كانت النقطة الأساسية التي تحاول الدراسة التوصل إليها هي تحديد مدى تأثير التغطية التليفزيونية على إدراكهم للصراع محل الدراسة وهو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعلى هذا الأساس كانت الأسئلة التي طرحها الباحثان على الأشخاص الذين شملتهم الدراسة تتمحور حول ما يرد في ذهنهم لدى سماعهم كلمة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ ثم ما هو المصدر الذي استقوا منه هذا الانطباع .

النتيجة العامة التي توصلت إليها الدراسة من خلال الاستبيان هي أن معظم المشاركين في هذا البحث لديهم فكرة محدودة في شأن تاريخ أو جذور الصراع. وبشأن مجموعة الطلبة البريطانيين ضمن عينة البحث في 2001 فإن 4 % أشاروا إلى أن الفلسطينيين تم إرغامهم على الرحيل عن أرضهم ومنازلهم عند قيام إسرائيل.

وفي 2002 فإن النسبة كانت 8% (وبالنسبة للطلبة الألمان والأميركيين فإن النسبة كانت 26 % و19% على التوالي). وبالنسبة للطلبة البريطانيين كانت هناك نسبة إضافية أخرى تصل إلى نحو 14% في عام 2001 ونحو 22% عام 2002 أشارت إلى أن الفلسطينيين بشكل أو بآخر فقدوا منازلهم بسبب إسرائيل.

أو ذكروا أن الاحتلال يعد أحد العوامل التي ساهمت بذلك، وقد استعملوا في الإشارة إلى ذلك مصطلحات مثل: الطرد، النفي، الترحيل، الإبعاد. فيما لم تعرف النسبة الأكبر من العينة الإجابة أو قدمت عبارات عامة بشأن مشكلة اللاجئين مثل «انهم رحلوا بسبب الخوف من الحرب والجوع» أو أنهم أصبحوا لاجئين بسبب «الصراع المسلح والعمليات العسكرية».

* فكرة محدودة

كان واضحاً أيضاً من إجابات المجموعة أن الكثيرين ليس لديهم سوى فكرة محدودة عن الصراع، وذلك رغم أن المجموعة البريطانية من الطلبة الذين جرى استبيانهم بشأن الصراع يدرسون العلوم الاجتماعية والفنون والتاريخ في الجامعة، فضلا عن أن المجموعة تمثل بشكل كبير الطبقة الوسطى، تلك التي تلعب الأخبار دوراً رئيسياً في حياتها.

ومع ذلك فإنه بالنسبة للمجموعة الرئيسية ككل فإن نحو 19% أشاروا إلى العلاقة بين قيام إسرائيل وقضية اللاجئين الفلسطينيين فيما لم يستطع الكثيرون تحديد أي حروب وقعت في المنطقة. إن مجمل مستوى المعلومات العامة يمكن أن يكون أقل من ذلك.

فضلاً عن ذلك فإن الأغلبية أيضا ليست لديها معرفة أو فكرة عن الارتباط بين حربي 1948 و1967 وأن الفلسطينيين رحلوا خلالهما عن أراضيهم التي أصبحت إسرائيل في عام 48 وتوسعت فيما بعد في حرب 67 لتشمل السيطرة على مناطق جديدة مثل غزة والضفة الغربية لنهر الأردن والقدس الشرقية وتحولت على هذا الأساس لتصبح خاضعة للاحتلال العسكري بعد 67.

وفي أغلب الأحوال كان الأشخاص الخاضعون للدراسة يقومون بسؤال القائمين على البحث عن جذور الصراع. وفي إجاباتهم فإنهم كانوا يقدمون إجابات مختصرة بشأن أحداث 1948 و1967 تقوم على أساس الدراسة التي قدمها آفي شلايم .

والذي تم اقتباس بعض نتائجه في الدراسة، كما كان الصحافيون ـ والذين كانوا يعدون في الوقت نفسه جزءا من عينة البحث ـ يساعدون القائمين على البحث في تقديم الإجابات لأفراد العينة. ورغم أن الإجابة التي كان يتم تقديمها كانت بالغة الاختصار إلا أنه كان لها تأثير بالغ على فهم أفراد المجموعة للقضية.

وحسبما أشارت إحدى المشاركات فإنها تتمنى لو تم تقديم ملخص بالغ الاختصار لتاريخ النزاع يشرح السبب الذي أوصل الأوضاع إلى ما هي عليه الآن. وتضيف أنه عندما يبدأ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في الاستحواذ على جانب من النشرات تشعر أنها في حاجة إلى مثل هذا الأمر وتتابع الأخبار يوما بيوم لترى ما تتطور إليه الأمور وماذا يحدث بشأن القنابل الانتحارية.

