يواصل المؤلفان رصد مختلف الجوانب التي تعكس تغطية منحازة لصالح المواقف الإسرائيلية من قبل وسائل الإعلام التي تخضع للدراسة ويحاولان على هذا الأساس أن تشمل دراستهما كافة جوانب وقضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وفي هذا الإطار نرصد ما يتناوله الكتاب من تغطية لقضية التأثيرات المتعلقة بالجوانب الاجتماعية للاحتلال سواء على المستوى الفلسطيني أو على المستوى الإسرائيلي.

إن النتيجة العامة التي تؤكدها كافة المناقشات والتحليلات التي يقوم بها الباحثان تؤكد على أن التغطية التي قدمتها «بي بي سي 1» و «آي تي في» اتسمت بالتسطيح الذي أدى إلى قدر غير قليل من التشويش على إدراك المشاهدين لطبيعة الصراع. وفي إطار رصد الدراسة لتناول «بي بي سي 1» و «آي تي في» لقضية التأثيرات الاجتماعية للاحتلال يشار إلى أنه لا توجد سوى حالتين فقط تم فيهما الإشارة إلى الوضع في الأراضي المحتلة بالشكل الذي يكشف عن طبيعة الاحتلال.

ورغم ذلك فإن هذه الإشارة تتسم كذلك بالخلل. ففي 13 أكتوبر 2000 أشارت بي بي سي و«آي تي في» إلى قيام الإسرائيليين بمنع الشباب المسلمين من الفلسطينيين من الدخول إلى المدينة القديمة في القدس لأداء الصلاة. إلى جانب ذلك فقد أشارت «آي تي في» في 9 أكتوبر إلى الحصار الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية بهدف تضييق الخناق عليها.

غير أن الباحثين وفيما يشير إلى التحليل الدقيق لمضمون منطوق الأخبار يشيران إلى أن هذه الإشارات توضح أن حركة الفلسطينيين إنما تتم وفقا للرغبات الإسرائيلية غير أنه لا يوجد تعليق يبين أن حياة الفلسطينيين يتم التحكم فيها بشكل روتيني من قبل الإسرائيليين أو يشير بشكل واضح إلى الاحتلال العسكري.

المرة الوحيدة التي جاء فيها الأمر جلياً كانت على لسان فلسطيني في عبارة مختصرة في سياق عرضي حيث أشار إلى أن الفلسطينيين «يعيشون وكأنهم في حظيرة دجاج لا يستطيعون الحركة بحرية» وحتى هذه الإشارة - تشير الدراسة - لم يتم تطويرها من قبل الصحافيين الذين أوردوها أو التحدث عنها بإسهاب!

وعلى هذا يقرر الباحثان أنه توجد مشكلتان بشأن التغطية التي لا تقدم شرحا بشأن «الطابع العسكري» للاحتلال وكذا نتائجه على الفلسطينيين. الأولى هي أنه في هذا الإطار يكون من الصعب على المشاهدين فهم لماذا يتخذ الصراع هذا الطابع المعقد؟ إن الأمر على هذا النحو يبدو وكأنه نزاع بين مجتمعين على قطعة أرض. المشكلة الثانية أن مثل هذه التغطية تسييء كثيرا إلى الموقف الفلسطيني في ضوء أنها تترك السبب الرئيسي لثورتهم وغضبهم بدون شرح.

وقد عبر بعض الغربيين الذين أدت بهم ظروفهم إلى الاقتراب بشكل أو بأخر من تطورات الصراع عن دهشتهم من وجهة نظر سابقة لهم تمثل في كون الصراع يعود بشكل رئيسي إلى الممارسات الفلسطينية، مشيرين بعد تكشف أبعاد القضية لهم إلى أن هذا الأمر يكشف عن محدودية فهمهم السابق وتأثير التقارير التي تسود في وسائل الإعلام.

وقد كتب أحد رجال الأعمال على سبيل المثال في الغارديان ما يلي: لقد كان لي بعض المصالح المتعلقة بأعمالي في الشرق الأوسط. وغالبا ما كنت أسافر إلى إسرائيل والضفة الغربية وكنت على اتصال مع الصحافيين، مسؤولي فرق الإنقاذ، ومسؤولين في الأمم المتحدة.

