«القريب البعيد» باب نطل من خلاله على تجارب الآخرين في أماكن ودول أخرى، نثري من خلاله الميدان التربوي بفئاته وشرائحه. وما يعرض له قد يكون بعيداً عنا لكنه قريب بأفكاره وطروحاته وتجاربه مرادف لما نسعى اليه. ومن المؤكد ان ذلك سيسهم في تقديم ثروة إثرائية تفيدنا وتدفعنا قدماً لمواكبة العصر ومستجداته.

ليست البلدان النامية وحدها هي التي تعاني من مشكلات في أنظمتها التعليمية والثقافية تنعكس سلبا على المستويين الاقتصادي والاجتماعي للدولة، وإنما يمتد الأمر ليشمل البلدان الصناعية المتقدمة أيضا وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، حيث يحتدم حاليا النقاش حول جوهر العملية التعليمية في ظل المنافسة الشرسة التي تتعرض لها الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الأميركية من قبل الجامعات الآسيوية لاسيما الصينية منها.

وفي هذا الصدد وردت دراسة حديثة تتناول قضية قد تكون ذات صلة ببلداننا النامية ولكنه جرى تناولها هنا من وجهة نظر أميركية، ألا وهي قضية الأمية الثقافية والمهنية.

تقول الدراسة، التي أعدها الباحث الأكاديمي رونالد ناش، إن التعليم على جميع مستوياته قد وصل إلى مرحلة الأزمة في الولايات المتحدة الأميركية.

وتشير الدراسة إلى أن تلك الأزمة ليست وليدة الأمس ولكنها تطورت على امتداد عدة عقود. كما أنها لم تكن غائبة عن وعي معظم هؤلاء الذين هم على دراية ببواطن الأمور على امتداد السنوات الماضية. تلك الأزمة تظهر من خلال المستويات الثلاثة للأمية في أي مجتمع، وهي الأمية المهنية والأمية الثقافية والأمية الأخلاقية.

تقول الدراسة إنه من الخطأ قصر معنى كلمة أمي على الشخص الذي لا يدري شيئا عن القراءة والكتابة، إذ أن معنى الكلمة يحمل مضامين أخرى لا تنحصر في دائرة الجهل بالقراءة والكتابة فحسب. فالكلمة تُستخدم بشكل أوسع لتنسحب على الشخص الذي يجهل بدائيات أو أساسيات مجال قد يكون له علاقة به. ومن هذا المنطلق فإن الشخص الذي لا يستطيع أن يصل إلى درجة الإتقان المطلوبة في مجال الرياضيات على سبيل المثال يمكن أن يطلق عليه صفة أمي حتى ولو كان هذا الشخص على دراية بعدة لغات.

وبدورها تقدر وزارة التعليم الأميركية عدد الذين يعانون أمية مهنية، والتي تعني عدم التمكن من المهارات الأساسية اللازمة لأداء الحد الأدنى من الوظائف، مثل الكتابة والقراءة وعلم الرياضيات ـ تُقدر عددهم بـ 24 مليون أميركي. وبحسب أحدث تقرير لمجلة «تايم» الأميركية، فإن 30% من الأميركيين في سن السبعين يعانون الأمية المهنية.

بالاضافة إلى ذلك يشير التقرير إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن مليون شاب على الأقل من هؤلاء الذين يعانون الأمية المهنية يتخرجون من المدارس الثانوية سنويا ويحصلون بكل فخر على شهادات دراسية معترف بها في الوقت الذي يعانون فيه جهلا مطبقا بمتطلبات الوظائف المتوافرة في الأسواق.

يقول البروفيسور تشيتر فين، وهو أستاذ في جامعة فاندربيلت، معقبا على الواقع المؤسف الذي من وجهة نظره تشهده الساحة التعليمية الأميركية: «خمسة في المئة فقط من خريجي المدارس الثانوية في بلدنا يتقنون مهارة القراءة بالشكل الذي يمكنهم من قراءة واستخدام المعلومات المتاحة أمامهم من خلال المواد التقنية والمقالات الأدبية والوثائق التاريخية. ومن ثم يمكن للمرء أن يتوقع بسهولة مدى صعوبة أن يحاول إقناع نسبة الـ 95% الباقية بالقراءة والاستفادة من أعمال الفلاسفة والعلماء والنصوص الدينية التي تحض على الفضيلة».

وتقول الدراسة إن هذا القدر من الأمية السائدة في المجتمع الأميركي الآن هو غير مسبوق في التاريخ الأميركي. فمنذ أكثر من 80 عاما وبالتحديد في 1910 كان 2. 2% فقط من الأطفال الأميركيين الذي تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة هم الذين يعانون الجهل بالقراءة والكتابة.