وفي إطار استعراض الآراء المختلفة في هذا الصدد يشير الباحثان إلى موقف تيم ليويلين المراسل السابق لل«بي بي سي» في الشرق الأوسط حيث يقول:

إنني أعرف الكثير عن الشرق الأوسط ولكني كنت أشاهد نشرة الأخبار الليلية على ال«بي بي سي» الليلة الماضية والتي أفترض أنها يمكن أن تقدم لي أفضل تغطية بشأن الأخبار الخارجية غير أنني أصبت بحيرة، فيما ذكر أحد صحافيي ال«بي بي سي» للباحثين أنه تلقى تعليمات مشددة بعدم الخوض في تقديم شروح وتفسيرات.

* تحفظات عديدة

ساد في المناقشات التي دارت مع المشاركين تحفظات عديدة من قبلهم سواء مع هذه المجموعة أو غيرها بشأن كيف يمكن تضمين التاريخ الطويل للصراع في نشرات الأخبار؟ وهل يجب أن يتم الخوض بشكل موسع بشأن تاريخ الصراع في النشرات التي تعرض لتناول الأحداث الجارية؟

ووفق الدراسة أشارت أعداد صغيرة من المشاركين إلى أنهم غير مهتمين بالموضوع أو أنهم غالبا ما يكونون مشغولين «إن الأخبار تدخل من أذن وتخرج من الأخرى»، حسبما قال أحد المشاركين، فيما تساءل آخر حول المدى الذي تمثله رغبة المشاهدين في معرفة تقارير معمقة بشأن الصراع. غير أنه بعيدا عن ذلك، فإنه بشكل عام كان هناك اتفاق أو توافق كبير بين مجموعات المشاركين على أنه من الصعب فهم الصراع دون تقديم خلفية بشأن تاريخه.

وتثير الأسئلة السابقة المتعلقة بتضمين تاريخ الصراع في نشرات الأخبار إحدى المشاكل الأساسية التي تمثل عقبة أمام الدراسة، فبغض النظر عن مضمونها وموقفها إلا أن هناك نقطة مهمة لا بد من أخذها في الاعتبار وإن كانت لا تؤثر على النتيجة العامة التي توصلت إليها الدراسة.

إن المبدأ العام الحاكم لوسيلة الإعلام خاصة في ضوء حالة التنافس حامية الوطيس بين هذه الوسائل ـ أي وسيلة بغض النظر عن الموضوع الذي تتناوله ـ هو إغراق المتلقي في سيل من الرسائل الإعلامية التي تجعله في النهاية لا يرى الصورة الكلية للقضية مجال العرض. بمعنى آخر.

أن الحصيلة النهائية لأي متابع بشكل متواصل لوسيلة إعلامية ما هي الوصول إلى مرحلة «رؤية الأشجار وعدم رؤية الغابة» حيث تغيب عنه في هذه الحالة الرؤية الشاملة فيما تسود لديه رؤى جزئية في أغلب الأحوال مشوهة بشأن الموضوع الذي يتابعه، وهو ما قد يفسر جزئياً حالة المشاهدين جراء طبيعة تغطية بي بي سي 1 و «آي تي في» للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

إن أفضل تمثيل للحالة التي نود الإشارة إليها هي تلك الإجابة التي قدمها طالب من جامعة جلاسكو يقول فيها :إنني لم اسمع أي تطرق إلى تاريخ الصراع في الأخبار على الإطلاق. إنهم لا يحدثوننا عن ذلك. كل ما يقدمونه لنا أن القتال إنما هو نتيجة لمواجهات اليوم السابق والتي كانت بدورها نتيجة لقتال اليوم الذي قبله .

. وهكذا فهم لا يتجاوزون هذا الإطار. إنني لا أعرف أي شيء عن تاريخ هذا الصراع. إن المراسل يذكر لنا أن « إسرائيل أطلقت النار على مخيم للاجئين الفلسطينيين في رد فعل على تفجير انتحاري فلسطيني في اليوم السابق»، ولكنه لا يذكر لنا لماذا يقاتل الفلسطينيون أصلا أو لماذا تقاتل إسرائيل الفلسطينيين. إنهم لا يبتعدون عن ذكر ما يحدث في الحاضر دون أن يتطرقوا إلى الماضي.

