أصبح الهاتف النقال اليوم في يد الطالب كالقلم بين أصابعه، وجلوسه أمام شاشات التلفاز والكمبيوتر لساعات اصبح جزءاً أساسياً من حياته اليومية، وبالطبع هذا التعلق والشغف بالوسائل التكنولوجية ينمو لدى العديد من الطلبة دون رقابة أو متابعة، ويكفي أن تتجول في الأسواق والمحال والطرقات لتلمس ذلك بشكل واضح.
لعل المشكلات السلوكية التي برزت على سطح الميدان التربوي خلال السنة الدراسية الماضية والتي فوجئ بها الكثيرون منا وكان سببها الاستخدام غير الموجه للتقنيات مثل التقاط بعض الطلبة صورا غير أخلاقية لبعضهم عن طريق هواتفهم، جميعها أمور تدعونا للتساؤل عن دوافع الطلبة نحو هذه التصرفات والتي لا يملك أحد تحديد ما إذا كانت ستتوقف عند حد معين، أم أن طبيعة الطالب اليوم تختلف عن أمس والإمكانات المتاحة له بشكل كبير سوف تقوده نحو الأسوأ.
الطالب مالك عبد الله بالصف الثامن يمتلك شغفاً كبيراً بامتلاك التقنيات الحديثة من الانترنت والهواتف النقالة وصولا للألعاب الالكترونية ويقول: أجلس أمام الانترنت أربع أو خمس ساعات دون ملل أراقب المواقع المختلفة مثل الأغاني والفيديو كليب والألعاب، ولديَّ خبرة جيدة في التعامل مع الكمبيوتر وإصلاح أية مشكلة تواجهني وتعلمت ذلك من خلال الممارسة اليومية ،
كما أتوجه إلى أندية ومقاهي الانترنت حيث الساعة بخمسة دراهم بهدف تغيير جو المنزل ولقاء أصدقائي هناك، والحقيقة أن لديَّ صديقاً عندما يبدأ ممارسة لعبة ما داخل مقهى الانترنت فانه لا يتركها أبدا حتى ينجز جميع مستوياتها حتى انه دفع 35 درهما مقابل سبع ساعات أمضاها مع إحدى الألعاب، ويضيف: أمتلك هاتفاً نقالاً حديث من نوع «الآي ميت» وأحضرته لأن به برنامج الكتابة بدون لوحة مفاتيح وعموما نحن نتسلى من خلاله بتبادل الصور والرنات وغيرها.
تبادل خبرات
ويهوى الطالب عبدالله عزت بالصف التاسع قضاء وقت فراغه في الألعاب الالكترونية التي يمارسها من خلال الكمبيوتر أو البلاي ستيشن، فكلما أنهى دروسه كان موعده مع الألعاب التي يبحث عنها حتى خارج المنزل قائلاً: أقوم بتبادل شرائط الألعاب مع أصدقائي في المدرسة رغم أن ذلك ممنوع ولكني أحب تجربة كل لعبة جديدة فأقوم بنسخ ألعاب لأصدقائي وهم يفعلون ذلك لي، كما أنني أمضي ساعات أمام الانترنت بحثا عن مفاتيح الألعاب إضافة للمواقع التي بها صور لمصارعين وشخصيات كرتونية أحبها،
ولكني لا أحب أبدا الهواتف النقالة أو التعامل معها رغم أن لديه أصدقاء في المدرسة يتنافسون لامتلاك الأنواع الأحدث وإنزال أحدث الأغاني والرنات والفيديو كليب وهم يتبادلونها خلال الاستراحة في المدرسة وطبعا دون أن يراها المعلم أو الإدارة لأنها ممنوعة.
أما الطالبة سارة وهيب فقد تأثر بصرها وضعف نتيجة الجلوس المتواصل في المساء أمام الانترنت لذلك اضطرت لتقليل ساعات جلوسها أمام شاشة الكمبيوتر ، وتقول: أهوى البحث في «جوجل» حول مواقع الفكاهات والحكايات إضافة لمواقع الأغاني، كما أحب متابعة التلفاز خاصة الأفلام العربية وأغاني الفيديو كليب .
