته إلى بداية دراسته في المدارس النظامية موضحاً أنه التحق بمدرسة الراشدية حال إنشائها وكان عمره 9 سنوات حيث أجرى مدير المدرسة آنذاك اختبار تحديد مستوى له في اللغة العربية والتربية الإسلامية والرياضيات والتحق مباشرة بالصف الثاني الابتدائي في العام الدراسي 60/1961 وأمضى في المدرسة المرحلتين الابتدائية والمتوسطة حتى 67/1968 وانتقل لدراسة الصف الأول الثانوي في مدرسة العروبة في الشارقة ثم التحق بمعهد إعداد المعلمين في الرياض عام 1969 وتخرج بمؤهل دبلوم المعلمين مواد عامة.

عجمان الخمسينات

ويعود الدكتور تريس بذاكرته إلى عجمان في الفترة الممتدة من الخمسينات وأوائل الستينات حيث كانت الإمارة صغيرة قليلة السكان والعمران كباقي الإمارات بصفة عامة ولم تكن الإمارة تنعم بالماء ولا الكهرباء حتى أوائل السبعينات، وكانت مساكن الأهالي متواضعة إذ كان أغلبها من سعف النخيل وتمتد على طول الشريط الساحلي بناحية الشرق من قصر الحاكم الذي حوّل إلى متحف عجمان حالياً، كما كانت معظم مساحة عجمان عارية من البناء تستغل كمصيف للأهالي أيام الصيف.

ومازال د. تريس يتذكر أوقات فراغهم كأطفال على سيف البحر في عجمان وهم يمارسون الألعاب الشعبية ويتجمعون حتى ساعة متأخرة من المساء في مناطق (خور السوق خرابة البانيان وصنية ابسيس) وأن الحال استمر على هذا المنوال حتى افتتح أول ناد في عجمان أواخر الستينات أطلق عليه نادي الناصر ثم تحول بعد ذلك إلى نادي الشعلة،

كما لا ينسى رحلته مرافقاً لوالدته لأداء فريضة الحج 1964 بطريق البحر إلى البحرين ثم إلى الدمام ثم بطريق السيارات إلى الرياض ومن ثم إلى المدينة المنورة فمكة المكرمة مقرراً كشاهد عيان أن الحرمين الشريفين في تلك الفترة كانا على حال العمارة العثمانية.

زلزلة والأهالي

ومن طرائف ما يتذكر بن تريس القمزي أنهم أصبحوا ذات يوم جمعة في الستينات على خبر أذيع بالراديو أنه سوف يأتي البلاد زلزلة ففزع الناس وخرجوا من بيوتهم إلى الصحراء طوال هذا اليوم حتى كادت الشمس أن تغرب ولم يحدث الزلزال الذي توقعوه ثم تبين بعد ذلك أن إحدى الشخصيات السياسية يسمى زلزلة قام بزيارة لدار المعتمد البريطاني في دبي ويسوق في هذه المناسبة أنه (بن تريس) كان أحد المشاركين في إنشاء إذاعة عجمان عام 1961

حيث عمل محصلاً مالياً لجمع التبرعات من الأهالي لمؤسس الإذاعة راشد بن عبدالله بن جمضة في وقت لم يكن فيه في الإمارات كافة أي صوت إعلامي سوى إذاعة المحطة من الشارقة وكانت تابعة للجيش الإنجليزي.

ويوضح أن عام 1966 في وهج الذاكرة كان عام الرخاء والتحول والقضاء على الفقر والتحسن في أحوال الناس في كافة إمارات الدولة وذلك عند اعتلاء المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان سدة الحكم في أبوظبي حيث استهل رحمه الله وطيّب الله ثراه العصر الذهبي في تاريخ الإمارات قبل الاتحاد ومازال العصر مستمراً إلى يومنا هذا، وتوج عهده الميمون بقيام دولة الاتحاد في ديسمبر 1971 لتدخل الإمارات عصر النهضة في كافة مجالات حياة أبنائها وتأخذ بأسباب الرقي والتقدم.

الحياة العملية

وبدأ الدكتور سالم تريس حياته العملية معلماً في مدرسة حطين بالشارقة عام 1972 ثم بمدرسة ابن الهيثم في عجمان 1973 ثم عين مشرفاً إدارياً بالمدرسة نفسها حتى عام 1975 والتحق بجامعة الإمارات 1977 فكان من خريجي الدفعة الأولى عام 1981 وبعدها عين مديراً للمعهد العلمي الإسلامي كأول مواطن يعتلي هذا المنصب في ذلك التاريخ.

وفي عام 1985 رقي إلى موجه تربية إسلامية وعين بعد ذلك رئيساً لقسم التعليم الثانوي بإدارة التعليم الإعدادي والثانوي في الوزارة ورقي فيها إلى نائب مدير إدارة عام 1992 وعين بعدها مديراً للمكتب الفني لوكيل وزارة التربية من عام 2000 حتى عام 2002 حيث تتم برغبته الانتقال مرة أخرى للعمل الميداني ليصبح مديراً للمعهد العلمي الإسلامي مرة ثانية

وحتى اليوم، وأثناء هذه الفترة حرص بن تريس على مواصلة دراسته العليا للماجستير والدكتوراه بجانب مشاركاته في المؤتمرات التربوية ممثلاً للوزارة داخل الدولة وخارجها حيث زار دولاً عديدة منها المغرب والسودان وقطر والبحرين ما بين عامي 1983 وحتى الآن.

الموجه التربوي

وعن فترة عمله في التوجيه التربوي يقول الدكتور سالم انها كانت من أخصب فترات حياته وأغناها ويفرق بين عمل الموجه في الثمانينات وعمله اليوم موضحاً أن أداءه في السابق كان تفتيشياً ثم تطور الحال إلى مصطلح الإشراف الفني ومن ذلك بدأت عمليات تطوير الذات واستخدام الأساليب الحديثة الخاصة بعمل التوجيه وصار الموجه أكثر فائدة لزملائه بعد الدورات المهنية التي نظمتها له الوزارة كما ساهم في لجان المناهج وأدار حلقات تدريبية وتطويرية مثلما حدث في السبعينات.

كما يوضح أن مما يتصل بتطوير الأداء المهني للتوجيه جاءت وظيفة المدرس الأول كتوطئة لجعل وظيفة التوجيه اللازمة للمدرسة على أساس أن يكون المدرس الأول موجهاً مقيماً ولذلك فإن الفكرة الجديدة بتقسيم التوجيه إلى 3 حلقات موجه أول في الوزارة وموجه في المنطقة ثم الموجه المقيم في المدرسة

ويشرف على أكثر من مدرسة في المنطقة المقيم فيها جاءت بغرض أنه ليس شرطا أن يكون لكل مادة موجه متخصص وإنما موجه واحد من أي تخصص يشرف على كافة معلمي المدرسة المقيم فيها والمدارس الأخرى تحت مسمى إشراف تربوي وليس تخصصاً وهذا الدور ما يؤديه المدرس الأول لكل مادة داخل المدرسة لو أبقت الوزارة على نظامه وقد نفذنا هذه الأفكار وأبلغنا بذلك المسؤولين.

المكتب الفني والخبراء

ويُقيّم بن تريس فترة عمله في المكتب الفني لوكيل الوزارة بأنها أتاحت له كمسؤول تربوي العمل في ظل نخبة من التربويين الذين كان لهم باع طويل في تطوير الأداء التربوي ومنهم د. حميد الزري ومحمد فارس ومحمد عبدالرحمن وأحمد عبدالله وأيوب بدري وغيرهم كثر ممن يعتبرون من خبرائنا الذين أسسوا وقادوا العمل التربوي في الدولة وفي وجودهم ليس شرطاً عندما أشكل لجنة أو أريد دراسة وضع معين أن أستدعي خبيراً من الخارج.

وأذكر أنه في عام 1992 خلال المرحلة الثانية من تفكير الوزارة في تطوير التعليم تساءلنا لماذا لا ندرس الميدان على الواقع؟ حيث قامت إدارة التعليم الإعدادي والثانوي بقيادة الدكتور حميد الزري بدراسة الميدان على أرض الواقع وهذه الدراسة شملت المعلمين والمناهج والطلبة والمبنى المدرسي والتوجيه ووضعت الإدارة مشروعها التطويري لتنفيذه على أرض الواقع على ثلاث مراحل الدراسة والبدء بالتطوير ثم التقييم.

ويمضي صاحب الوهج قائلاً عملنا المرحلة الأولى ورفعنا مذكرة من 40 ورقة بمساهمة جامعة الإمارات عن طريق لجان كل لجنة أخذت عنصراً من عناصر العملية التعليمية واستغرق العمل ثلاثة أشهرا وخرجت النتيجة ووضعناها أمام الإدارة أشهر وخرجت النتيجة ووضعناها أمام الإدارة العليا

وكانت المفاجأة أن توقف هذا الجهد واستقدمت الوزارة خبيرين من أستراليا وتم إسناد العملية إليهما من جديد وظل الخبيران يدرسان على أرض الواقع لمدة عام تقريباً وانتهى عملهما بمذكرة كبيرة (400 صفحة) وبالوقوف على ما تتضمنه هذه المذكرة ومقارنتها بنتائج دراستنا السابقة تبين أن النتائج متطابقة تماماً بالملاحظات السلبية الموجودة في الميدان وكذلك الاقتراحات الموجودة

وقال لنا الوكيل إن مذكرتنا عرضت على اليونسكو وقدرت تكلفة إنجازها بمليون درهم وسنة كمدة زمنية في الوقت الذي لم تتكلف هذه الدراسة بما فيها المكافآت مبلغاً يزيد عن آلاف معدودة ولم تزد مكافأة كل عضو من أعضاء اللجنة عن 3 آلاف درهم والسؤال كم تكلفت الدراسة التي أجراها الاستراليون؟ وحتى الوثائق التي أعدت للمناهج الوطنية في منتصف التسعينات كانت من إنتاج موظفي الوزارة من المواطنين الذين يديرون العمل

ولاقت المصير نفسه وبالكيفية ذاتها، وأستطيع أن أقول بضمير مرتاح ان الوزارة من الثمانينات لديها كفايات من المواطنين في مستوى الخبراء وأكفأ وقد أبدعوا مثل هذه الأعمال ولكن جمدت أعمالهم بسبب التغييرات التي كانت تحدث للوزارة مع الإقرار بأنهم مارسوا هذا العمل بوظيفة ولم تكن مكافآتهم تعادل خمس مكافآت الخبراء الأجانب.

فتحي عبدالكريم