من ناحية أخرى فإنه رغم أن الدراسة تتوصل إلى نتائج مذهلة ليس على صعيد القضية محل الدراسة فحسب وإنما على صعيد تحديد تأثير الإعلام على المتلقي بشكل عام ومن خلال جهد للباحثين القائمين عليها لا يمكن سوى أن يحظى بالإشادة إلا أن النتيجة التي أشرنا إليها بخصوص طبيعة الرسالة الإعلامية تعد أمراً منطقياً في ضوء الطبيعة التي تسم الإعلام المعاصر.

والذي يمكن توصيفه ـ إن صح التعبير بأنه ـ «إعلام التيك آواي» الذي يريد أن يقدم للمتلقي الرسالة الإعلامية بأسرع الطرق وأكثرها جاذبية دون الاهتمام بمضمون الجودة المتمثل في جعل المتلقي يقف على أرضية صلبة في فهمه لموضوع التناول الإعلامي.

لا يقلل ذلك بالطبع من حجم الإسهام الذي تمثله النتائج التي توصلت إليها الدراسة وإن كان يشير بشكل عام إلى الطبيعة المعقدة لدور وسائل الإعلام وتأثيرها على الجمهور.

فيكفي مثلا ما كشفت عنه الدراسة من جوانب تحيز في التغطية من قبل «بي بي سي 1» و «آي تي في»، وهى جوانب من الدقة بحيث يصعب على كثيرين ملاحظتها لدرجة يمكن معها القول ان الكثير من وسائل إعلامنا العربية، وهي من المفترض أنها متحيزة للطرف الفلسطيني، تقع فيها عن غير قصد بفعل أن المصدر الأساسي للمعلومات هو المصادر الغربية.

غير أنه مما قد يقوض التحفظ الذي أورده بعض المشاركين أو قد يورده غيرهم على إشارة الدراسة إلى ضرورة التطرق إلى تاريخ الصراع في التناول الإخباري، طبيعة التناول الذي يتم من خلال بعض وكالات الأنباء العالمية وهي غربية أيضا.

حيث يستطيع أي متابع لنمط التناول الإخباري من خلال هذه الوكالات أن يلمس أنها لا تمل من التطرق في كل خبر تقوم ببثه إلى خلفية القضية التي يعرض لها وأنها تنطلق في ذلك من افتراض أساسي هو الجهل التام للمتلقي بطبيعة الموضوع محل التناول الإخباري بغض النظر طبعا عن مدى الموضوعية في عرض هذه الخلفية.

وعلى هذا وفي ضوء التحفظ الذي نشير إليه بشأن فكرة الاستعراض التاريخي في سياق نشرات الأخبار أو مواجيزها رغم أنه يبدو تحفظا ضعيفا، قد يرى البعض أنه كان من الأولى بالدراسة عدم قصر التحليل على نشرات الأخبار فقط وإنما مده إلى البرامج الإخبارية وهي التي من المفترض أنها المجال الحقيقي لتناول خلفيات أي قضية.

وعلى سبيل المثال فإنه إذا كانت الدراسة قد وفقت من خلال أمثلة عملية في إثبات تحيز «آي تي في» للجانب الإسرائيلي من خلال عدم ذكر شارون بالاسم في الأيام الأولى للانتفاضة رغم أنه «شرير الفيلم» نظرا لدوره المحوري في الأحداث باعتباره المفجر الأساسي لها، إلا أن التحفظ الذي يورده سواء الصحافيون القائمون على القناة أو غيرهم هو أن التطرق إلى تاريخ شارون ليس مجاله النشرات الإخبارية.

رغم أن من أسس التناول الإعلامي الصحيح الإشارات السريعة إلى خلفية الحدث بما يمكن المشاهدين من فهم ما يدور. وقد كان يمكن تحقيق هذا الأمر حتى ولو على حساب عدد العينات أو مساحة النشرات التي يتم تحليلها خلال كل عينة.

* التشويه الإعلامي

خلاصة هذه النقطة هي أن المشكلة تتعلق بشقين: الشق الأول هو طبيعة الرسالة الإعلامية والشق الثاني هو طبيعة الموضوع محل الدراسة. وإذا كان التناول الإعلامي قد أنتج صورة مشوهة لدى المشاهدين عن القضية فإن ذلك لا يعود فقط إلى التحيز وإنما يعود إلى طبيعة التعاطي من قبل القائمين على العملية الإعلامية ذاتها. وهو الأمر الذي يحاول الباحثون الإجابة على جانب منه بشرح أبعاد هذا النمط من التغطية في جزء منفصل سنعرض له في سطور لاحقة.

