على المنوال نفسه تواصل الدراسة استعراض نمط تغطية الفترات التالية للانتفاضة واذا كانت الفترة التي تناولتها العينة الأولى تعد الرئيسية باعتبار أنها تعكس الفترة التي تمثل بدايات الانتفاضة فضلا عن زخم الأحداث التي وقعت خلالها، فإن الباحثين أخضعا القناتين وهما «بي بي سي 1» و «آي تي في» للتحليل خلال فترات تالية وبالطريقة نفسها لمقارنة نتائج تحليلهما.

بما توصلا اليه من خلال العينة الأولى بما يمكنهما من الوصول إلى نتائج عامة تمثل الدلائل الحقيقية على اتجاه التغطية بالنسبة للموضوع محل الدراسة. وعلى هذا يتناول الباحثان عينتين أخريين تشمل الثانية الفترة من 17 أكتوبر وحتى 13 ديسمبر عام 2001، أما الثالثة فتشمل الفترة من 9 مارس وحتى 16 أبريل 2002.

وقد قسم الباحثان العينة الثالثة إلى قسمين أحدهما من 2 إلى 9 مارس والثاني من 9 إلى 16 أبريل. وقد اختار الباحثان هذه الفترات على أساس المعيار نفسه الذي اختارا عليه العينة الأولى وهو أنها تميزت بدخول الانتفاضة في مرحلة من الأحداث المتواصلة الساخنة التي تضفي أهمية خاصة على تناولها.

وبالنسبة للعينة الثانية فقد قام الباحثان بتحليل نحو 47 نشرة. أما بالنسبة للعينة الثالثة فقد حللا خلال الجزء الأول منها نحو 21 نشرة فيما حللا خلال الجزء الثاني نحو 30 نشرة. ونحاول نحن من جانبنا ان نقدم رؤية عامة للتحليل الذي يقدمه الباحثان من خلال نماذج رئيسية من هاتين العينتين.

* أحداث 11 سبتمبر

في تحليلهما للأوضاع خلال 2001 يشير الباحثان الى أن احداث 11 سبتمبر ألقت بظلالها على طبيعة الأوضاع ليس في المنطقة وحدها وإنما في العالم بأسره وأن الجانب الاسرائيلي لتعزيز دعاواه بشأن محاربة الإرهاب. وبشكل عام فقد اتخذ الصراع في عام 2001 سلسلة من الغارات شنتها إسرائيل على الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية.

وعلى الطرف الآخر انخرطت بعض مجموعات المقاومة الفلسطينية بشكل مكثف فيما عرف بالعمليات الانتحارية (الاستشهادية) وقد شملت الغارات الهجوم على مخيمات اللاجئين وإزالة منازل للفلسطينيين كجزء من خطة جديدة أعلنها شارون للتعامل مع المقاومين للاحتلال الإسرائيلي.

وفي تحليلهما لطبيعة الأخبار خلال تلك الفترة يخلص الباحثان إلى أنها كانت تعكس هيمنة إسرائيلية إن صح التعبير على المحتوى الإخباري وهو ما يعكس من وجهة نظرهما نجاحا كبيرا لحملة العلاقات العامة التي قادتها إسرائيل خلال تلك الفترة. ويشير الى أن الإسرائيليين احتلوا ضعف المساحة التي احتلها الفلسطينيون على الشاشة في القناتين محل التحليل.

وعلى شاكلة المرحلة السابقة فقد كان هناك تغطية مكثفة لعمليات العنف وقد كان هناك تعاطف مع أولئك الذين سقطوا ضحايا لها ولكن مع قليل من التحليل لطبيعة هذه العمليات وأسبابها، ومع ذلك فقد وجد الباحثان أن هذه القضايا تمت مناقشتها بشكل مباشر في وسائل إعلام أخرى وبشكل جدير بالاهتمام في داخل إسرائيل ذاتها.