ولكن، بحسب الدراسة، يجب الانتباه إلى نقطة مهمة تتمثل في أن الأمية التي سادت في 1910 كانت بين الأطفال الذين لم تتح لهم على الإطلاق فرصة الالتحاق المدرسة، ولكن المشكلة الآن تتمثل في أن الأميين ليسوا هم الذين لم يلتحقوا بالمدارس وإنما هم الذين بالفعل التحقوا وقضوا فيها ما بين 8 و12 عاما.

وتوضح الدراسة أن الجزء الأكبر من اللوم في هذا الصدد يقع على عاتق المؤسسة التعليمية نفسها سواء في الولايات المتحدة الأميركية أو في أي مكان آخر، وبالتحديد على عاتق هؤلاء القائمين على عملية التدريس في أي مؤسسة تعليمية في العالم.

وتضيف الدراسة في هذا الشأن أن هناك أدلة متنامية تؤكد أن عددا كبيرا من المدرسين في المدارس الحكومية والخاصة غير مستعد بالشكل الأمثل لممارسة مهنة التدريس لأنهم هم أنفسهم قد غادروا سنوات الدراسة من دون أن يستفيدوا الاستفادة المثلى منها.

وتضرب الدراسة في هذا الصدد مثالا بما حدث في 1983 في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأميركية إذ خاض مدرسو الولاية اختبار كفاءة فشل فيه أكثر من 60% منهم في اجتياز اختبار القراءة، وفشل 46% في اختبار الرياضيات و26% في اختبار الكتابة. وبعد ذلك كله تبين أن 763 من أصل 000. 3 مدرس أدوا الاختبارات لجأوا إلى وسائل غش مختلفة.

و توضح الدراسة أن الجهة المسؤولة عن شيوع هذا القدر الكبير من عدم الكفاءة في قطاع التدريس هي تلك الأقسام والكليات المختصة بالعملية التعليمية والتربوية، وهي الجهات التي، تقول بحسب الدراسة قد مُنحت تفويضا كاملا لتحديد المناهج التي ينبغي تدريسها للطالب الذي يريد أن يتخرج مدرسا من الجامعة .

وتقول الدراسة إن القائمين على تلك المؤسسات قد أقنعوا حكومات ولاياتهم بأن يفرضوا نوعا من التعليم المهني على كل من يريد أن يمتهن التدريس وذلك من خلال دورات ومقررات دراسية مختلفة ومتباينة في عدة مجالات.

وعلى الرغم من أن هذا الإفراط في التركيز على مثل هذا النوع من التعليم المهني ليس بالأمر السيئ إلا أنه تبين أن معظم الطلاب الراغبين في امتهان التدريس أخذوا في التركيز على تلك الدورات والمقررات وإهمال المقررات التي تخاطب المحتوى والجوانب الثقافية والإنسانية الأهم في تكوين شخصية المدرس، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى أن هؤلاء المدرسين لم يتعلموا إلا القليل أو لم يتعلموا شيئا في الأساس.

بعبارة أخرى تقول الدراسة إن التركيز على بناء شخصية المدرس وامتلاكه الأدوات التي تمكنه من سبر غور عقليات الطلاب الذين يدرس لهم هو من الأمور الحيوية لإنجاح العملية التعليمية بشكل عام. وتنتقل الدراسة بعد ذلك إلى إلقاء الضوء على نوع آخر من الأمية وهو الأمية الثقافية. وتقول في هذا الشأن إنه حتى عندما يحصل الطالب على ما يمكنه من التغلب على الأمية المهنية فإنه في الغالب يعاني مشكلة أخرى وهي الأمية الثقافية.

وتستشهد الدراسة بمقولة الكاتب إي دي هيرش، مؤلف كتاب «الأمية الثقافية» التي يقول فيها: «الشخص غير الأمي ثقافيا هو الشخص الذي يمتلك المعلومات الأساسية الضرورية التي تمكنه من التعامل مع معطيات العالم المعاصر».

و تخلص الدراسة في هذا الصدد إلى القول بأنه من أجل محو الأمية الثقافية فإنه ينبغي توفير قدر من المعلومات يمكننا من إدراك الحقائق من حولنا والتخلص من الأوهام التي قد يحاول أحدهم زرعها في عقولنا؛ والمعيار في هذا الصدد هو توفير المناهج التعليمية المناسبة التي يستطيع من خلالها الطالب أن يتحول إلى مدرس على درجة عالية من الكفاءة والمهنية