أما الخلاصة العامة التي توصل إليها الباحثان من خلال استغراقهما في هذه النقطة فهي الانتهاء إلى النتيجة التي تمثل محور البحث الذي قاما به وهو أن نقص المعرفة التاريخية بشأن النزاع تجعل من الصعب على الجمهور أن يفهم القضايا الرئيسية بشأن الصراع.

وعلى سبيل المثال فإن البعض كتب أن الأرض تعد إحدى القضايا غير انه يوجد خلط كبير في فهم هذا المعنى. لقد وصف أحد المشاركين كيف أن معرفته بالقضية لا تتضمن على الإطلاق ما يشار إليه من أن الأرض قد تم الاستيلاء عليها من الفلسطينيين حيث يقول :

الانطباع لدي هو أن الفلسطينيين عاشوا في المنطقة وأنهم يحاولون الآن العودة والحصول على مزيد من الأرض لصالحهم. . لم أكن أدرك أنهم طردوا بالفعل من أرضهم. لقد كنت أعتقد أنهم لا يريدون العيش كجزء من إسرائيل

ويواصل الباحثان رصد اتجاهات المشاركين بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليكشفا عن المزيد من الجوانب الغريبة في هذا الصدد . . فالبعض مثلا كان يرى أو يتصور أن الصراع إنما يتعلق بنزاع بين دولتين أو شعبين يتنازعان بشأن أرض بينهما يريدها كل طرف منهم له.

وحسبما أشار أحد الطلبة المشاركين في البحث فإنه لم يكن يعرف أن كل فلسطين تم احتلالها. لقد كان يعتقد أن هناك دولتين هما فلسطين وإسرائيل وإنه يوجد بينهما حدود يتم التنازع عليها. فيما أشارت أخرى إلى أن النزاع حسب اعتقادها إنما هو مجرد نزاع على قطعة أرض. وحسبما تقول : لقد كنت اعتقد أنه ليس سوى نزاع على قطعة أرض فلم أكن اعرف أن الحدود الإسرائيلية قد تغيرت أو أنهم استولوا على أرض من شعب آخر.

ويشير الباحثان أيضا إلى أنه يوجد مشاكل مشابهة في فهم مصطلحات مماثلة مثل الأراضي المحتلة حيث لم يكن الكثير من أفراد المجموعة البريطانية مثلا يعرفون أن الفلسطينيين خضعوا للاحتلال الإسرائيلي بعد 1967 وبناء على ذلك فقد كان هناك خلط كبير بشأن معنى كلمة «محتلة».

يتطرق الباحثان بعد ذلك إلى محاولة استعراض العوامل الأساسية التي أثرت على إنتاج وبناء التقارير الإخبارية بشأن المنطقة. ويشيران إلى انه، كما رأينا، هناك ندرة في تناول أسباب الصراع وتفسيره في مادة التقارير الإخبارية. وقد أشار الصحافيون الذين خضعوا للبحث إلى المشاكل المتعلقة بالتدفق المتواصل للمواد الإخبارية وضغط الوقت.

إن مناقشات غرف الأخبار لا تركز في الغالب على القضايا المتعلقة بفهم المشاهدين أو الأثر الشامل للبرامج الإخبارية على الفهم العام. وكما أشار الصحافي أدريان مونك في حديثه لنا فإن الاهتمام الرئيسي لدى المنتج للأخبار هو كيف تنجز العمل في حدود الوقت المحدد؟

وعلى ذلك فهو يقرر أن هناك حاجة قوية الآن لدى الصحافيين والمذيعين لإعادة توجيه اهتمامهم والتفكير بشأن كيفية مساهمة ناتج الأخبار في بناء وتحسين القدرة الإعلامية. وأشار آخرون أيضا إلى عوامل في المؤسسات الحالية الخاصة بالبرامج تحد من قدرة الصحافيين على الشرح أو التحليل.

وقد علق أحد الذين تم استطلاع رأيهم في البحث وهو من المصورين المحترفين قائلاً: إن جزءاً من المشكلة يتمثل في الطريقة التي يتم بها العمل الإخباري اليوم.