وتضيف: هناك صديقات لي يعشقن أجهزة الهواتف ويسعين لامتلاك أحدثها وليست المشكلة هنا ولكن المشكلة في تبادلهن الصور والكلمات المبتذلة واكتملت القصة بانتشار البلوتوث وما يتم تداوله من خلاله بسهولة وفي أي مكان دون معرفة مرسل الرسالة وليس كل من يستخدمه يكون في سن تساعده على حماية نفسه وعدم الانجرار وراء هذه التسلية السلبية خاصة ان كل هذه السلوكيات سهل جدا تعلمها بين الطلاب وتصبح كالعدوى وأنا رأيت بعض الطالبات وهن يتناقلن أسماء المواقع الإباحية على الانترنت.
ورغم كونها في الصف الرابع الابتدائي إلا أن الطالبة نوف راشد مولعة بالتلفاز بدرجة كبيرة وتمضي معظم أوقات الراحة لديها من الدراسة أمام هذه الشاشة الساحرة لتتابع الأغاني المصورة وتقلدها إضافة لمتابعة الأفلام المختلفة والمشكلة الحقيقية في رغم كونها طالبة مجتهدة إلا ان ولعها بالتلفاز بدأ يترك أثره على مستواها التحصيلي.
دراسة ميدانية
ترى عائشة الضبع،رئيسة مجلس أمهات منطقة أبوظبي التعليمية ضرورة الوقوف عند مشكلة الاستخدام السلبي للتكنولوجيا لدى طلبة المدارس لان الأمر بات يشكل معاناة للأسرة والمدرسة على حد سواء، مشيرة إلى ان الطلبة المراهقين هم الأكثر إقبالا على استخدام التقنيات من الناحية السلبية باعتبارها نوعا من التسلية والتنفيس عما بداخلهم اضافة لأنها تغذي جانب البحث وحب الاستطلاع لديهم .
وأضافت: ونحن كمجلس أمهات متواجدين في الميدان لدينا اطلاع جيد على المشاكل الناجمة عن ذلك بين الطلاب ومدركين مدى إمكانية تفاقمها لذلك نعكف حاليا على عمل دراسة خاصة حول التكنولوجيا وأثرها السلبي على المراهقين سواء الفضائيات أو الهواتف المحمولة والبلوتوث وطبعا الانترنت ذلك العالم المخيف والمفتوح أمام كل من يريد الدخول دون ضوابط ، وستشمل الدراسة الجانبين النظري والتطبيقي ،
وتكون عينة الدراسة نحو خمسة آلاف طالب وطالبة من الحلقة الثانية من مدارس أبوظبي باعتبارها تضم الأعمار الطلابية المراهقة لنصل من خلال الدراسة للأسباب والدوافع الفعلية وراء هذا الاستخدام السلبي للتكنولوجيا وكيف ينظر الطالب لما يقوم به من سلوكيات سلبية ومحاولة وضع الحلول المفيدة والقابلة للتحقيق من خلال أصحاب المشكلة ذاتهم.
وتعتبر عائشة الضبع أن للأسرة دوراً كبيراً في وجود هذه المشكلات السلوكية لدى الطلبة من خلال التقنيات لغياب الرقابة وكثرة التدليل لأبنائهم وبالتالي لابد أن تلعب دورا فعالا إلى جانب المدرسة لحلها بدلا من انتظار تفاقمها .
تسلية حتى الموت
عبيد الطنيجي مدير مدرسة الصقور النموذجية يؤكد أن العديد من الطلبة أصبحوا يدمنون التعامل مع التقنيات الحديثة خاصة في ظل توفرها في المدرسة والبيت وفي كل مكان حولهم ، وفي ظل غياب الرقابة المنزلية لدى البعض منهم وكثرة الفراغ لديهم إضافة لرفاق السوء وقلة الوازع الديني كل هذه الأسباب دفعتهم إلى الاستغلال السيئ للوسائل التقنية الحديثة من الانترنت والهواتف المتحركة خاصة ذات تقنية البلوتوث إضافة لإدمان متابعة الفضائيات وخاصة قنوات الأفلام المتخصصة.
