في ضوء ما توصلت إليه الدراسة التي نعرض لها من وجود قصور كبير في طبيعة الرسالة الإعلامية حسب التحليل الإعلامي الذي قامت به لـ «بي بي سي 1» و«آي تي في»، فإنها تحاول استجلاء الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع باعتبار أن ذلك خطوة على طريق تجاوز هذا القصور.
وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلى أنه من الجوانب التي أصبحت ملحوظة بشكل كبير وتشكل قصورا في العمل الصحافي أنه أصبح من الأسهل على الصحافيين قبول مدهم بشكل روتيني بالمعلومات بديلا عن خوض غمار الصعاب من أجل الحصول على المعلومة التي تحوي مادة مستقلة.
وساعد على ذلك ما يشكو منه الصحافيون العاملون في الأراضي المحتلة من عمليات الاحتواء والسيطرة على عملهم وقد وصل ذلك إلى أسوأ مراحله مع وصول الانتفاضة إلى ذروتها. وقد كتب مراسل البي بي سي البريطاني المخضرم كيث غرافز في الغارديان قائلا:
عندما بدأت عملي في الشرق الأوسط كمراسل للبي بي سي منذ نحو 30 عاما فإن إسرائيل كانت فخورة بحق باعتبارها الدولة الوحيدة في المنطقة التي يمكن للصحافيين فيها أن يمارسوا عملهم بحرية، وقد تغير هذا الوضع بشكل كبير وفي ظل حكومة شارون فإن حجب التقارير التي لا تروق لإسرائيل أصبح أمراً روتينياً من قبل الحكومة.
وحسبما نشرت الأوبزرفر في 17 يونيو 2001 فقد اتهمت منظمات مثل منظمة الصحافة العالمية وصحافيون بلا حدود إسرائيل باستهداف الصحافيين مشيرين إلى إصابة ثمانية منهم. وقد قدم برنامج للقناة الرابعة تفصيلات عن الصحافيين وحول ما يعتبرونه قتلاً متعمداً من قبل قوات الأمن الإسرائيلية لأحد رفقائهم عندما كان يصور إزالة منازل فلسطينية.
على الجانب الآخر فإن السلطة الفلسطينية أيضا حاولت وضع قيود على التغطية الصحافية التي قد لا تروق لها. غير أنه بعيداً عن كل هذا فإنه من الواضح أن العلاقات العامة الإسرائيلية ونظام الإمداد بالمعلومات كان أكثر خبرة وذا موارد أفضل. كما توجد أيضا جماعات الضغط القوية التي تساند المواقف الإسرائيلية في الولايات المتحدة والى حد ما في بريطانيا.
لقد نشرت الإندبندنت في 21 سبتمبر 2001، على سبيل المثال، أن السفارة الإسرائيلية في لندن مارست محاولات تأثير ضخمة على وسائل الإعلام البريطانية. ونقلت الصحيفة عن السكرتير الصحافي في السفارة قوله: إن لندن تعد مركز الإعلام العالمي والسفارة هنا تعمل ليلا ونهارا في محاولة منها للتأثير على وسائل الإعلام.
وبشكل واضح فإنني لا اعتقد أننا نقوم بما يمكن اعتباره عملاً سيئاً، ولذا يمكنني القول .. إننا لدينا صحف - في بريطانيا - تكتب باستمرار بشكل يؤيد ويتفهم المواقف الإسرائيلية والتحديات التي تواجهها. وقد كان لنا تأثيرنا على البي بي سي أيضا.
* لوبي الإعلام الصهيوني
كتبت الأوبزرفر في 17 يونيو 2001 أيضا عن كثافة هذه الحملة مشيرة إلى أن جبهة جديدة يتم فتحها بشأن الانتفاضة، فإزاء ما تواجهه من انتقادات دولية في أسلوب مواجهتها للانتفاضة فإن الحكومة الإسرائيلية بزعامة أرييل شارون وحلفائها في السلطة إلى جانب اللوبي الموالي لإسرائيل.
وذي التأثير البالغ تحركوا في سعي لتكتيل جهودهم ضد الإعلام الدولي في تناوله للأزمة الحالية. وأصبحت وسائل الإعلام التي كانت تساند إسرائيل متهمة بأنها موالية للفلسطينيين وفي أسوأ الأحوال معادية للسامية!