ففي مارس 2002 كتب مايكل بن يائير والذي كان المدعي العام الإسرائيلي السابق بين عامي 1993 و1996 في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية: إن الانتفاضة هي حرب الشعب الفلسطيني من أجل التحرر. لقد اخترنا بتحمس أن نكون مجتمعا استعماريا متجاهلين المعاهدات الدولية، نصادر الأراضي ، ونقوم بتحويل المستوطنين من إسرائيل إلى الأراضي المحتلة وننخرط في أعمال السرقة ونجد المبررات لكل هذه الأنشطة .. لقد أقمنا نظاما عنصريا.

وإزاء غياب المعرفة بشأن تاريخ وطبيعة النزاع، عن الأخبار التلفزيونية فإن التأثير الفعلي لذلك إنما تمثل في نفي الحكمة عن الفعل الفلسطيني. وقد انطلقت معظم الاخبار من الوضع الراهن في تناولها للأحداث كما لو أن الطرف الفلسطيني هو الذي بدأ الاضطرابات والعنف بشن الهجمات على الإسرائيليين الذين أصبح دورهم هو الرد على هذا الهجوم.

ويعد نقص التعليق على طبيعة الاحتلال أحد أبعاد هذا الوضع. ولم يكن هناك سوى نقاش محدود بشأن احتمال أن يكون هناك أفعال اسرائيلية يمكن أن تكون متعمدة بهدف استثارة رد فعل فلسطيني، ومع ذلك فقد وجد الباحثان أن ذلك كان أمراً وارداً في الصحافة الإسرائيلية.

وعلى سبيل المثال، نشرت «الغارديان» في نوفمبر 2001 أن الصحف الإسرائيلية انتقدت بحدة سياسة الاغتيالات الإسرائيلية التي اتبعتها حكومة شارون. وقد تم اغتيال القائد العسكري لحماس في الضفة الغربية في الشهر نفسه قبل وصول مبعوثين أميركيين للسلام. وهذا الوضع، حسب المعلقين الإسرائيليين، زاد من خطر العمليات «الانتحارية».

وكما أشارت إحدى الصحف الإسرائيلية واسعة الانتشار وهي «يديعوت أحرونوت»، فإن من يعطي الضوء الأخضر لعمليات الاغتيال يعلم جيدا أن هذه الخطوة سوف يتم الرد عليها وإن ذلك سوف يقوض أي اتفاق بين حماس والسلطة الفلسطينية بوقف العمليات الانتحارية.

كما انتقدت الصحيفة الإسرائيلية أيضا الجيش بسبب عمليات زرع القنابل والتي أدت إلى مقتل خمسة أطفال فلسطينيين، مشيرة إلى أن أجواء القيام بعمل انتقامي أصبحت تجد شرعية سواء في الشارع الفلسطيني أو لدى السلطة الفلسطينية في ضوء مقتل خمسة أطفال بسبب قنبلة زرعها الجيش الإسرائيلي.

وقد ذهب معلقون إسرائيليون آخرون إلى أن سياسة القتل المتعمد التي تتبعها إسرائيل إنما تستهدف بشكل أساسي استفزاز الفلسطينيين. وقد ذهب ناطق باسم منظمة «التشجيع على الرفض» وهي المنظمة التي تضم منشقين في صفوف الجيش الإسرائيلي إلى : إن أي عملية انتحارية داخل إسرائيل، رغم ما فيها من جوانب سيئة،

إنما تتخذ من قبل شارون كذريعة لتوجيه ضربة قاسية ضد ثلاثة ملايين ونصف مليون فلسطيني فتؤدي إلى زيادة سوء أوضاعهم. واذا لم يكن هناك في الأفق ما يشير إلى حدوث عملية انتحارية فإنك يمكن أن تعد العدة لتصرف يقوم به شارون بهدف استفزاز الفلسطينيين للقيام بمثل هذا العمل من خلال ما يسميه هو سياسة «القتل المتعمد» للناشطين الفلسطينيين.