ويضيف الطنيجي : وعلى غرار عروض محال الوجبات السريعة «غداء حتى الإشباع» أصبح تعامل الطالب بشكل سلبي مع التقنيات والتكنولوجيا الحديثة بمثابة التسلية حتى الموت وأنا أعني ما أقوله خاصة في ظل ما نشر في الصحف خلال العام الدراسي الماضي حول التجاوزات الأخلاقية التي وقعت في بعض المدارس
واستغل فيها الطلاب أجهزة الهواتف المحمولة التي أصبحوا يحملونها كالأقلام في التقاط الصور غير الأخلاقية وغيرها من المشكلات التي يمكن أن نسمع عنها فيما بعد إذا استمر حال الطلبة في التعاطي مع التكنولوجيا كمستهلكين سلبيين لا يدركون حتى مكونات وتركيب الأجهزة التي يتعاملون معها ومدى قدرتهم على الاستفادة الايجابية منها.
ويشير أيضا إلى ان العنف في المدارس الذي نراه اليوم مختلف لان الطلبة يقلدون ما يشاهدون في أفلام العنف ويطبقونه من خلال ألعاب «البلاي ستيشن»، بالشكل العام يوضح الطنيجي اننا بحاجة لتفعيل دور الأسرة التي لا تحاسب ابنها اليوم ولا تراقب ما يمتلكه من تقنيات وما الفائدة منها وتهمل معرفة أصدقائه المحيطين به ، ونحن كمدرسة نحاول السيطرة على هذه المشكلات حتى ان شبكة الانترنت التي لدينا في المدرسة من خلال وضع برامج لفترة للمواقع المشبوهة إضافة إلى أن المعلم يمكنه مراقبة أجهزة الطلاب جميعهم خلال الحصة.
الممنوع مرغوب
ويرى عبد الباسط صلاح الدين، الاختصاصي الاجتماعي بمدرسة المتنبي الثانوية أننا تخطينا الخطوة المتعلقة بمعرفة الاستخدام السلبي للتكنولوجيا الحديثة وكيف أصبح يمثل التسلية الأساسية لدى بعض الطلبة ، لذا نحن بحاجة الآن للتحرك المدروس والمنظم لمواجهة تفاقم تلك السلبيات ،
فكلنا يعرف اليوم ان الغرب أصبح يحاربنا في فكرنا وعقولنا ويرمي لتسطيح شبابنا الذين يتهافتون على امتلاك التقنيات واستغلالها في التسلية السلبية وهم لم يفكروا يوما في مكونات هذا الجهاز أو ذاك وكيف يعمل وكيف بالإمكان تطويره أو الاستفادة الايجابية منه .
ويضيف: يجب أن ندرك أن الطالب اليوم بخلاف الأمس فهو أكثر وعيا وعلينا التعامل معه من هذا المنطلق فلابد من التحدث إليه بصراحة بمعنى لا نقوم بمنعه وتوبيخه وإحضار ولي أمره فالممنوع مرغوب دائما ، بل علينا الجلوس معه ومناقشته بصراحة وتوجيهه بأسلوب سليم ومتطور،
ويعتبر صلاح الدين ان الطلبة في المرحلة الإعدادية بحاجة لمتابعة أكثر من طلبة الثانوية كونهم يمرون بمرحلة المراهقة الأكثر حرجا وحسما في حياتهم كما أنهم يكونون الأكثر إقبالا على التعامل السلبي مع التكنولوجيا والدليل ما نراه من إقبال منهم على مقاهي الانترنت التي تمثل بلاء حقيقي فهي تملك شبكات انترنت مفتوحة دون أية رقابة وتبدع لإغراء الشباب فهي تعطيهم طابع الخصوصية من خلال الغرف الخاصة والغرف التي تسميها للعائلات ولا ادري ماذا ستأتي العائلات لتفعل فيها، انها مقاه تبث السموم في عقول أبنائنا وهي بحاجة لمزيد من الرقابة والقيود.