ويشير الباحثان إلى ما ذكره الصحافيون لهما بشأن الانتقادات الكبيرة التي تعرضوا لها. ومن بين هؤلاء لينسي هيلسم من القناة الرابعة والتي أشارت إلى أنها تلقت عددا كبيرا من الرسائل الالكترونية تتهمها بمعاداة السامية بسبب ما كتبته مما لم يكن في صالح إسرائيل.
كما أشارت الأوبزرفر أيضا إلى الطبيعة المنظمة لحملات الخطابات الموجهة في مثل هذه الأحوال قائلة أنه لعدة سنوات فإن المنظمات الموالية لإسرائيل نظمت حملات خطابات للاحتجاج على المقالات أو البرامج التي لا تروق لها. ومع تطور وسائل الاتصال فإن الرسائل الالكترونية أصبحت وسيلة أساسية للتعبير عن ذلك وبشكل زاد من معدل الرسائل إلى حد كبير.
وأصبح هناك مواقع تستهدف الصحافيين وتقدم للمشتركين فيها خطابات شكاوى معدة وجاهزة للإرسال حتى يقوم المشتركون بإرسالها. ويحاول المؤيدون لإسرائيل الربط بين كل من التحيز في وسائل الإعلام وأعمال الهجمات على الإسرائيليين على أنها تعكس معاداة للسامية. ويشيرون إلى أن ذلك يعد بالتأكيد دليلا على معاداة السامية يرد بشكل خاص في خطابات الأئمة المسلمين ووسائل الإعلام العربية.
ويشير الباحثان إلى أنه توجد قضية مهمة تلقي بتأثيرها على التطور الحالي بشأن العلاقات العامة الإسرائيلية. فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة فإن إسرائيل راحت تركز على الدور الذي تلعبه في الحرب على الإرهاب.
وقد كان لهذا الأمر دلالة كبيرة فيما يتعلق بطرح إسرائيل لنفسها على أنها جزء من التحالف الغربي كما يذهب نحمان شاي المتحدث الإسرائيلي باسم الحكومة الاسرائيلية في بداية الانتفاضة في لقاء تم معه في 15 أغسطس 2003.
ويفصل في طرح استراتيجية العلاقات العامة الإسرائيلية في هذا الصدد، مشيراً إلى أنه تم الاستقرار على اختيار الحرب على الإرهاب بدلا من معاداة السامية لأننا جزء من العالم الغربي على حد قوله.
مؤكداً على أن طرح إسرائيل نفسها على هذا النحو مثل تطورا أفضل بالنسبة لها لدى الحكومات وجعلها تحظى بمساندة أكبر باعتبار أن الحرب على الإرهاب إنما تعكس قضية عامة وليست قضية خاصة بإسرائيل وحدها!!
وعلى هذا الأساس ومن خلال هذا النهج تكون إسرائيل قد حققت هدفين في وقت واحد فمن ناحية تكون قد أدرجت نفسها ضمن التحالف المواجه للإرهاب وفي ذات الوقت نجحت في صرف الأنظار عن أفعالها المتعلقة بالصراع في الشرق الأوسط.
ومع ذلك ووفق الرؤية التي يقدمها نحمان شاي فإن وسائل الإعلام بما فيها البريطانية أصبحت أكثر توازناً فيما بعد عن تلك التغطية التي كانت تقدمها مع بداية الانتفاضة والسبب، برأيه، هو طبيعة تناول هذه الوسائل للعمليات الانتحارية ضد الشعب الإسرائيلي.
ومن كلام نحمان يشير الباحثان إلى أن إسرائيل رأت في العمليات الانتحارية ما يتيح لها استغلالها في تحسين صورتها من خلال تغطية «متوازنة» تقدم ما يمكن أن يمثل الجانب السيئ في الموقف الفلسطيني وفي ظل انخراط إسرائيل في تحالف الحرب على الإرهاب فإن ذلك في النهاية يعزز موقفها في حربها مع الفلسطينيين.
ثم ينتقل الباحثان الى مناقشة مقولة إن وسائل الإعلام تقدم تغطية منحازة ضد إسرائيل مشيرين إلى أن صحيفة الإوبزرفر نشرت في 17 يونيو أيضا ما يشير الى تأثير جماعات الضغط الموالية لإسرائيل مثل مجموعة المحافظين أصدقاء إسرائيل والتي دعت الصحافيين إلى مأدبة غداء في مجلس العموم وخلالها طرح البعض من المجموعة تهمة التحيز الإعلامي ضد إسرائيل.
وكان مما قاله أحد أعضاء المجموعة وهو جيليان شيبرد: دعونا لا ننسى أن إسرائيل تشعر أنها تحت الحصار، مضيفا أنهم في إسرائيل يشعرون بأن هناك تحيزاً ضدهم وأن هناك مؤامرة تحاك بشأنهم.
مضيفا أنه يوجد تصور في إسرائيل كذلك بمحاولة تقديمهم على أنهم أساس المشاكل في المنطقة فيما يتم تجاهل الأوضاع التي تمثل تهديدا لها. كما يوجد شعور بأن إسرائيل التي تعد واحة صغيرة للديمقراطية وسط منطقة تفتقد الديمقراطية لا تحصل على التقدير الكافي على إنجازاتها.
* نقمة على الصحافة
والنتيجة التي يخلص إليها الباحثان من حديث شيبرد هي أنه يشير إلى إحساس عميق بالاضطهاد ينتشر بشكل أكبر في المجتمع اليهودي الأشمل ويعكس نقمة على الصحافة. ويشيران إلى أنه في فبراير 2003 على سبيل المثال نشرت في «جويش كرونكيل» مقالا عن مؤتمر حول معاداة السامية والمناقشات التي دارت خلاله.
وحسبما ذهبت كاتبة المقال فإن المقولة التي تم تكرارها حسبما لاحظت هي الكراهية المشتركة لدى اليهودي لكل من المتشددين الإسلاميين من ناحية ووسائل الإعلام الأوروبية والبريطانية على الجانب الآخر. وكما أشارت كان الاتجاه السائد هو انتقاد أوروبا .
. فبعد مرور خمسين عاما على محاولات الإبادة التي قام بها الأوروبيون لليهود يأتون الآن وبدلا من الكشف عن نزعة الإبادة لدى المسلمين والتي تتمثل في المشاعر المعادية للسامية فإنهم راحوا يكررون قصة محاولة وصف اليهود بأنهم نازيون، والفلسطينيون على أنهم يهود جدد.
وقد أشارت المقالة التي يعرض لها الباحثان إلى انه من بين جوانب المؤتمر جري الحديث عن الطريقة التي تتناول بها وسائل الإعلام البريطانية فرق الموت الإسرائيلية والإعدامات فيما يتم تناول عمليات التفجير الفلسطينية بشكل يتسم بالهدوء.
ويشير الباحثان الى أنه فيما لا يمكن إنكار وجود شعور معاد للسامية في أوساط الجماعات الإسلامية وفي كل مكان، إلا أن وصف وسائل الإعلام البريطانية لا يتوافق مع الحقيقة الماثلة على أرض الواقع.
ومن الواضح أن بعض المواقف التي تعبر عن هذا الهوس المتعلق بالشعور بمعاداة السامية والتي واجهها الباحثان كانت محيرة في تفسيرها بشكل يفوق الوصف حتى أنهما عبرا بصراحة عن ذلك بشأن ما ظهر لهما من قبل بعض المشاركين في الاستبيان.
ويقدما لنا هنا قصة تفوق الوصف تشير إلى قدر من الجمود يؤدي بالشخص الذي لديه تصورات معينة عن قضية ما إلى رفض الاعتراف بظاهرة أو موقف يحدث أمامه يتعارض مع قناعاته أو يتجاوز ما يتصوره.
ويشيران إلى حالة من هذا النمط وجداها خلال الدراسة وهي حالة كان من الصعب على صاحبها أن يرى ما يعرض أمامه، وراح يتهم الأخبار بالانحياز ضد إسرائيل وأنه تم اختيار صور للعرض تعكس مساندة المواقف الفلسطينية. ويتلخص الأمر في مشهد ـ من الواضح أنه تجميعي لمجموعة أحداث تتعلق بالانتفاضة ـ عرض في إحدى النشرات لعربة إسعاف إسرائيلية عليها نجمة داوود.
وتضمن أيضا صورة جندي إسرائيلي قتيل كان يلقى بالحجارة من إحدى نوافذ نقطة شرطة فلسطينية. ولكن المشارك المقصود لم يسترع انتباهه سوى تلك الصورة لدبابة إسرائيلية في منطقة فلسطينية وعبر عن قلقه عما يمكن أن توحي به هذه الصورة، واعتبر ذلك بمثابة انحياز ضد إسرائيل!!