ومن الواضح، حسبما يشير الباحثان أنه يقف وراء عمليات الاستفزاز هذه قوى سياسية وعسكرية لا ترغب في السلام مع الفلسطينيين والذي يمكن أن يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، فهم لا يريدون سوى مجموعات من السكان الفلسطينيين ملحقين بإسرائيل أو شتات آخر يتحرك فيه الفلسطينيون بين دول عدة.

وقد علق الناشط الإسرائيلي يوري أفنيري على سياسة شارون قائلاً: منذ توليه السلطة فإن أجندته أصبحت محو اتفاقات أوسلو وتفكيك السلطة الفلسطينية وقواتها العسكرية. إنه يعتقد أن الفلسطينيين في النهاية سوف يهاجرون كما فعلوا في 1948 أو يوافقون على أن يتم عزلهم في مجموعة من البانتوستانات. وقد ذهب ديفيد هيرست إلى موقف مشابه في تحليل موسع بشأن أزمة الشرق الأوسط حيث قال: إن شارون يريد في الظاهر العودة إلى عملية السلام ولكنه في الحقيقة لا يريد ذلك.

ومن اجل هذا كانت الحرب التي يخوضها ومن على شاكلته من العسكريين والسياسيين. مضيفاً إنه ليس سراً أنه عارض على طول الخط اتفاقات أوسلو والتسوية التاريخية التي تضمنتها والمتمثلة في دولة فلسطينية على 22% من مساحة فلسطين التاريخية. وعلى هذا يشن حربه من أجل تدمير أي فكرة بشأن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

* الموقف الفلسطيني

وعلى الجانب الآخر يمكن إدراك أن الطرف الفلسطيني لم يكن ينظر إلى المسألة ببساطة على أنها تمثل أساساً محاربة من قبل إسرائيل للعنف، فقد كان يرى أن رد الفعل الإسرائيلي لا يستهدف إلقاء القبض على «الإرهابيين» ـ حسبما تفضل إسرائيل تسمية القائمين بالمقاومة ـ وإنما تدمير أي احتمال لقيام دولة فلسطينية مستقلة. وقد اشار المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم إلى أن أرييل شارون واصل متابعة السعي لتحقيق هدفه ذلك بربط سياساته بالحرب الأميركية على الإرهاب.

ووفقا له فإن شارون استغل الفرصة في اللحاق بالقطار الأميركي بشأن الحرب على الإرهاب فيما بعد أحداث 11 سبتمبر. وتحت هذه الراية، فإن شارون شن محاولة شريرة لتدمير البنية الأساسية للدولة الفلسطينية. وأضاف أن أجندته الحقيقية هو القضاء على ما بقي من أوسلو وإحباط الأمل الفلسطيني في الدولة المستقلة.

وانطلاقاً من هذا الاستعراض يشير الباحثان إلى أن التغطية الإخبارية التي قاما بتحليلها للتعاطي مع الانتفاضة في الوسيلتين اللتين كانتا موضع التحليل وهما ال«بي بي سي» والـ «آي تي في» لم تقدم ما يعكس هذه المواقف، فيما اتجهت إلى التركيز، بشكل يدل على محدودية تناولها، على أحداث العنف في إطار كونها تمثل أفعالاً فلسطينية وردود أفعال إسرائيلية عليها!

ثم ينتقل الباحثان بعد ذلك إلى تحليل أسباب العمليات الانتحارية وردود الفعل الإسرائيلية عليها، مشيرين إلى أنهما في ذلك لا يسعيان إلى تبرير أو إضفاء المشروعية على أفعال القتل وأن تناولهما إنما يأتي في سياق تحليلي بحت. وعلى هذا الأساس يشيران إلى أنه من الواضح أن الشعبين على الجانب الفلسطيني والإسرائيلي يواجهان وضعاً مأسوياً.