الوازع الديني
ويؤكد عبد الرزاق العرقسوسي موجه التربية الإسلامية في تعليمية أبوظبي : أن الدين الإسلامي يدعو إلى تعلم كل جديد والاطلاع على التكنولوجيا التي تفيد في التقدم العلمي والنهوض بالأمة فالطالب ملزم بطلب العلم وعليه الاطلاع على الانترنت للاستفادة من المواقع العلمية ومعرفة احدث ما توصل إليه العلم الحديث وينال من هذه التقنية بشكل موجه بما ينمي دراسته وثقافته ويفيده في حياته.
ويضيف: أرفض تعميم كلمة ضعف الوازع الديني كأحد الأسباب العامة وراء سلوك الطالب السلبي لان ضعف الوازع يرتبط بفئة قليلة من الطلبة، كما أن المدارس وتحديدا معلم التربية الإسلامية يلعب دورا كبيرا في توجيه الطالب ولا يمكن أن نقول إن كانت مادة التربية الإسلامية كافية لتنمية الوعي الديني لدى الطالب أم لا لأن ذلك مرتبط بأداء المعلم ذاته ومدى قدرته على التوجيه الديني والأخلاقي للطالب ودفعه للتقيد به داخل وخارج المدرسة،
ويشير العرقسوسي إلى التطور الحادث في المناهج الجديدة التي وضعت للصفوف من الأول وحتى الرابع والتي خرجت عن إطار الحفظ التقليدي وأصبحت تقوم على إعمال العقل وتنمية مهارات التفكير والتأمل لدى الطالب كما تدعو إلى غرس القيم وتوظيفها في حياة الطالب ليكون مسلما بكل معنى الكلمة وكذلك تحرص المناهج الجديدة على إشراك الأسرة في العملية التعليمية مما يساعد على ترابط وتكاتف كل العناصر المحيطة بالطالب للنهوض بأدائه وتوجيهه بالشكل السليم.
برامج المنوعات
وتلمس نهى علاء الدين مدرسة لغة انجليزية في إحدى المدارس التأثر الكبير من الطالبات بالأفكار والشخصيات التي تبثها الفضائيات والأسوأ سهرهم حتى ساعات متأخرة من الليل لمتابعة قنوات الأفلام المتخصصة إضافة لشغفهم الكبير ببرامج المسابقات الفنية لا العلمية وشخصياتها مثل «ستار أكاديمي»
بل إنه بالإمكان معرفة ما يقدمه التلفاز من برامج فنية ومسلسلات من خلال الجلوس إلى الطالبات هذا إضافة لاهتمامهن باستخدام تقنيات الهواتف المحمولة الحديثة وتبادل النغمات والصور والفيديو كليب ولكن الشغف بالفضائيات أكثر لدى الطالبات وربما لطبيعة بقائهم في المنزل أكثر من الأولاد.
وتشير نهى إلى ان أسباب التوجه الخاطئ من الطالبات نحو الفضائيات واعتبار الشخصيات السطحية نماذج وقدوات يقلدونها هي غياب الرقابة المنزلية وغياب الوازع الديني الذي يعد أساسيا في تحكم الطالب في سلوكه إضافة لحالات عدم تفرغ الأم لأبنائها وبناتها كما هو حاصل في حالة إحدى الطالبات التي لديها عدد كبير من الإخوة الأمر الذي لا يساعد الأم على متابعتها ومعرفة مشكلاتها، ولا ننسى كذلك البيئة المحيطة بالطالب
لذا فالمدرسة والبيت والمجتمع المحيط كل له دوره في مواجهة سلبيات تعاطي الطلبة مع التكنولوجيا وإخفاق من أي منهم يساهم في ميل الطالب للنواحي السلبية، وأعتقد أن الأنشطة تلعب دورا كبيرا في شغل فراغ الطالب.
لبنى أنور