ورغم كل ذلك يؤكد الباحثان على ان نتائج دراستهما تشير إلى أن المفاهيم الإسرائيلية هي التي تسيدت التغطية الإعلامية التلفزيونية، ويعد هذا من ناحية نتيجة لجهود جماعات الضغط والعلاقات العامة المنظمة جيدا والموالية لإسرائيل ومن ناحية أخرى يعود الفضل في ذلك ـ إذا كان يمكننا الحديث عن فضل ـ إلى عامل آخر يلقي بتأثيره على التغطية الإعلامية يتمثل في الروابط القوية السياسية والإعلامية بين الولايات المتحدة وبريطانيا.
* الدور الأميركي
يشير الباحثان الى أن نتائج دراستهما كشفت عن أن المتحدثين من الولايات المتحدة كانوا غالبا ما يظهرون على شاشات التلفزيون وأنهم غالبا ما كانوا يقدمون مواقف تمثل مساندة لإسرائيل. ولا يمكن مقارنة هذا الظهور لأميركيين بأي حال من الأحوال مع ممثلين لحكومات
أخرى تتخذ مواقف تنتقد اسرائيل. واعترافا بطبيعة العلاقة الخاصة التي تربط الولايات المتحدة كقوة عظمى وعلاقاتها مع بريطانيا فإنه قد يكون من غير الغريب وفقا للباحثين أن يتم عرض رؤى سياسييها وبشكل واضح غير أنه يبقى من الجوانب التي تفتقد للمعنى أن يكون لها تأثيرها على توازن التغطية الإعلامية.
ويشيران إلى أنه توجد دلائل على أن التصورات القائمة لدى السياسيين الأميركيين عن الشرق الأوسط تم تعزيزها من قبل جماعات الضغط الموالية لإسرائيل. وقد أشار برنامج في القناة الرابعة في تناول يتعلق بهذا الجانب إلى أن المجموعات الموالية لإسرائيل أصبحت تشمل في الوقت الحاضر كذلك اليمين المحافظ.
وحسبما أشار الصحافي في ذلك البرنامج فإن اليمين المحافظ أصبح من القوى الأساسية التي تساند مواقف إسرائيل بحيث لم تعد جماعات الضغط المساندة لهذه الأخيرة تتمثل في المؤسسة اليهودية فقط وإنما ضمت إلى جانبها طرف آخر له تأثيره بما يتيح لهما - الجماعات اليهودية واليمين المسيحي- التأثير على مجمل السياسات المتعلقة بإسرائيل لصالحها.
وقد قام البرنامج بزيارة الكنيسة الرئيسية في سان انطونيو في تكساس في 7 مايو 2002 حيث حضر عشرة آلاف مصل كان يتم بث صلاتهم إلى ملايين المنازل. وقد راح القس يقول في حديثه:
«لقد دخل الرب في ميثاق أبدي مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب بأن أرض إسرائيل لن تكون سوى لأبناء الشعب اليهودي للأبد، وللأبد تعني 2002 و3002 و4002، للأبد تعني للأبد، وسوف تظل القدس العاصمة الأبدية للدولة اليهودية».
وقد أشار البرنامج أيضا إلى تنامي أنشطة اليهود الأميركيين ودور منظمة إيباك (اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة) كما أنه أشار أيضا إلى وجود جماعات يهودية صغيرة تعارض السياسات الإسرائيلية الحالية ولكن تأثير إيباك من القوة بحيث لا يمكن الأخذ في الاعتبار أي جماعة أخرى مناوئة له.
ووفق ما يشير إليه التقرير الذي يتحدث عنه الباحثان فإن قوة إيباك أصبحت تمثل أحد المحددات الأساسية للسياسة الأميركية وقد وضعتها مجلة فورتشن من بين خمس جماعات مصالح رئيسية في الولايات المتحدة، وهو أمر تبدو أهميته في ضوء معرفة أنه لا توجد مجموعة ضغط أخرى في مجال القضايا الخارجية تحتل حتى المرتبة الخامسة والعشرين.
وقد حاور البرنامج جي غولدبيرغ وهو مؤلف أميركي كتب عن إيباك وآخرين من مجموعات موالية لإسرائيل. وقد أشار إلى المدى المتطور الذي بلغته جماعات التأثير السياسية عبر تمويل خصوم كل من يتكلم ضد إسرائيل.
وحسبما يقول غولد بيرغ فإن إيباك لها تأثير هائل في مجال السياسة الخارجية وهي تعمل بجد من أجل ضمان تبني الولايات المتحدة وجهات نظر إسرائيل بشأن العالم والشرق الأوسط. وهم يقومون بذلك جزئيا من خلال الإقناع ومن جهة أخرى من خلال التهديد. وتقوم إيباك بشكل غير مباشر بدفع أموال للمرشحين من خلال تشكيل لجان سياسية فاعلة بتمويل الحملات الانتخابية للمرشحين.
