منظومة تربية طفل ما قبل المدرسة وترسباتها وما يجري فيها من محاولات للإصلاح، تزدحم بمطالب التجديد التي يقتضي العمل العلمي المنظم مراجعتها الراهنة. لقد زاد الاهتمام من قبل المهتمين ببرامج أطفال ما قبل المدرسة ومؤسساتهم وشروط اعدادهم وتجهيز هذه المؤسسات مؤكدين دور وأهمية هذه المرحلة العمرية من خلال دور المربية أو المشرفة والمعلمة وتوفير بيئة تحترم الطفل وتجعله يقدر ذاته.

وأكدت دراسة علمية لمجموعة عمل من الباحثين في كلية التربية بجامعة الإمارات، ان مصطلح تربية ما قلب المدرسة، يعتبر حديثاً نسبياً، مع العلم بأن روضات الأطفال، كانت قائمة منذ بداية القرن التاسع عشر تقريباً، ونشهد اليوم توسعاً في مفهوم مرحلة ما قبل المدرسة، التي أصبحت تعتبر كامل المدة التي تسبق دخول المدرسة الابتدائية ولغاية 6 سنوات حيث تطرح هذه المرحلة عدداً من المشاكل.

بداية مبكرة... وتشير الدراسة إلى ان دولة الإمارات بدأت الاهتمام بمجال رياض الأطفال منذ العام 1968، حيث تم انشاء أول ثلاث روضات في أبوظبي، وبحلول عام 1973 تم انشاء مجموعة أخرى حيث وصل العدد إلى 7 روضات، حيث يمكن اعتبار عقد الثمانينات، هو جوهر التطور الحقيقي لمؤسسات رياض الأطفال في الدولة على اعتبار أنها مؤسسات قبل مدرسية ينمو فيها الأطفال تحت رعاية وإدارة واعية بأهمية تقديم الحب والحنان وتوفير الحرية والانطلاق بالطفل بعيداً عن الضغوط التي تعودهم على الانصياع التام.

الحديقة أو البستان

وتشير الدراسة إلى اعتماد المفاهيم الحديثة لما ينطوي عليه مفهوم الروضة وذلك تحت عنوان «الحديقة أو البستان» ليجري فيها الطفل ويمرح ويتعلم من خلال اللعب والنشاط الحر، محققاً النمو المتكامل في جميع النواحي الجسمية والعقلية والاجتماعية والانفعالية.

وهذا يتطلب جهوداً كبيرة يتم بذلها من قبل القائمين لإرساء أسس ثابتة وتنظيم منهجي في ميدان أطفال ما قبل المدرسة، من منطلق أهمية احترام ذات الطفل وتنميته قبل عمر ست سنوات.

التربية أولاً

يؤكد الباحثون والمهتمون بقضايا رياض الأطفال، انه في الوقت الذي ينتظر فيه من الأمهات التقليديات تعليماً لأطفالهن في هذه المرحلة العمرية، يشدد رجال التربية وعلم النفس على كلمة «تربيه»، حيث اننا نشهد توسعاً لهذا المفهوم.

فالتربية هي أوسع من مجرد تلقين بعض المعارف أو المعلومات، ولا يقتصر اهتمامها على النواحي المعرفية أو العقلية من شخصية الطفل، انما تدعي العناية بحياة الطفل جسديا وعاطفياً واجتماعياً، بالإضافة إلى النمو العقلي المعرفي.

مرحلة تحضيرية

تشير الدراسة إلى أن محتوى التربية يتغير مع عمر الطفل وطبيعته المجتمعية والقيم السائدة فيه.

وان لمصطلح تربية طفل ما قبل المدرسة شئنا أم أبينا، وقعاً أو صدى مدرسياً ومن هنا يأتي الإغراء بان تكون نوعاً من التحضير للتعليم الابتدائي.