ولكن في إطار شرح بنية وتطور الفهم العام فإنه يكون من المهم تبيان أو إيضاح أي اختلافات موجودة في توصيف دوافع الأطراف المختلفة وكذا نتائج أفعالهم. وبناء على ذلك يشيران إلى أنه كما أوضحا فإنه يوجد تمايز واختلاف واضح في الرؤى بين الجانبين، وهو أمر إنما ينجم عن طبيعة ذلك النزاع وأسبابه. فالجانب الإسرائيلي - الحكومة والشعب - ينظر للأمر على أنه يتعلق بقضية الأمن وبقاء الدولة في مواجهة الأخطار الناجمة عن الأعمال «الإرهابية» والعداء من قبل الدول المجاورة.

وعلى هذا الأساس فهم يقدمون مواقفهم على أساس أنها تمثل رد فعل أو انتقام من الهجمات التي تحدث ضدهم. وعلى العكس فإن الفلسطينيين ينظرون إلى الأمر على أنه يمثل نوعاً من المقاومة أو رد فعل على احتلال عسكري وحشي من قبل أناس احتلوا أرضهم، واستغلوا مواردهم المائية وفوق كل ذلك ينكرون حقهم - حق الفلسطينيين - في قيام دولتهم المستقلة.

وبعد تقديم هذه الرؤية يشير الباحثان إلى أن تحليلهما يفترض أن الإطار الإخباري الذي تم تقديمه كان في الغالب يتجه إلى تقديم وجهة النظر الإسرائيلية. ومن العرض إلى النتائج يشيران إلى أن العينة كشفت عن أن قول الإسرائيليين انهم من خلال سياستهم إنما ينتقمون أو يردون على أفعال من قبل الطرف الآخر حظيت بالتكرار نحو ست مرات أكثر من الجانب الفلسطيني،

وقد كان ذلك وسط خضم تصاعد التوتر والذي شمل غارات إسرائيلية على المدن والقرى الفلسطينية، وكذلك تصاعد العمليات الانتحارية والهجمات من قبل الفلسطينيين. وفيما يمثل تلخيصا لأحداث تلك الفترة علق أحد الصحافيين في البي بي سي في 24 أكتوبر قائلا: إن دائرة العنف بدأت منذ ستة أسابيع مضت عندما تم اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي.

وحسبما يلحظ الباحثان فإن هذه هي وجهة النظر الإسرائيلية بشأن بداية العنف خلال تلك الفترة، غير أنهما يشيران مع ذلك إلى أن الفلسطينيين ينظرون للمسألة من زاوية أخرى حيث يرون في اغتيال الوزير الإسرائيلي أنه رد فعل على اغتيال أحد قادتهم السياسيين.

وقد وصفت الإندبندنت الموقف على النحو التالي: لقد تم حادث الاغتيال الذي كان له وقع سلبي على الأوضاع في العلاقات بين الطرفين في أواخر أغسطس عندما قامت طائرات هليوكبتر إسرائيلية بإطلاق صاروخين على مكتب أبو علي مصطفى - 64 عاما - أحد قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في رام الله بالضفة الغربية واغتالته فيما كان جالسا على كرسيه.

وقد كان أبو علي، حسبما ينظر إليه الفلسطينيون، زعيماً سياسياً أكثر منه عضواً في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فيما كان إسرائيلياً أحد أكثر المطلوبين، وبعد نحو سبعة أسابيع فإن الجبهة الشعبية سعت إلى الانتقام من خلال التسلل إلى أحد الفنادق الإسرائيلية واغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي والذي جعلت منه مواقفه المؤيدة للتطهير العرقي للفلسطينيين في الضفة وغزة أحد أبرز الأعداء بالنسبة للفلسطينيين.

* التصعيد الإسرائيلي

ومن هذه الخلفية يشير الباحثان إلى أن الإسرائيليين يفضلون الإشارة إلى حادث اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي على أنه السبب في الغارات التي يشنونها على المدن والقرى الفلسطينية. وقد بثت معظم الأخبار بشكل عام وجهة النظر تلك دون التعليق عليها أو إيراد وجهة النظر الفلسطينية بشأن الأحداث،

ووفق ما بثته البي بي سي 1 في 26 أكتوبر : فإن إسرائيل تخضع لضغط كبير من قبل الأميركيين لسحب قواتها من المناطق الفلسطينية التي احتلتها الأسبوع الماضي إثر اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي، كما بثت القناة نفسها في 24 اكتوبر ما مفاده ان شارون أعلن عن القبض على مجموعة أشخاص من المتورطين في اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي، وهو السبب الذي قدمه كمبرر لعملياته العسكرية في الضفة الغربية.