ويوجد4 أو 5 حالات على مدى الـ 25 سنة الماضية تشير إلى أن إيباك اتخذت مواقف مناوئة لأعضاء في الكونغرس الذين صوتوا بشكل مخالف لما تريده. فقد أمدت منافسيهم بالأموال خلال الانتخابات ومكنتهم من الفوز على هؤلاء الأعضاء. ويضيف أن بعض أعضاء الكونغرس أخبروه بأنه على مدى السنوات القليلة الماضية كان عضو الكونغرس يتلقى التهديد بأنه إذا لم يصوت ضد عرفات فإنه سوف يدفع الثمن!
ولا توجد نسبة ذات شأن بين أعضاء الكونغرس يؤيدون السلام أو التفاوض حيث لا يوجد هناك من سيكافئهم بل إنهم سيعاقبون. وبالطبع فإن المقصود هنا السلام والتفاوض بمعناهما الحقيقي وليس على الطريقة الإسرائيلية. وكما أشار برنامج لـ بي بي سي فإن قوة إيباك تظهر في مؤتمرها السنوي والذي يشهد حضورا لنحو نصف أعضاء مجلس النواب الأميركي ونحو النصف أيضاً من مجلس الشيوخ.
كما أشار أيضاً إلى أن وسائل الإعلام في الولايات المتحدة أيضا متأثرة بشكل كبير بجماعات الضغط الموالية لإسرائيل. وقد كتب مايكل ماسينغ في «ذي ناشين» في 10 يونيو 2002 ما يشير إلى أن أنشطة إيباك نادرا ما يتم التعرض لها بالتحليل في وسائل الإعلام الأميركية.
وحسبما كتب ماسينغ فإن الصحافيين في الغالب لا يحبون الكتابة عن تأثير الجماعات اليهودية، والتي ينظر إليها عبر العالم العربي على أنها أس البلاء في الشرق الأوسط. ويضيف أن الكثيرين من الصحافيين والكتاب، وبشكل خاص اليهود يتخوفون من تغذية مثل هذه الصور النمطية.
ولكنه علّق أيضاً بأن العقبة الرئيسية لتغطية أنشطة مثل هذه المجموعات هو الخوف.. فالمنظمات اليهودية سريعة في توجيه تهمة التحيز في أي تغطية متعلقة بالشرق الأوسط لا تراها مناسبة، كما أنها سريعة في الشكوى من ذلك.
وقد وصل حجم الحساسية والضغط من قبل هذه المجموعات حد أن نحو ألف مشترك في «لوس أنجلوس تايمز» أوقفوا اشتراكهم فيها لمدة يوم واحد للتعبير عن احتجاجهم على ما اعتبروه التغطية المنحازة للفلسطينيين. وقد لقيت الموقف نفسه بسبب احتجاجات شبيهة كل من شيكاغو تريبيون ومينيابوليس ستار تربيون، وفيلادلفيا إنكوايرر وكذلك ميامي هيرالد.
وقد تساءل ماسينج بناء على هذا التناول حول ما إذا كانت مثل هذه الاحتجاجات سيكون لها تأثيرها على صحيفة مثل نيويورك تايمز؟
ويشير في معرض إجابته إلى المثال التالي: فلقد نشرت الصحيفة صورتين لمسيرة مؤيدة لإسرائيل في مانهاتن، غير أن الصورتين نشرتا في وضع هامشي مقارنة بأخرى معارضة لإسرائيل وضعت في المقدمة. وقد تلقت الصحيفة لعدة أسابيع تهديدات بالمقاطعة من قبل القراء اليهود، ووجهت بطوفان من المعارضة.
كما أن تيد تيرنر مؤسس السي إن إن أشعل جدلا دوليا بقوله أن كلا من الإسرائيليين والفلسطينيين منخرطون في أعمال الإرهاب. وكما أشارت الغارديان، فإنه بعد مقابلة تيرنر تلك كانت هناك دعوات لشركات الكابل والأقمار الصناعية في إسرائيل لإلغاء السي إن إن من إطار خدماتهم.
وفي رد فعل على ذلك قام أحد مزودي خدمة سي إن إن بإضافة فوكس نيوز المنافسة الرئيسية لها والتي ينظر إليها في إسرائيل على أنها متوافقة مع التوجهات الإسرائيلية إلى حزمة قنواته.
وقد أشارت الغارديان أيضا إلى توافق توجهات فوكس نيوز مع اليمين المحافظ في توجهاته بشأن الصراع في الشرق الأوسط. وهي تشير الآن، على سبيل المثال، إلى منفذي العمليات الانتحارية من الفلسطينيين على أنهم قتلة. وأصبح ينظر إليها في إسرائيل على أنها «نموذج» للموضوعية في التغطية!!
* رقابة بمعايير إسرائيلية
وتعد فوكس إحدى مؤسسات مردوخ والتي لها تواجد إعلامي مكثف في بريطانيا وتملك على سبيل المثال «ذي صن»، والتايمز، وصنداي تايمز، و«ذي نيوز أوف ذي وورلد» وقد استقال سام كيلي مراسل التايمز في سبتمبر 2001 متهما الجريدة بممارسة رقابة ذات معايير إسرائيلية على تقاريره.
وقد أشار إلى علاقة الصداقة القوية التي تربط مردوخ بشارون واستثماراته الكبيرة في إسرائيل. وقد كتب سام كيلي في «إيفننغ ستاندرد» اللندنية معلقا على هذه القضية قائلا أن محرر الشؤون الخارجية ومديرين من الفئة المتوسطة في التايمز يصابون بهستيريا الرعب في كل مرة تتقدم فيها مجموعة ضغط موالية لإسرائيل بشكوى، وبناء على ذلك يتبنون مواقفهم ضد مراسلي الصحيفة المشكو في أمرهم.. مضيفا : لقد تم إخباري بأنني يجب أن لا أشير إلى «اغتيال» إسرائيل لخصومها.
وقد نقلت الغارديان أيضا عن سام كيلي قوله إن مديري مؤسسة مردوخ كانوا حريصين بشكل مبالغ فيه على عدم إزعاجه حتى أنهم طلبوا منه عندما قابل قائد الوحدة الإسرائيلية المسؤولة عن مقتل طفل فلسطيني يبلغ من العمر 12 عاما،عدم التطرق إلى ذكر أي شيء يتعلق بمقتل الطفل.
كما أن الجدل امتد أيضاً إلى الديلي تليغراف بشأن تغطيتها للنزاع في الشرق الأوسط.. فمالك مجموعة التليغراف كونراد بلاك معروف عنه مساندته القوية لإسرائيل وقد أدى ذلك إلى شكوى من الصحافيين من أن ذلك يؤثر على السياسة التحريرية.
وقد وقع ثلاثة كتاب بارزون كلهم كانوا مشاركين في مجموعة تليغراف في فترة سابقة على خطاب أرسل إلى «سبيكتاتور» يتهمونه فيه بانتهاك مسؤوليته كمالك للديلي تليغراف. ومع الموقف الحاد الذي يمارسه بلاك بشأن تأييد إسرائيل لا يجرؤ أي محرر أو كاتب أن يقدم رؤية متوازنة تعبر عن طبيعة الموقف الفلسطيني.
وفي اليوم ذاته كتب وليام دالريمبل أحد الموقعين على الخطاب في الغارديان في 16 مارس عام 2001 «إن بارون الصحافة يعد موقعاً ذا سلطة هائلة، وأن هذا الموقع يلقي على عاتق صاحبه الكثير من المسؤوليات، وهذه المسؤوليات إنما تنتهك عندما يقرر بشكل واضح أن هناك مناطق معينة خارج نطاق الطرح والتناول، وأن من ينتهك هذا التوجه من الطاقم الصحافي سوف يلقى جزاءه».
ويخلص المؤلفان من هذا التناول إلى أن ضغوط العلاقات العامة المنظمة وجماعات الضغط والانتقادات التي تأخذ طابعاً متواصلاً.. كل هذا متضافرا مع هيمنة الرؤى الإسرائيلية من خلال الرموز السياسية والعامة يمكن لها أن تؤثر على المناخ الذي يعمل الصحافيون في إطاره.
لا توجد سيطرة كلية وتوجد مناطق من وسائل الإعلام حيث الأجواء فيها مفتوحة نسبيا، غير أن هذه العوامل تفسر إلى حد ما لماذا يجد الصحافيون في بعض الأحيان صعوبة في تقديم تقرير واضح بشأن الموقف الفلسطيني فيما يستطيعون بشكل أكثر سهولة أن يفعلوا ذلك بالنسبة للجانب الإسرائيلي.