القراءة نورٌ يسبغ على الفكرة حُلّةٌ من المعارف، والقراءة سياحة العقل بين آثار الفكر الإنساني، هي نور يجلو صدأ القلوب، وهي أنفع من المال وأعظم من الجاه، وهي سفينة تعبر بك من مكان إلى آخر حتى ترسو على شاطئ المعرفة والأمان.
في الحياة كنز دفين لا تستطيع استخراجه إلا بالقراءة، وهذا الكنز هو المعروفة، وهو الكتاب.. قال شاعر:
يسالمني وكل الناس حربٌ
ويسليني إذا عرت الهموم
والقراءة نوعان: سطحية هشة، وجادة منظمة، فأما الأولى فإن العقل فيها يركد، ويهترئ كمزقة أصابها البلى، وأما الثانية فإن الفكر فيها يتوهج، ويسير بخطى واثقة نحو الحضارة.
وللقراءة أهمية كبيرة في حياة الفرد، فهي تُعلّمه الأدب، وتُكسبه الفصاحة، وتنثر بين يديه أنواراً ولآلئ، وتزوّده بثورة فكرية، لا تُقاس بمقياس، ولا تُكال بمكيال، وتجعل حديثه مغموساً بمداد العلماء، يزخر بألوان المعارف والعلوم.
ما أغرب ما تصنعه المطالعة؟
إنها تفيض على المرء من أنوار الجمال ما تعجز عنه الألوان والظلال، فكم من وجه قبيح جعلته القراءة لحناً يتغنى به الناس، وكم من إنسان جعلته القراءة كالزهرة الناضرة التي تبعث الأنس في النفوس والانشراح في الصدور، والمرء بلا قراءة كالشجرة بلا ثمر، ومثل الذي لا يقرأ كالأرض البور، لا تهنأ بالسير على ترابها، ولا تأنس بالجلوس في رياضها.
القراءة تنشل الأمة من الضعف، وتمنعها من الوقوع في مهاوي الردى، ويصير الجبان شجاعاً والرعديد بطلاً، يزخر صدره بالحيوية، ويفيض بالأمل.. والقراءة تبني المجتمع، وتخلق العظماء، وتنشئ الرجال الذين يقودون الأمة نحو النور.
والقراءة تجعل العقل قوة جبارة، تريك الدنيا، وتعرّفك إلى حياة من سبقك، وتمدك بتجارب الآخرين.. والقراءة صوت السماء ودعوة الأنبياء إلى الناس، لأن أول كلمة نزلت على رسول الهدى هي كلمة:
(اقرأ). فما أجدرنا أن نصادق الكتب، وأن نختار من بينها الكتاب الذي يُعلّمنا صناعة الحياة، ويقوّم في نفوسنا الذوق، ويدفع عربة المجتمع إلى الأمام، حتى تبلغ أقصى درجات الكمال، وتمتطي هامات المجد.
محمود أبورحمة