وهناك ثمه اعتقاد شائع بان تربية الطفل لا تبدأ فعلاً الا عندما يتم وضعه في مؤسسة قبل مدرسية أي عندما يلتحق بحضانة أو روضة، ولكن الواقع ان اكتساب الطفل لبعض العادات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية مع الوسط المحيط يكون قبل ذلك بكثير إذا نظرنا للأمر لما يسمى بالتربية في مفهومها الواسع، وهذا يتطلب تحديد اهداف التربية قبل المدرسة، والافراد المشاركين في تربية الطفل والانسب والأقرب للتعامل معه.

وهذا ايضاً، وحسب ما تشير الدراسة يتطلب الأخذ بعدة اعتبارات منها تحديد دور كل فرد أو هيئة في تربية طفل ما قبل المدرسة وكذلك تحديد الوضع القانوني ومصادر التمويل للمؤسسة التربوية وتحديد المستوى العلمي أو مؤهلات العاملين ومضمون ومحتوى المناهج وشكل المباني إضافة لمشاركة جميع المعنيين بتربية طفل هذه المرحلة وحدود كل منهم.

تنوع المؤسسات

يؤكد الباحثون انه في الوقت الذي نجد فيه التشابه بين المراحل المتتالية في معظم الدول، فان هناك نوعاً من المسميات الخاصة بمؤسسات تربية الطفل ما قبل 6 سنوات وكذلك اختلافاً في التنظيمات وأساليب العمل حيث يوجد ما يقارب (9 ـ 10) نماذج، وهنا تكون الحاجة للدقة الطابع المميز للمؤسسة التربوية بحيث تعتبر مؤسسة تربية الطفل ما قبل المدرسة جوهر ورأس اهتمامها بالتربية وتنشئته دون إهمال للجوانب الأخرى.

الدعم ومصادر التمويل

تؤكد الدراسة أهمية الدعم والتمويل للتربية قبل المدرسة حيث انها لا تحظى إلا بالنزر اليسير من الدعم قياساً على ما يتم توجيهه إلى سائر مستويات التعليم الأخرى وهي تأخذ اربع مراحل وأشكال مختلفة، مؤسسات حكومية، مؤسسات خاصة، مؤسسات مختلطة، مؤسسات خاضعة لإدارة محلية اضافة لتنظيمات حاجة المجتمع حيث تخرج بعض المؤسسات عن التصنيف نظراً لعدم وجود حدود فاصلة بينها.

وأشارت الدراسة إلى انه من خلال مسح عام في عدد من الدول تبين أن 50 بالمئة من مؤسسات التربية قبل المدرسية تنتمي إلى وزارة الصحة و12 بالمئة لوزارة الشؤون الاجتماعية و11 بالمئة إلى وزارة الثقافة وحددت الدراسة ان بعض المؤسسات يختلف فيها الإشراف حيث يدير الإفراد شخصياً بعضاً منها، وبعضها مرتبط بأنشطة الصليب الأحمر، وبعضها مرتبط بمؤسسات دينية والبعض تحت إشراف سلطة الدولة.

من خلال متابعة دور وأهمية مؤسسات التربية ما قبل المدرسية، فقد استشعرت معظم الدول العربية أهمية ذلك حيث أولت اهتماماً لقيام كليات التربية ومعاهد الإعداد لا سيما رياض الأطفال والطفولة المبكرة والتعليم لذوي الاحتياجات الخاصة، تتولاها كليات التربية وضمن مساقات ومناهج أكاديمية في وقت كانت تتولى تلك المهمة مدرسات ومدرسون من تخصصات مختلفة ومؤهلات غير جامعية وليست لها علاقة في التربية والتعليم.

جامعة الإمارات

وقد أولت جامعة الإمارات هذه الفئة اهتماماً خاصاً من خلال احداث كلية التربية وزاد الاهتمام بعد حصولها على الاعتماد الأكاديمي حيث تقوم الكلية بإعداد وتأهيل الطالبات في تخصصات تربوية شاملة تتناول كافة المراحل وأهمها ما قبل المدرسة، المناهج وطرق التدريس، مهارات الاتصال اللغوي، آداب الأطفال وتنمية قدراتهم وتطوير التفكير لديهم وتدريب معلمي رياض الأطفال أثناء الخدمة أيضاً، التربية الخاصة، التربية المستمرة، الأبعاد الاجتماعية والتربوية للعنف في المدارس

وانعكاس ذلك على الطفل، إدارة رياض الأطفال، ومناهج الإدماج الدراسي للموهوبين، دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، التربية ومهارات القراءة والكتابة عند الأطفال جميع تلك المساقات تم وضعها بتناول الطالبات من أجل إعداد الكوادر المؤهلة للعملية التربوية والتعليمية بشكل عام وما قبل المدرسة بشكل خاص.

نظرة قاصرة

وأكد الباحثون أنه من المؤسف أن ينظر البعض إلى معلمة الروضة على أنها خبيرة فقط ومدرسة للأطفال تعلمهم القراءة والحساب وبعض الكلمات الأجنبية وبعض الأغاني والأناشيد وهذا فيه ضيق زاوية الرؤية وتقليل دور رياض الأطفال المناط بها.

فمعلمة الروضة تعتبر أماً بديلة وخبيرة في تقديم المعلومات وممثلة لقيم المجتمع وخبيرة في علاقات الأطفال وتفاعلهم ومسؤولة عن إدارة الصف وحفظ النظام، وهي قناة وصل بين الروضة والمنزل ومرشدة نفسية تربوية، وهي وإن كانت معلمة فهي متعلمة أيضاً لا تهمل دورها في الاطلاع والثقافة في ميدان تربية الأطفال وفي ميادين المعرفة.

أسس ضرورية

هناك بعض الأشياء التي يجب ان تراعى عند إنشاء الروضة، تشمل جميع مرافق المدرسة من حيث القاعات المزودة بالألعاب ذات تهوية وجو مريح ومشجع وكذلك الملاعب الخاصة بألعاب الأطفال حتى دورات المياه حيث يجب أن تشمل مرحاضاً منخفضاً ومغاسل وخزائن للأدوات وتزويد القاعات والمكتبات بالألعاب والدمى والمكعبات وطين الصلصال والأدوات الرياضية والموسيقية وقصص الأطفال، ومساحات رملية وحدائق عشبية.

أهداف عامة

وتبقى هناك أهداف عامة لمؤسسات طفل ما قبل المدرسة فإذا كان من أهم أهداف الروضات ودور الحضانة تنمية الطفل، فهذا لا يعني أخذ الطفل من أمه، ولكنها تعني وجوب تعاون أولياء الأمور من أجل بيئة تربوية أفضل بحيث تتاح الفرصة للطفل كي يرافق زملاء من نفس عمره وإعطاء فرصة لإقامة علاقات اجتماعية تحت إشراف منظم للتعرف على العالم الخارجي

لا سيما حالياً التعرف على التقنيات الحديثة، الحاسوب والكمبيوتر والتذوق الفني وإثراء النشاط الرياضي بهدف تفريغ الطاقة الجسمية والنشاط من خلال اللعب ودعم المفاهيم العلمية واللغوية من خلال التعويد على الاستماع والحديث والتفاعل مع الآخرين واذكاء روح التعاون والقيم الاجتماعية والأخلاقية والعادات والتقاليد وتعزيز الثقة بالنفس وتعليم الطفل كيفية التفكير لحل المشكلات وإشباع الرغبات والهوايات.

كل ذلك يأتي في إطار علمي مدروس لا ترى فيه للصدفة وحدها دور إنما يجب أن يكون من خلال برامج علمية مدروسة يشرف عليها خبراء مدربون ومؤهلون من معلمين ومعلمات مزودين بالمعارف والخبرات النظرية والعملية فالمرحلة العمرية ما قبل المدرسية من أهم المراحل في حياة الإنسان تتلقى وتنطبع فيها كل الأهداف المرجوة لرجل المستقبل الذي نطمح إليه.

داوود محمد