جعل أحمد هذه العبارة عنواناً لحياته، لا يحيد عنه قيد أنملة، فكان أكثر إخوته عطاءً، وأعظمهم خلقاً، وأقربهم إلى والديه. وأحمد مازال صغيراً، لا يكاد يبلغ العاشرة من عمره، ولكنه كان يصر على أنه قد كَبِرَ، وصار رجلاً.

لم تكن تضيع من بين يديه دقيقة واحدة، فكان يقضي يومه في جدّ، ويسعى إلى الخير، لا يتوانى في مساعدة، ولا يقصر في عون، فإذا طلبت والدته مساعدة أسرع إلى تلبيتها قبل سواه من إخوته السبعة، وإذا رأى أحداً يحتاج عوناً هب إليه، لا يفكر في أجر إلا من الله، عز وجل.

ذات يوم تغيرت أحوال أحمد، واكفهر وجهه، وأصابه الغرور.. فإذا شاهد في الطريق أعمى، غَضَّ النظر عن مساعدته، وإذا حياه أحدهم صم أذنه، فلم يرد عليه التحية. والشيطان يوسوس له في صدره، فيتخاذل أحمد أمامه، ويتعالى أمام الناس، فلا يكاد يرى سوى نفسه، فصار مكروهاً منبوذاً، لا يلتفت إليه أحد:

ـ «أحمد، سنكون صديقين مخلصين، وسأقف إلى جانبك في السراء والضراء».

ثم يردف قائلاً، وأحمد ينصت إليه باهتمام بالغ: «يا صديقي، هؤلاء لا يستحقون منك أي عون، والحياة فرصة خاطفة، لا يكسبها المرء سوى مرة واحدة، فاسمعني الآن».

نظر أحمد إلى وجهه في المرآة، وقال في سره: «هاأنذا أنصت إليك، فقل ما تريد».

سأله عندئذ صديقه الخبيث الذي يختبئ في صدره:

ـ «هل تخلص لي؟».

أجاب أحمد من فوره:

ـ «نعم، سأكون مخلصاً».

ثم سأله من جديد:

ـ «أتنفذ كل ما أطلبه منك؟».

أجاب أحمد بلا تردد:

ـ «نعم، أنفذ».

وحين تيقن الشيطان من إخلاص أحمد، وتمكن من صدره، وسوس له قائلاً:

ـ «كنت قدوة في الخير، وأنا سأجعل منك قدوة أخرى في الشر.. هؤلاء الناس خرجوا على طاعتي، وأنا أريدك أن تكون عوناً لي عليهم. أنا أعرف مكانتك لديهم، فما رأيك يا صديقي؟».

قال أحمد له

ـ «أنا لا أعرف، تفرق بين العبد وربه، بين الأب وابنه، بين الصديق وصديقه.. أعرفك، تنصر القوي على الضعيف والظالم على المظلوم.. أتريدني شيطاناً آخر من شياطين مملكتك العجيبة؟».

ـ «ستكون صديقي المخلص، وسأجعلك سيداً على قلوب الناس وصدورهم».

نظر أحمد إلى وجهه في المرآة، فرآه أسود كالليل، لا تبدو منه إلا أسنان صفراء، يعلوها نابان ناتئان، والشيطان مازال يوسوس له، فيصم أحمد أذنيه بأصبعيه، ويفتح نوافذ غرفته المغلقة منذ زمن بعيد.

يتسلل نور الصباح إلى أرجائها، فيملأ قلب أحمد ضياء وإيماناً وخيراً عميماً..

عبدالرحيم حسن

جلالٌ في جلال

يا قدسُ، يا نبعَ الحضارة والشممْ

يا صرخة الإسلامِ في زمن العدمْ

يا آية وضاءةً، نزهو بها

ومنارةً للحقِّ في ليلٍ أصمّ

كم سطّر التّاريخُ في صفحاته

من تضحيات وانتصارات ودمْ

يوم اعتدى الغرباءُ بعد تخاذلٍ

ضَجّت بنا الأرجاءُ، وارتاح الحَرَمْ

هم يمكرون، ومكرهمْ يودي بهم

في آخر الأزمانِ، إن طالَ الألمْ

عجباً لصبرِكِ قد أذلّ نفوسهم

وأذاقهم في عزةٍ طعم النّدمْ

وأنارَ للرّكب الأجلّ طريقَه

فمضى سريعاً وسْط أمواج الظُّلَمْ

رَكْبَ الشهادة، قد مضيت إلى العلا

فأهنأ، ولا تعبأ، وابشر بالنّعمْ

رَكْبَ البطولة، أنت وحدَك من درى

معنى الحياة، وأنت وحدك مَنْ فهمْ

رَكْبَ الشّهامةِ، أنت شمسٌ للورى

ركبَ الكرامة، أنت عنوان الشممْ

ستسيل أنهار الدّماء خصيبةً

تروي الرُّبى، فيفيض طوفان عَرِمْ

وترى الأعادي قد أعدّت حقدها

ورمت بلادي بالفواجعِ والتّهمْ

هم يَدّعون، ولا أدِلّةَ عندهم

وكتابُ ربّ العالمين هو الحكمْ

يا شعبٌ مهلاً، لا تصدّق زعمهم

يا شعبُ عُذراً، لا تسالمْ من ظلمْ

يا شعبُ، اشعلْ بالعزيمة ثورةً

بجلالها تسمو النّفوس إلى القممْ

عمار حرب

جراح أم

في سنة 1948 دهم العدو الاسرائيلي أرض فلسطين، واحتل حيفا ويافا وعسقلان.. وقصف المدن والقرى والأشجار، فقتل من قتل، وشرد من شرد كانت أم أحمد من أولئك الذين تشردوا، وفقدوا أراضيهم وبيوتهم.. وفي يوم من تلك الأيام المرة جاء زوجها الى البيت لاهثاً، وهو يقول لها: «هيا يا أم أحمد، قافلة الرحيل تنتظرنا».