أما البي بي سي فقد ذكرت في 7 نوفمبر أن القوات الإسرائيلية قد انسحبت من مدينة رام الله إحدى المدن الفلسطينية الست التي احتلتها بعد اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي. وقد أدت هذه العمليات الإسرائيلية، والتي جاءت ردا على مقتل الوزير الإسرائيلي حسبما ذكرت القناتان محل التحليل، إلى مقتل نحو 79 فلسطينياً في ثلاثة أسابيع، فضلا عن خسائر أخرى إلى جانب تدمير العديد من المنازل والممتلكات الفلسطينية.

وهنا يبدي الباحثان تعجبهما من عدم الإشارة إلى أي عملية فلسطينية على أنها تمثل رد فعل أو عمل انتقامي على السياسات الإسرائيلية. وهنا يقدمان نموذجا مما بثته البي بي سي 1 في 21 ديسمبر حيث أذاعت أن عشرة أشخاص لقوا مصرعهم وأصيب ثلاثون آخرون إثر قيام مسلح فلسطيني بإطلاق النار على حافلة إسرائيلية كانت في طريقها إلى مستعمرة يهودية في الضفة الغربية، وقد تم مهاجمة الحافلة فيما كانت تقترب من شمال القدس،

وقد قامت الطائرات الإسرائيلية الليلة برد فعل انتقامي على الحادث بشن غارات على أهداف فلسطينية في غزة ونابلس، وعلى المنوال نفسه راحت قناة آي تي في تبث مايلي: قتل عشرة مستوطنين إسرائيليين وأصيب ما يتجاوز ثلاثين آخرين في هجوم شنته منظمة حماس «الإرهابية» الفلسطينية على حافلة في الضفة الغربية، وقد ردت إسرائيل على الحادث بغارات جوية على الضفة وغزة.

ورغم ذلك يشير الباحثان إلى أنه توجد حالات قليلة أشار فيها الصحافيون إلى احتمالات رد الفعل الفلسطيني والعمل المستقبلي كما في السطور التالية التي أوردتها «بي بي سي 1» في 12 ديسمبر حيث أوردت ما مفاده: من المقرر أن يجتمع مجلس الوزراء الإسرائيلي الليلة حيث من المنتظر أن يتخذ إجراءات أشد حزما، غير أن درس الماضي الذي تعلمته إسرائيل وهو أن أي ضربات يمكن أن تقابل بهجمات مضادة من قبل الجانب الفلسطيني، إن المستقبل قد كتب هنا وهو يحتوي على دماء كثيرة.

وكذلك أوردت «آي تي في» في 4 ديسمبر: إن الخبرة القاسية التي تعكس تجربة الخمسة أشهر الماضية أن الفلسطينيين لن ينظروا إلى العمليات الإسرائيلية على أنها عمل انتقامي فقط وإنما على أنها محرض بالنسبة لهم على القيام بعمل مضاد. كما يشير الباحثان في إطار محاولتهما لتقديم رؤية تتسم بالموضوعية ولا يمكن اتهامها بالتحيز لطرف على حساب الآخر

إلى أن «بي بي سي» وصفت أفعال الطرفين بأنها تولد الكراهية بينهما وقد أشار تقرير في 13 ديسمبر بشأن الدبابات الإسرائيلية التي تتحرك حول مقر قيادة عرفات إلى أن ذلك جاء إثر هجمات أخيرة على المستوطنين اليهود، غير أن الصحافي واصل توصيفه للموقف على كلا الجانبين بقوله: «اذا ما سقط عرفات فإن خلفاءه يمكن ان يكونوا أكثر تطرفا- التطور الحالي يثبت عدم صحة ذلك!