مشيراً إلى تزايد سرعة الإنتاج بشكل يجعل من المتطلب توفير برامج على مدى الأربع والعشرين ساعة الأمر الذي يؤدي بالصحافيين إلى العمل في عدة برامج وقضاء أوقاتهم في الإعداد لها والجلوس أمام الكاميرا بسبب أنه مطلوب منهم إعداد خمسة عشر برنامجاً تلفزيونياً وأربعة برامج مختلفة للراديو مما يؤدي في النهاية إلى أن يجدوا أنفسهم غرقى في الحدث دون أن يقدموا لنا ماذا يعني ذلك أو تقديم التحليل المناسب بشأن القضية التي يعرضون لها.

؟ضغوط الوقت

أشارت الصحافية ليندسي هيلسوم أيضا إلى ضغوط الوقت غير أنها ربطت الأمر بصعوبات أخرى تتعلق بطبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بتاريخه الطويل المعقد والذي تعد تفسيراته مسألة مثيرة للخلاف.

وحسبما تقول توجد مشكلتان الأولى هي إلى أي مدى يمكن أن تذهب بعيداً في تناول القضية محل الخبر، والثانية تتعلق بكون مجال الحديث هو صراع من هذا النوع حيث كل حقيقة بشأنه تعد مسألة مثاراً للنزاع.

وتضيف فيما يشير إلى تصورها لنمط التغطية إزاء هذه المشاكل إلى أنها تعرض ما يقوله الفلسطينيون وما يقوله الإسرائيليون ثم تقدم رؤيتها باعتبارها صحافية وكحكم بين الطرفين لتقول للمشاهدين ماذا يحدث، فهناك وفقا لها أشياء حدثت لم تكن شاهدة عليها ولم ترها بعينيها.

أما بالنسبة لمسألة تفسير ما يحدث تقول يجب أن أقول ما يكرره الطرفان، معربة عن اعتقادها بأن ذلك يحول في بعض الأحيان دون تقديم الخلفية التي يجب تقديمها حيث انه لا يكون أمامها سوى ثلاث دقائق لتقديم فقرتها. ومن هذه الشهادة يشير الباحثان إلى أنها تتضمن أن الصحافيين يجب أن يتطرقوا إلى سياق الأحداث وأن دراستهما تقرر أن تجنبها له نتائج مهما.

كما يشيرا إلى أنه وكما أوضحا، فإن غياب العناصر الأساسية المتعلقة بتاريخ القضية الفلسطينية تجعل من الصعب فهم موقفهم. فأفعالهم يمكن أن تظهر بدون هذا السياق التاريخي للأحداث وكأنها هي سبب العنف والاضطراب في المنطقة. على العكس فإنه في كل مرة تقوم فيها إسرائيل بفعل ما فإنها تقدم تفسيراً يضفي الشرعية على ما تقوم به.

إن وجهات نظر إسرائيل بشأن الإرهاب وترشيد أفعالها هي التي ترد في الأخبار ويتم نقل هذه المواقف نقلا عن الإسرائيليين أكثر من الفلسطينيين. ويتمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء ذلك في ماكينة العلاقات العامة ذات الكفاءة التي تديرها إسرائيل وتقدم المعلومات للصحافيين.

إلى جانب ذلك فإنه في بعض الأحيان يكون من الصعب على الصحافيين الحصول على المعلومات من الجانب الفلسطيني بشأن الأحداث الجارية.

ويشير الباحثان إلى أنهما التقيا بصحافي أميركي يرأس مكتب وكالة أنباء مقرها القدس في الفترة ما قبل الانتفاضة لقد وصف لهم الروابط القوية التي تربط بين الإسرائيليين والمجتمع الصحافي. وكما أشار فإن معظم الصحافيين بالفعل يعيشون في إسرائيل ويتم بشكل منتظم إمدادهم بالمعلومات، حيث يقول:

كل الصحافيين يعيشون في إسرائيل أو القدس الغربية وليس في المناطق الفلسطينية. ويتمتع الإسرائيليون بكونهم يتعاملون بلطف معهم فهم يتكلمون مثلنا وهم يضغطون على الأزرار الصحيحة. الشيء الآخر هو الكفاءة الإسرائيلية.. أنت تريد تلك الوثائق سوف أحصل لك عليها.

وهو يعتقد أن العملية الفلسطينية أقل كفاءة وفعالية.. وحسب قوله فإن المسؤولين الفلسطينيين يعتبرون أعداء أنفسهم ، وهم غالبا ما يتصرفون بطريقة غير مناسبة والرسالة التي يريدون توصيلها لا تكون واضحة بالقدر الكافي.