لملمت أم أحمد بعض حاجياتها بسرعة، واحتضنت أطفالها الصغار، وحملت رضيعها النائم في سريره، واتجهت من فورها إلى أهلها الذين كانوا ينتظرونها في ساحة القرية استعداداً للرحيل عنها، وقصف القنابل والرصاص فوق رؤوسهم، وما ان وصل الركب الى بر الأمان.

وحط رحاله وأمتعته في طريقة آمنة، حتى تذكرت أم أحمد ان رضيعها الذي تحمله بيدها لم يتناول طعاماً منذ الصباح. وحين كشفت غطاءه، لترضعه، دوي صوتها عالياً، «ولدي، ولدي».

اجتمع الناس على صوتها العاصف، وأسرع إليها زوجها أبو أحمد، وسألها عن سر صراخها، فلم تستطع ان تنطق بكلمة، لكنها كانت ـ وهي تبكي ـ تهذي بكلمات غائمة، لم يفهم منها شيئاً فأعاد عليها السؤال من جديد، فأشارت الى ما تحمله بيدها فصاح أبو أحمد قائلاً: «يا إلهي، يا إلهي».

كانت أم أحمد قد حملت الوسادة عوضاً من ابنها، وأخذت تلح على زوجها ان تعود الى بيتها، لتأخذ ابنها الصغير من بين يدي الأعداء، فقال لها، وهو يذرف دماً: «أصبحنا بعيدين عن الوطن، والقافلة لن تنتظرنا لحظة، والرصاص لن يرحمنا».

نظرت أم أحمد الى البعيد البعيد، وقالت له بعزيمة وإصرار: «سأعود وحدي، سأعود وحدي» ثم مشت في طريقها الطويل عائدة الى فلسطين، ولكن الصهاينة قابلوها بوابل من الرصاص، فعادت ادراجها الى زوجها، والحسرة تملأ قلبها الذي لم يهدأ حتى استقر بهم المقام في أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين جنوب لبنان.

مرت السنون، وقلب أم أحمد يعتصر ألماً على فقدان ولدها الصغير، خمس وعشرون سنة مرت، وهي تحلم ان تراه يوماً، وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة جلست تتابع التلفاز، فإذا بها تشاهد مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين يأسرون عدداً من الجنود الاسرائيليين، يعرضون صورهم وأسماءهم على شاشة التلفاز، فصاحت «ولدي، ولدي..».

حضر أبناؤها وزوجها بسرعة، وسألوها عما أصابها، فقالت لهم بصوت واهن: «إنه سعيد، سعيد الذي تركته في السرير»، فقالوا لها: «هذا ليس إلا مجرد يهودي في جيش الدفاع الإسرائيلي»، فقالت لهم: «لا بل هو ولدي، أعرفه، أعرف عينيه الزرقاوين، أعرف الشامة التي على خده الأيمن».

لم يعد لأم أحمد من هم إلا ابنها الذي أخذت تبحث عنه بلهفة وحسرة هنا وهناك، حتى هداها الله يوماً إلى مسؤول فلسطيني، وعدها أن ترى ابنها في المعتقل، فذهبت مع زوجها إلى مكان أسره، وهناك روت للمسؤولين قصة ابنها، وطلبت منهم أن يساعدوها في محنتها فاستجابوا لآلامها، وعقدوا لقاء بينها وبينه،

وعندما رأته احتضنته بلهفة وحنان، وبكت بكاءً مراً، فنظر إليها ذلك الجندي الأسير بدهشة، وحين طلبت منه أن يكشف عن يده اليسرى راح يسألها باستغراب: «لماذا؟» فقالت له: «أريد ـ يا ولدي ـ أن أرى مكان حرق قديم على إحدى أصابعك»، ولما كشفت أم أحمد عن سر ابنها الكبير ذهل زوجها وصاح، وهو يبكي: «رباه، ماذا أرى؟ إنه ولدي حقاً».

ركعت الأم، وقبلت الأرض، وقالت: «أحمدك يا ربي، لأنك أعدت إلي ولدي أخيراً»، فتأثر كل الحاضرين، وجلست معه حتى جاء الليل، وطلبت من المسؤولين أن يأتي معها، ليرى أخوته، ولكنهم رفضوا ذلك، لأنه كان رهينة لديهم، ويجب أن يعيدوه إلى الإسرائيليين، فأقسمت أنه ولدها، وأكد الأسير ذلك، فقال: «أنا لا أعرف لي أماً ولا أباً، أنا أعيش مع أسرة يهودية، وأعلم أن من ربتني لا تنجب».

عادت الأم إلى بيتها حزينة باكية، وعندما تم تبادل الأسرى عاد ابنها إلى فلسطين، والتحق بعمله ثانية، وصورة والدته لا تفارقه، أحس نحوها بحنين غامر، وتمنى أن يري أخوته، والحسرة لا تفارقه ليل نهار أهمل عمله، حتى طرد منه، وصار يعد هؤلاء الصهاينة أعداءه الذين شردوا أهله، وسلبوه أرضه.

حزنت والدته عليه حزناً شديداً، ولم تكف عيناها عن البكاء عليه لحظة، فقد فقدته مجدداً، ولم تعد تطيق بعده عنها، مرضت مرضاً شديداً، وأهملت صحتها، ولم تعد تتناول الدواء، حتى تأخرت صحتها يوماً بعد يوم، وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة ماتت أم أحمد، وهي تحلم أن ترى ابنها سعيد من جديد.

رائد عبدالكريم عصفور