- وقد حذرت الأمم المتحدة من حالة فوضي فيما أن إسرائيل لا تصغي إلى هذه التحذيرات وسط استغراقها في حالة الغضب والحزن». ويضيف المراسل في سياق تقريره تعليقا على الصور التي يبثها: «هذه السيدة تدفن زوجها اليوم وهو أحد الرجال العشر الذين لقوا حتفهم في حادث المستوطنة اليهودية الليلة الماضية من قبل أشخاص لم يلق عرفات القبض عليهم، وتقوم إسرائيل حاليا بمعاقبة فلسطينيين أبرياء».

ثم يشير إلى منع القوات الإسرائيلية لسيدة وابنتها من المرور عبر الحواجز معلقا على المشهد بقوله: «إن إسرائيل تقوم بزرع الكراهية». وهو الأمر الذي يريد الباحثان من خلاله القول بأنه رغم تهمة التحيز التي يثبتانها على القناتين محل التحليل إلا أنه لم يكن تحيزا في المطلق.

ويشير هذا التناول، حسبما يذهبان، إلى أن مثل هذه التغطية إنما تقرر جانبا من الحقيقة المتمثلة في أن تطورات الصراع إنما تعكس مجموعة أفعال وردود أفعال انتقامية ليست قاصرة على طرف بعينه، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار القضية الأساسية التي أشارا إليها والمتمثلة في أن الفلسطينيين إنما يخوضون أولا وأخيرا عملية مقاومة ودفاع عن حقهم في الوجود الذي تنكره إسرائيل عليهم،

وهما يشيران إلى أن هذا النمط من التغطية كان موجودا إلى حد ما في بداية الانتفاضة غير أن الأمر أتخذ منحى أخر فيما بعد تمثل في إبراز وجهة النظر الإسرائيلية في شأن الأحداث، وان الأفعال الفلسطينية هي التي تقود دائرة العنف. وهنا يشير الباحثان إلى ما يعتبر أنه قمة الدهشة في الدلالة على تبني الطرح الإسرائيلي لدرجة وصلت إلى حد تبدل في المواقف التي من المفترض اتخاذها من قبل صحافي ووزير إسرائيلي التقاه

وحصل منه على تصريحات لراديو «بي بي سي 4» في الأول من أبريل 2002 بشأن زيارته لمصر حيث راح يسأله عن الدور الذي يمكن ان تلعبه القاهرة في وقف العمليات الانتحارية في ضوء الإقرار بأنها تعد ذروة التصعيد في العنف في الوقت الحالي فكان رد الوزير الإسرائيلي: حسنا.. هذه وجهة نظر واحدة.. وجهة نظر إسرائيل!!

* تحيز مكشوف

يشير الباحثان إلى أن هذا التحيز يكون في أكثر صوره وضوحا في النشرات الإخبارية الموجزة وفي عناوين النشرات الإخبارية مشيرين إلى نموذج لتغطية حادث عملية انتحارية في أوائل ديسمبر 2001 أدت إلى مقتل خمسة وعشرين شخصا وإصابة المئات وفي الثالث والرابع من ديسمبر أذاعت «بي بي سي» أنباء الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين على النحو التالي: بلا رحمة..

قامت إسرائيل بشن هجمات قوية على الفلسطينيين بعد أسبوع من الهجمات الانتحارية. الضفة الغربية وغزة يعيشان تحت الهجمات الإسرائيلية هذه الليلة في مواجهة لحظة الحقيقة حسبما تقول إسرائيل. إسرائيل تضرب بأقصى قوة الفلسطينيين بعد هجمات بالقنابل أسفرت عن مقتل خمسة وعشرين شخصا وإصابة المئات.

وفي اليوم التالي أذاعت «بي بي سي» أيضاً في عناوين الأخبار ما نصه: لليوم الثاني على التوالي تشن إسرائيل غاراتها الانتقامية على عمليات انتحارية داخل إسرائيل في نهاية هذا الأسبوع. مقتل اثنين وإصابة العديد في عمليات تعاكس رد فعل إسرائيلي غاضب على عمليات انتحارية أدت إلى مقتل عدة إسرائيليين.

أما على شاشة «آي تي في» فقد جاء ما يلي: وجهت إسرائيل ضربة للسلطة الفلسطينية اليوم مذكرة إياها بقوتها العسكرية من خلال شن العديد من الهجمات في رد فعل على العمليات الانتحارية التي وقعت نهاية الأسبوع، وفي موجز للأخبار أوردت «آي تي في»: شنت إسرائيل المزيد من الهجمات في رد فعل على العمليات الانتحارية التي جرت نهاية الأسبوع.

وبمنهج التناول نفسه ينتقل الباحثان إلى نماذج أخرى للتغطية من خارج العينة التي اختاراها للإشارة إلى النتائج التي يريدان التوصل اليها حيث يشيران إلى أن بي بي سي 2 مثلا كانت تستخدم عبارة عامة وهي: قتل العشرات من الفلسطينيين والإسرائيليين في سلسلة أعمال عنف متبادلة من العمليات الانتحارية والهجمات الإسرائيلية المضادة.

أما القناة الرابعة فكانت تقول مثلا: نفذت إسرائيل عمليات إزالة في رد فعل انتقامي على مقتل أربعة من جنودها. ويخلص الباحثان من ذلك العرض إلى أن هذه الصيغة تستبعد على الأقل خيارين أساسين بشأن إدراك دوافع أولئك المنخرطين في الصراع هما:

الأول: إمكانية النظر إلى الفلسطينيين على أنهم يخوضون عملية مقاومة للاحتلال العسكري الإسرائيلي وكذلك أيضاً على أنها رد فعل على أحداث معينة مثل الهجمات والاغتيالات.

الثاني: أن تكون الأفعال الإسرائيلية تتم على هذا النحو من أجل تدمير احتمال قيام دولة فلسطينية وكذلك القضاء على البنية التحتية «للإرهاب». (بمعنى أن إسرائيل تستدرج الفلسطينيين لتوفير الذرائع لها للقضاء على قوتهم التي ينظر لها غربيا وفق التعبير الذي أورده الباحثان وهو البنية التحتية للإرهاب).

ويشيران إلى أن مراسل «بي بي سي» لمس هذا الأمر دون أن ينتبه اليه في تغطيته للأحداث، ففي 13 ديسمبر كان هناك تقرير بشأن العمليات الإسرائيلية على مباني السلطة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، وحسبما ذكر المراسل نقلا عن الإسرائيليين فإن الهدف هو تدمير مؤسسات عرفات واحدة تلو الأخرى. وقد ركزت الكاميرا حينذاك على مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط وهو يقول: «اذا ما تم القضاء على السلطة الفلسطينية فإن ذلك يمثل نهاية لاتفاق أوسلو» بما يعني وفق تحليل الكتاب انتهاء عملية السلام.

وهنا يتساءل الباحثان عن السبب في تدمير هذه المؤسسات التي تتبع عرفات، مشيرين إلى أن الملاحظ من سياق التقرير هو عدم سماع وجهة نظر شارون التي تعارض بشكل دائم اتفاق اوسلو أو أي طرح يشير إلى إثارة الفلسطينيين من أجل الوصول بالأمر إلى إفشال الاتفاق.

وبحسب الباحثين فإنه فيما بعد تعليق المبعوث الأممي لم نسمع فقط سوى: إن إسرائيل تقول إنه ـ اتفاق اوسلو ـ مات بالفعل وانه تم القضاء عليه بفعل الغضب والحزن. ويعلق المؤلفان على ذلك بالقول إن ذلك لا يعني أن الغضب والحزن غير حقيقيين ولكنه يعني أيضاً وببساطة أن القضاء على احتمال قيام الدولة الفلسطينية نتيجة رد فعل غاضب إنما يعكس وجهة نظر واحدة بشأن الصراع.