كما أنهم لديهم مشكلة في طريقة التعامل مع الأوضاع التي يواجهونها، وهم يفتقدون نقاطا أساسية. لقد كان عرفات يعد نموذجا لذلك، فهو تقريبا وفي أغلب الأحيان غير واضح. انه ليس خطأهم تماما، فهم دائما في وضع رد الفعل على مواقف خاطئة أو غير معقولة، يتم فرضها غالبا من قبل المسؤولين الإسرائيليين.

كما أنه لاحظ أيضا الاختلاف بين كون الاقتراب الإسرائيلي يتسم بالفعالية وسمة المبادرة، فيما أن المواقف الفلسطينية تتسم بكونها لا تتجاوز ردود الفعل.

إن الفلسطينيين ليس لديهم أسلوب واضح بشأن العلاقات العامة. وهم يبدأون انطلاقاً من أسلوب رد الفعل. وحسبما يشير الصحافي الأميركي فإنه يتلقى ما بين 75 و100 رسالة الكترونية يومياً من مصادر رسمية ومنظمات إسرائيلية مساندة لمواقف الحكومة من بينها نحو 15% من جهات حكومية فيما الباقي من جماعات ضغط ومؤيدين للحكومة، ويشير إلى أنه لا يتلقى سوى نحو خمس رسائل من مصادر فلسطينية.

وعلى العكس من الرؤية التي قدمها الصحافي الأميركي يشير الباحثان إلى أن بعض اليهود البريطانيين من الذين التقاهم الباحثان يشيرون إلى أنه يوجد ضعف في الصحافة الإسرائيلية والعلاقات العامة وبشكل خاص في الجيش الإسرائيلي.

وقد علقت جوي وولف من المنظمة الدولية النسائية الصهيونية في لقاء معها تم في أكتوبر 2003 على ما اعتبرته عدم خبرة فريق جيش الدفاع الإسرائيلي والذي ليس لديه سوى خبرة محدودة في طرق الاتصال وليس لديه متحدثون يجيدون الترجمة إلى الإنجليزية بشكل يجعلهم يقدمون بيانات صحافية تتسم بالدقة..

ومع ذلك فإنه يبدو من البحث الذي قام به جريج فيلو ومايك بيري أن الإسرائيليين حققوا الكثير من النجاح بشأن الاستحواذ على الساحة في مجال عرض وجهات نظرهم ومواقفهم مقارنة بالفلسطينيين.

ويشير الباحثان إلى رؤية الصحافي البريطاني روبرت فيسك في سياق استعراضهما لهذه القضية حيث يصف أيضاً كيف ان الإمداد المتواصل بالمعلومات والعلاقات العامة ذات التنظيم الجيد يمكن أن يكون لها أثرها في تحديد أجندة الأخبار.

وهنا فإن فيسك يعرض بشكل نقدي للطريقة التي يتم التعامل بها إعلاميا مع تطورات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مشيرا إلى ما يراه جوانب قصور تشوبها، فمن وجهة نظره أن سرد الصحافيين للأحداث إنما يقوم على التطرق إلى آخر شيء سمعوه، وهذا الشيء الأخير في ظل قيود الوقت والعمل الصحافي يفرض نفسه على الأخبار وعلى ذلك.

ووفق ما يذهب إليه فيسك، فإن المشاهد على مدى الأسابيع القليلة الماضية (من لقاء تم في 20 أكتوبر 2000) يجد نفسه أمام بيان إسرائيلي يطرح موقفا يجب على الفلسطينيين الرد عليه. على سبيل المثال يقول الإسرائيليون: هل يستطيع عرفات السيطرة على العنف؟ وبدلاً من أن يرد الصحافيون بالقول: حسناً.

ولكن هل يستطيع الإسرائيليون السيطرة على شعبهم؟ فإن السؤال الذي يتم طرحه من قبل الطرف الإسرائيلي يتحول إلى جزء أساسي في أجندة الأخبار. وعلى ذلك يذهب فيسك إلى أنه لا يوجد فهم حقيقي بشأن طبيعة مهمة الصحافي في القيام بتحليل الأحداث.

وليس فقط مجرد القيام بنقل آخر بيان صدر من قبل أحد طرفيه عبر الآلة الإعلامية. وينتهي فيسك من تحليله هذا إلى ما يراه حقيقة ماثلة للأذهان مؤداها السيطرة الإسرائيلية على تغطية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وأن الصوت الإسرائيلي إنما يتم تقديمه للمشاهد عبر أفواه الصحافيين.

عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق