بعد عشرة أشهر فقط على وصوله للسلطة في أوكرانيا ممتطياً موجة الثورة البرتقالية، قام الرئيس فيكتور يوشنكو بطرد السيدة الأبرز في حكومته يوليا تيموشنكو. ويشهد البلد حالياً اتهامات بالفساد على كافة الأصعدة ويعاني من اقتصاد متعثر. وأمام كل هذه الأوضاع المتردية، جاء النفي الرسمي مذكراً بأيام الاتحاد السوفييتي، حيث أعلن الرئيس فيكتور يوشنكو أنه «ليس هناك أزمة حكومية»، وبعد يوم واحد فقط طرد رئيسة وزرائه يوليا يتموشنكو. وقال يوشنكو إن الإدارة كانت تعاني من الافتقار لـ «روح الفريق».

لم تمض سوى تسعة أشهر فقط على الثورة البرتقالية، التي أدت إلى الإطاحة بالنظام الاستبدادي للرئيس السابق كوتشما، حتى تحطم الفريق الحكومي الجديد ـ الذي كان قد ألهم مئات الألوف في ميدان الاستقلال بكييف خلال نوفمبر الماضي. وخلال كل هذه الشهور السابقة، لم تستطع تيموشنكو، الملقبة بـ «أميرة الغاز» بسبب سجلها المهني الحافل بالنجاحات في أعمال الطاقة،

ويوشنكو، المسؤول المصرفي السابق الذي شغل منصب نائب رئيس الوزراء وأيضاً منصب رئيس الوزراء في عهد كوتشما من 1999 وإلى 2001 ـ لم يستطيعا الاتفاق على برنامج سياسي مشترك. وفيما كان يوشنكو يفضل التعامل بشكل براغماتي مع طبقة «رجال الأعمال» المحاطين بالشبهات في البلد، فإن رئيسة وزرائه، الملقبة بـ «جان دارك أوكرانيا» فضلت اتباع نهج أكثر صرامة وتشدداً ضد أتباع النظام السابق.

ومع أن الحكومة استطاعت أن تستعيد السيطرة على أكبر معمل فولاذ بالبلد، كريفوريستال، من صهر الرئيس السابق فيكتور بينشوك، فإن النمو الاقتصادي لأوكرانيا هبط بشكل حاد من 1,12 بالمئة السنة الماضية إلى حوالي 4 بالمئة. وفي شهر يونيو انخفض الإنتاج الصناعي لأول مرة منذ ست سنوات.

ووصلت مكافحة الفساد، التي كانت من الوعود الرئيسية خلال أيام ثورة ديسمبر، إلى ما يشبه حالة التجمد الكلي. ويشتكي كريستوفر كراولي، مدير مكتب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوروبا الشرقية، من أن الشركات والأعمال الأوكرانية لا تزال تحتفظ بمجموعتين من دفاتر الحسابات ـ واحدة حقيقية والثانية لإبرازها للجهات الرسمية.

وفي شهر يونيو الماضي، تعرض حتى الرئيس نفسه لموجة انتقادات حادة بعد أن نشرت النسخة الأوكرانية من صحيفة «برافدا» تقريراً عن نمط الحياة المترف لنجله أندريه، البالغ من العمر 19 عاماً. وأثار شغف اندريه بالسيارات الفارهة ـ مثل «بي إم دبليو ـ إم 6»، التي يبلغ ثمنها 130 ألف جنيه استرليني ـ استغرب الناس وأجبر الرئيس على الظهور بموقف الدفاع ثم ما لبث يوشنكو الذي أثارت هذه التقارير سخطه، حتى فقد هدوءه وشبّه الصحافيين الذين كتبوا التقرير بـ «القتلة المأجورين».

لكن مهندس الثورة البرتقالية لم يفقد رباطة جأشه وحسب، بل فقد أيضاً ولاء البعض من أكثر المسؤولين المقربين إليه في الإدارة. وفي الثالث من سبتمبر استقال وزير الخارجية ألكساندر زينشنكو احتجاجاً على الفساد المستشري وسط دوائر النفوذ في حكومة يوشنكو. وكان هذا الرجل المقرب من يتموشنكو قد لعب دوراً محورياً في تنظيم احتجاجات ديسمبر 2004 التي أدت في نهاية المطاف إلى نجاح الثورة البرتقالية.

وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده لإعلان استقالته، اتهم زينشنكو رئيس مجلس الدفاع والأمن بيوتر بورشنكو، الذي كان أحد أهم الداعمين الماليين للثورة البرتقالية، بمحاولة تحويل الشرطة والوكالات القضائية والاستخباراتية إلى جهاز بوليسي سري جدي من النمط الستاليني. وبعد يوم واحد من حل حكومة تيموشنكو، استقال بورشنكو أيضاً مؤكداً على أنه يعتزم اللجوء إلى القضاء لمواجهة الاتهامات التي وجهت إليه.

لكن من المؤكد أن سجل بورشنكو السياسي لن ينتهي عند هذا الحد، لأن الرئيس يوشنكو سيكون بحاجة إليه في نزاعه مع تيموشنكو القوية مالياً وجماهيرياً. ويظهر اختيار يوشنكو لرئيس وزرائه الجديد مدى محدودية خياراته. فلقد كان يوري يخانوروف حاكماً لإقليم دنيبروبتروفسك ومديراً لمصنع للاسمنت المسلح خلال الحقبة السوفييتية ورئيساً لسلطة الخصخصة المركزية في البلد بين 1994 و1997.

ونجا يخانوروف من تحقيق في تهمة وجهت له بسرقة أموال الدولة بسبب توقف التحقيق في سنوات ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وتمت بعد ذلك في عام 1999 إعادة تأهيله سياسياً من قبل رئيس الوزراء في حينها فيكتور يوشنكو الذي عينه نائباً له.وهكذا ألقيت الثورة في الموقد هذا الخريف، لتكون عنوان المرحلة الراهنة هو «استعادة الماضي الجميل».

ترجمة: علي محمد

عن «دير شبيغل»