«القريب البعيد» باب نطل من خلاله على تجارب الآخرين في أماكن ودول أخرى، نثري من خلاله الميدان التربوي بفئاته وشرائحه. وما يعرض له قد يكون بعيداً عنا لكنه قريب بأفكاره وطروحاته وتجاربه مرادف لما نسعى اليه. ومن المؤكد ان ذلك سيسهم في تقديم ثروة إثرائية تفيدنا وتدفعنا قدماً لمواكبة العصر ومستجداته.
الاستفادة من تجارب الآخرين أمر يتحتم القيام به من قبل كل من يريد تحقيق تقدم في مختلف ميادين الحياة. ويأتي مجال التعليم على رأس الميادين التي تمس فيها الحاجة إلى الاستفادة من نجاح وفشل التجارب السابقة في الحقل ذاته.
وتعد التجربة التعليمية في اليابان بإجماع الآراء من أنجح التجارب التي يمكن للدول النامية الاستفادة منها بشكل كبير سواء على مستوى الارتقاء بالمناهج التعليمية أو رفع مستوى الطلبة والمدرسين.
عندما انفتحت اليابان على العالم في 1868، كانت إحدى أهم أولويات الحكومة آنذاك هي مواكبة ركب التقدم الغربي في مجالي العلم والتعليم. ووقتها تم تطوير نظام التعليم الياباني ليضاهي النموذجين الألماني والفرنسي، وهما النموذجان اللذان اعتبرهما الخبراء في تلك الفترة الأفضل من نوعهما في العالم.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، قام الأميركيون بتطوير نظام التعليم الياباني ليسير على المنهاج ذاته المطبق في بلادهم والذي كان يقضي بقضاء ستة أعوام في المرحلة الابتدائية وثلاثة في الإعدادية ومثلها في الثانوية وأربعة أعوام في الجامعة أو عامين في التعليم المتوسط.
أما التعليم الإجباري فيتمثل في التعليم الابتدائي والإعدادي. وتمتلك اليابان أقل معدل أمية في العالم بحسب آخر الإحصائيات الواردة في هذا الشأن والتي تشير إلى أن معدل الأمية في العملاق الآسيوي هو صفر في المئة. وعلى الرغم من أن التعليم الثانوي ليس إجباريا إلا أن 96 % من الطلبة على مستوى الدولة حصلوا على الشهادة الثانوية وترتفع تلك النسبة لتصل إلى 100% في المدن اليابانية.
وعلى مستوى الدولة هناك 98 جامعة وطنية و53 جامعة عامة و425 جامعة خاصة. ويلتحق نحو 46% من خريجي المدارس الثانوية بالتعليم الجامعي العالي أو المتوسط. ويبدأ العام الدراسي في اليابان في شهر إبريل وينتهي في مارس من العام التالي ويتكون من ثلاثة فصول دراسية تفصلها فترات إجازة قصيرة في فصلي الربيع والشتاء بجانب إجازة الصيف التي تستمر شهرا. وعادة ما تُسند للطلبة واجبات مدرسية أثناء الإجازات. ويعتبر الشخص الذي لا يجيد لغة أجنبية ولا يستطيع التعامل مع الكمبيوتر في اليابان في عداد الأميين.
ويتعلم الأطفال في المرحلة الابتدائية المواد الأساسية الضرورية للحياة اليومية في المجتمع مثل اللغة اليابانية والرياضيات والتربية القومية والعلوم والمواد الاجتماعية والتربية البدنية والتدبير المنزلي. وغالبا ما يقوم مدرس واحد في هذه المرحلة بتدريس المواد الدراسية كلها ماعدا التخصصية منها، مثل الفنون اليدوية والموسيقى والتدبير المنزلي.
وفي المرحلة الإعدادية يتلقى الطلبة تعليمهم ليكونوا عناصر فاعلة في المجتمع والدولة إذ يتم تهيئتهم ليختاروا طريقهم في المستقبل عن طريق تعلم المهارات والمعارف الأساسية ويتمكنوا من إدراك واستيعاب الأعمال والوظائف المختلفة الضرورية في المجتمع. ويتقدم للمرحلة الثانوية خريجو التعليم المتوسط الإلزامي بعد اجتياز اختبارات القبول لإحدى المدارس الثانوية التي يرغب التلميذ في الالتحاق بها.
وفي هذه المرحلة يتعلم الطلبة المهارات والمواد الدراسية والمعلومات المختلفة التي تمكنهم من خدمة المجتمع والدولة في مختلف ميادين الحياة، مثل الزراعة والتجارة والإنتاج الحيواني وصيد السمك والصناعة التي بدورها تتضمن مواد دراسية مختلفة ومتشعبة تشمل ميادين الهندسة بمختلف فروعها والكهرباء والكيمياء والتعدين، الخ.
وتعد اختبارات الالتحاق بالمدارس والجامعات إحدى أهم السمات التي تميز التعليم الياباني، إذ تشهد عملية الالتحاق بالجامعات مستويات عالية من التنافس بين الطلبة. فمعظم المدارس الثانوية والجامعات وكذلك المدارس الابتدائية تطلب من الطلبة والتلاميذ خوض اختبارات تقدم. ومن أجل اجتياز تلك الاختبارات يلجأ عدد كبير من الطلبة إلى الالتحاق بمدارس تأهيلية وإعدادية خاصة طبقا لنوع المرحلة التعليمية التي يودون الالتحاق بها.
والدراسة في معظم الجامعات اليابانية تتكون من أربعة أعوام والاستثناء هنا يتمثل في كليات الطب التي تصل فها الدراسة إلى ستة أعوام.
وأكثر ما يميز الجامعات اليابانية عن مثيلاتها في العالم هو صعوبة الالتحاق بها في ضوء صعوبة اختبارات التقدم. وهناك قول شائع في اليابان يفيد بأن أي شخص يحصل على أكثر من خمس ساعات نوم في الليلة التي تسبق اختبار التقدم سيفشل حتما في ذلك الاختبار. فساعات النوم لا يجب أن تتجاوز أربعة ساعات حتى يتسنى أداء الاختبار بشكل مرض.
وفيما يتعلق بالالتحاق بالجامعات الوطنية فهناك اختبار يتم على مستويين. أما الأول فهو الاختبار العام الذي يضعه المركز الوطني لاختبارات التقدم للجامعات، وهو الاختبار الذي يؤديه الجميع في يوم واحد مخصص لهذا الاختبار. والاختبار الثاني هو اختبار تقوم به كل جامعة على حدة بحسب المنهج الذي تُدرسه ومواصفات الطلبة التي تريدها تلك الكلية.وتشتد المنافسة بشكل كبير بين الطلبة على الالتحاق بكليات الصفوة إذ تتسم الاختبارات بصعوبة بالغة.
وينال الطلبة الذين يستطيعون الالتحاق بكليات الطب تقديرا من نوع خاص. وعلى الرغم من الصعوبة الشديدة التي يقابلها الطالب في الالتحاق بالجامعة إلا أن هناك اعتقادا سائدا يفيد بأن التخرج منها أسهل بكثير من الالتحاق بها. فاختيار الطالب المناسب يُسهل إلى حد كبير من مهمة مدرسي الجامعة. وهذا بالطبع لا ينفي وجود عبء كبير يتحمله الطالب في بعض الكليات التي تتطلب جهدا شاقا من أجل الحصول على شهادة التخرج.
وتحتل اليابان المرتبة الأولى عالميا في تدريس الرياضة والعلوم، وهو الذي كُتبت فيه دراسات أميركية عدة في السنوات الماضية تهدف إلى الاستفادة من النموذج الياباني في تدريس الرياضيات والعلوم التقنية- وهما الميدانان اللذان منحا اليابان هامش تفوق على كل معظم بلدان العالم وجعلاها تمثل ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
و توضح تلك الدراسات أن أحد التفسيرات الممكنة للتفوق الياباني في تدريس الرياضيات والتكنولوجيا هو أن النظام الياباني في التدريس يوفر للطالب عامل التحفيز الذي يدفعه دفعا كي يرفع من مستواه ويرتقي به إلى آفاق أعلى من التعلم.
تقول تلك الدراسة إن بعض المراقبين يعتقدون أن المعايير التي تضعها وزارة التربية والتعليم اليابانية لدراسة علوم الرياضيات والعلوم التقنية تفسر التفوق الذي يحققه الطلبة اليابانيون في هذا الشأن. فتلك المعايير والمستويات توفر أمام كل الطلاب أطر عمل تقدم المناهج بصورة مشوقة ومثيرة للانتباه والتحدي أمام كل الطلبة في مجالي الرياضيات والعلوم التقنية؛ ولاشك أن عامل التشويق وجذب الانتباه يلعب دورا مهما في إخراج طاقات الطالب الكامنة.
وتوضح الدراسة أيضا أن من أهم العوامل التي تلعب دورا إيجابيا في هذا الشأن هو ما يعرف بأساليب التعليم التفاعلي في هاتين المادتين بشكل خاص. وتشير الدراسة في هذا الصدد إلى أن التلميذ منذ المرحلة الابتدائية ينشأ على إدراك أهمية وضرورة اشتراك الفرد في العملية التعليمية بشكل فعال ومؤثر.
فمناهج التعليم الابتدائي تعترف بأهمية تنوع الأنشطة داخل المدرسة وذلك لأن الأطفال الصغار لا يستطيعون تمضية ساعات طويلة في مكان واحد ـ وهو المدرسة في تلك الحالة ـ من دون القيام بمجهود بدني، في حين أن مناهج التعليم الثانوي تولي أهمية خاصة إلى قيمة الترفيه والتفاعل داخل الفصل الدراسي عن طريق السماح بتخصيص أوقات للتعارف بين الطلبة وإقامة بعض الأنشطة غير الأكاديمية مثل المعسكرات الخارجية،
وهو ما يطلق عليه اسم مجتمعات الفصول الدراسية التي بدورها تضاعف اهتمام الطالب بالعملية الدراسية وتشكل أهم حوافز العملية التعليمية، هذا هو سر النجاح الكبير للمنظومة التعليمية اليابانية.
****حاتم حسين

