بلادنا زاخرة بكنوز الجمال والعطاء، وأغلى كنوزها إبداعات أبنائها ومواهبهم، ومبدعونا من أبنائنا الطلبة هم النخبة المتميزة في مجالات الحياة المختلفة من أدبية وفكرية وعلمية وغيرها وهم اللبنة القوية التي يرتكز عليها صرح المجتمع المنشود.
بدأت أوراق الزهور تتساقط على الأرض في صباح يوم أشرقت فيه الشمس على منزل لم يذق فيه يوماً طعم الفرح..
أطللت برأسي على زهوري الميتة، والمتساقطة على أرضية غرفتي الكئيبة، وأحسست بشعور يخنقني، ليجعل بدايتي في هذا اليوم كئيبة كالمعتاد..
وصلت بعد التفكير إلى مجلسنا، الذي بات دمعنا دائماً يذرف فيه.. لم أجد أحداً، فجلست وحدي أتناول فطوري، الذي ما عدت أشتهيه إطلاقاً، ولكن لجسدي علي حق، فلا أستطيع سوى أن أعطيه إياه.. وبعد انتهائي من تناول فطوري، رأيت أخاً لي ليس بأخي يتقدم نحوي ببطء، وأنا أحاول تمالك نفسي حتى لا أنهار أمامه، اقترب مني وبدأ حديثه المعتاد معي، فحديثه لا يجلب لي سوى الهم والضيق..
خالد: ماذا تفعل يا .... (ويصمت)..
أنا: لمَ لم تكمل ما بدأت به؟!، فقد أصبحت معتاداً عليه
خالد: وهل تظنني خائفاً منك حتى أصمت؟!
أنا:.....
خالد: هل أكل القط لسانك؟ لم لا ترد علي؟!
أنا: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وأنا لا أرى داعياً حتى أرد عليك بكلمة واحدة!
خالد: كفاك حديثاً عن سخافتك، وجهز لي فطوري بسرعة..
أنا (في قلبي): سأريك كيف تأمرني مرة أخرى بهذه الطريقة..
خالد (يصرخ): هيا أسرع وإلا سترى أنني مسرع إلى والدتي لأوصل لها خبر فضائحك..
أنا (بكل ألم): حاضر يا أخي العزيز.. سمعاً وطاعة.
جهزت له فطوره وأنا أتمنى أن تتحول كل لقمة جهزتها له إلى سم قاتل يخلصني منه ومن شره، فقد دام هذا البلاء سنين بعد موت والدي صاحب أطيب قلب عرفته.. مرت فترة وأناأفكر في أنسب طريقة لأتخلص منه.. صحيح أنه أخي من أمي وأبي، ولكنه أكثر شراً من ألد أعدائي، وقد وصلت إلى حدي، ولم أعد أستطيع تحمل المزيد من الإهانات منه فهي تذكرني بماض تعيس أخطأت فيه.. كان يجب عليه أن يوجهني لا أن يزيد همي هماً،
فأنا لم أر أخاً في يوم من الأيام يفعل بأخيه مثلما يفعل بي.. دراستي حاول تخريبها، سمعتي دمرها، وسخرية دائمة، وتهديد مؤبد.. لا أعلم ما الذي تبقى له كي يفعله بي؟! كفاني صمتاً وسكوناً، فقد حان الوقت ليعرف من أكون، وليذوق انتقامي الذي لن يكون إلا جزءاً بسيطاً من ألمي الدائم الذي كان بسببه..
خرج أخي، فاتجهت إلى عقد أمي العزيز على قلبها، الذي ورثته عن جدتها، ولا تستطيع أن تفارقه، أخذته وخرجت، ونفذت كل ما يدور في عقلي، وانتظرت حتى يحين موعدي المرتقب.
بعد فترة الظهر، لاحظت أمي اختفاء عقدها، وبدأت البحث السريع عنه في غرفتها، ولكنها لم تجد شيئاً على الإطلاق!!
الأم (تصرخ): أين اختفى عقدي؟! خلعته في اليوم الماضي، ووضعته في مكانه المعتاد..
الخادمة: لا أعلم يا سيدتي، فأنا لم أره..
الأم (غاضبة): وأنت يا أحمد.. ماذا عنك؟!
أحمد: لا أعلم.. (صمت فترة ثم أكملت حديثي).. تذكرت يا أمي، أخي خالد..
الأم (متفاجئة): ماذا به؟!
أحمد: لا أعلم.. ولكنني دائماً أراه يراقب العقد وكأنه يريده!
الأم: مستحيل يا أحمد.. مستحيل أن يسرقني خالد!!
أحمد: الشيطان يا أمي.. الشيطان..
بدأت أمي في الشك، ولكنها قطعت شكها، ولم تتوقع أن شيئاً ليس في الحسبان يمكن حدوثه عما قريب..
الأم: اذهب وفتش غرفته قبل ان يصل..
أحمد (بخبث): حاضر يا أمي العزيزة..
تواريت عن الأنظار، وبدأت في التمثيل الذي لم يلحظه أحد، وعدت بعد برهة..
أحمد: أمي... يا للدهشة... يا للمأساة، لم نجد يا أمي أثراً للعقد، لقد ابتلعه البحر!
الأم (حزينة): ماذا أفعل الآن؟ ماذا أفعل؟ أنا يائسة..
أحمد: ما رأيك أن تتصلي بالشرطة؟! بالتأكيد سيساعدونك..
الأم: فكرة جيدة.. شكراً يا بني..
وصل أفراد الشرطة إلى المنزل، وأنا أكاد أطير فرحاً، لأن الحزن سيرحل أخيراً عني إلى أبعد مكان..
بدأ الجميع بتفتيش المنزل، وكانت الصدمة على وجه أمي مرسومة عندما وجدوا العقد في ملابس خالد التي يرتديها، ومعه الكثير من النقود التي نقلتها من محفظة أمي إلى ملابسه، والأكثر دهاء من هذا كله أنهم وجدوا بصماته على العقد، لأنه كان يساعد أمي دائماً في ارتدائه، ولكن أمي لم تستطع التفوه بأي كلمة، وسقطت مغشياً عليها.
مر شهر على تلك الحادثة، ولم أرتح أبداً، فقد كانت الكوابيس تطاردني في جميع الأحيان، والندم يأكلني من كل جانب، فأمي لم تعد تستطيع الكلام بعد الصدمة، وأخي لا يزال في السجن وهو لم يفعل أي شيء، والجميع تركني بلا عودة، والوحدة هي الأقرب لي، ولم ترتح عيني في يوم من ذرف دموع الندم والأسى، فلم أعد أحس بطعم الراحة التي كنت أملكها سابقاً وأنا لا أحس بها..
أعماني الانتقام ودمرني آخذاً مني كل شيء يتعلق بالسعادة التي اكتشفت أنني ملكتها فيما سبق، ولكنني لم أدرك هذا الشيء بسبب غبائي... والآن لا أجد شيئاً كي أفعله بعد فقدي كل شيء سوى طلب الرحمة والمغفرة من رب العالمين..
ولكن هل سيفيدني الصوت بعد فوات الأوان؟!
ناصر الأميري