ويمكنني أن أقرر أن كل من قابلتهم والذين قدموا من أجل القيام بأعمال محددة في الضفة الغربية وفدوا بعقل مفتوح أو في بعض الأحوال مثل حالتي بحكم مسبق يميل لصالح إسرائيل، غادروا بغضب عارم على الوحشية والعنصرية والرياء الإسرائيلي، وبعض هؤلاء يهود.

إن الأمر يمثل لهم في هذه الحالة خبرة معاشة على أرض الواقع قادتهم إلى ذلك الإدراك. بل وذهب رجل الأعمال المذكور إلى حد وصف حقيقة أن صحفاً مثل الغارديان «تبدو أحيانا غير منصفة في عرضها لعدالة أو مأساة الموقف الفلسطيني أو العنصرية المخيفة التي تبدو لي والتي تعكس جوهر المواقف والسياسات الإسرائيلية».

* المفارقة في فيلم وثائقي

عرض مراسل آخر دور المستوطنات الإسرائيلية في إطار تلك الأوضاع التي تسودها السيطرة الكاملة على مقدرات الفلسطينيين وأشار أيضاً إلى غياب مثل هذه الرؤية في تغطية وسائل الإعلام مشيرا إلى مدى المفارقة التي تركها لديه فيلم تم بثه على بي بي سي عن المستوطنات والانطباع الذي تولد لديه خلال زيارة للأراضي المحتلة،

ففيما لم يثر الفيلم لديه أية نظرة ذات معنى بشأن تأثير المستوطنات على حياة الفلسطينيين، فإن موقفه تغير كلية بعد الزيارة حيث وجد أنها تغطي تقريبا مختلف المناطق. ويشير الباحثان هنا إلى أن المستوطنات ركيزة عسكرية وذات وظيفة استراتيجية في الأراضي المحتلة،

ومن هنا كان الاتجاه إلى التركيز على إقامتها بشكل خاص في المواقع الحيوية والتي تعكس قيمة إستراتيجية مثل المناطق المرتفعة. ويشيران إلى أنه خلال التوقيع على اتفاقيات واي ريفر والتي كانت تقوم على مبدأ الأرض مقابل الترتيبات الأمنية فإن شارون الذي كان وزيرا للخارجية آنذاك حرض المستوطنين في الضفة الغربية على الاستيلاء على القمم الجبلية وفق ما ذكرته الغارديان في 8 يناير 1999.

ومع ذلك فإنه عندما قامت بي بي سي بزيارة لإحدى المستوطنات في بداية الانتفاضة فإن الصحافيين أشاروا إلى كونها الأكثر عرضة للهجوم باعتبار إنها تقع على قمة جبلية! فيما لم يتم إيراد أي تعليق بشأن وظيفتها الحيوية بالنسبة للاحتلال. وحسبما ذكر تقرير البي بي سي فإن المستوطنة ـ وتسمى «بساغوت» ـ تعد هدفا ثابتا لأعمال المقاومة الفلسطينية، فهي الأكثر عرضة للهجوم حيث تقع على قمة جبلية مرتفعة محاطة من كل جانب بالأراضي الفلسطينية.

بل ويشير التقرير فيما يوحي بسوء وضع هذه المستوطنة أنه حتى حجرة نوم أحد الأطفال أصابتها الطلقات النارية، وأن المستوطنين يعلمون أنهم يقعون تحت مرمى القصف. وقد تم ترحيل مجموعة كبيرة من الأطفال بعد دقائق من إطلاق النار على المستوطنة، وأشار المستوطنون إلى أن الفلسطينيين يحاولون طردنا.

وحسبما تلاحظ الدراسة فقد تم إجراء لقاءات مع المستوطنين خلال هذه التغطية غير أنه لم يتم طرح أية أسئلة بشأن طبيعة النزاع! وقد علق الصحافيون دون أي شرح على ذلك الوضع بأن المستوطنة تعد بمثابة حصن أكثر من كونها مستوطنة! وهنا يعود الباحثان إلى الاستعانة بالمؤرخ آفي سلايم في إشارته إلى وظيفة بعض المستوطنات

والتي تحتل موقعا ذا أهمية عسكرية واستراتيجية حيوية فضلا عن إمكانية السيطرة على موارد المياه، وهذا هو الجانب المفتقد في التغطية التي يقدمها تقرير بي بي سي، الذي لم يركز سوى على سهولة تعرض المستوطنة للهجوم والخطر الذي يهدد المستوطنين، وكذلك في التقارير التي تبين الفلسطينيين والإسرائيليين أنهم مجرد مجموعتين متحاربتين!

إن القضية الأساسية حسب الدراسة والتي تبقى خارج دائرة التفسير هي تلك المتمثلة في أن هناك في إطار هذا الصراع مجموعة تتمتع بالسيطرة الضخمة على حياة آخرين مع بعض المقاومة من قبل أفراد هذه المجموعة الأخيرة! فالتغطية لا تتعرض لهذا البعد بالتفسير وإنما تكتفي بالتعرض لمظاهر الصراع.. وهو الأمر الذي يحول الجاني حسبما يتضح من سياق الدراسة إلى ضحية،

الأمر الذي يبدو بشكل لا لبس فيه في المثال السابق الخاص بتغطية قضية المستوطنة الإسرائيلية، فرغم البعد العسكري لها والمتمثل في فرض مزيد من السيطرة الإسرائيلية على المناطق الفلسطينية، إلا أن من يستمع إلى تقرير بي بي سي بشأنها لابد له في ضعف فكرته عن النزاع سوى أن يتعاطف مع هؤلاء «المساكين» من المستوطنين الذين قادهم حظهم العاثر إلى الإقامة في أماكن تمثل أهدافاً سهلة للمسلحين الفلسطينيين

ولا بد له كذلك أن يصب اللعنات على أولئك الفلسطينيين «قساة القلوب» الذين لم يبالوا حتى بالأطفال فقصفوا غرفة نوم أحدهم!! وهنا يبدي الباحثان دهشتهما من أن الصحافيين أصحاب التقرير المذكور لم يقوموا بتغطية هذه الجوانب بعرضها على المستوطنين ولم يتم سؤالهم إذا ما كانوا يدركون أن الفلسطينيين إنما فقدوا أرضهم وأنه على هذا الأساس تمت إقامة المستوطنات.

ثم تعرض الدراسة لمثال آخر ولكن من «آي تي في» هذه المرة وهو يؤكد أيضا على دفاع إسرائيل وحمايتها للتجمعات اليهودية الصغيرة الواقعة وسط الأراضي الفلسطينية فيما يتم توصيف العرب على أنهم يقومون بأعمال انقضاض متواصلة على هذه المناطق.

ورغم ما لاحظه التقرير من أن الفلسطينيين ينظرون إلى المستوطنين على أنهم رمز للاحتلال الإسرائيلي إلا أن الدراسة تشير إلى أنه بدون تفسير ماذا يعني هذا الاحتلال وبدون الإشارة إلى مظاهره وتأثيراته على الفلسطينيين فإنه لن يكون هناك سبب مقبول لأفعالهم والتي لا يمكن تفسيرها سوى إنها تعكس نوعا من الكراهية.

ويحلل الباحثان التقرير الذي بثته القناة مشيرين إلى أنه بدأ بمقدمة من الاستوديو تشير إلى التناقض القائم بين محادثات السلام والعنف المتواصل وحسب ما يبثه الاستوديو، فإنه فيما تتعثر محادثات السلام فإن العنف بين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية يتواصل لليوم السابع على التوالي مشيرا إلى تطورات الأحداث ومقتل ستة فلسطينيين من بينهم طفل في التاسعة من عمره.

ومن هذه المقدمة تصل الدراسة إلى مضمون التقرير الذي يبثه المراسل والذي يتضمن عرضاً مخلاً للقضية حيث يقول: إن دائرة العنف متواصلة بدون توقف وتكاد تكون بقع التوتر هي نفسها كل يوم. إن الجيش الإسرائيلي يواصل دفاعه عن البقع الاستيطانية اليهودية الصغيرة في الضفة الغربية وغزة والتي تعد بمثابة جيوب وسط المدن والقرى الفلسطينية..

هنا يوجد نحو 400 شخص يقوم نحو ألف جندي بالدفاع عنهم! إن بعض الإسرائيليين يعتقدون أن هذه النقاط يجب الدفاع عنها بأي ثمن. فيما لدى العرب بالطبع شعور مختلف، فقد واصلوا مدفوعين بالكراهية اليوم عملياتهم الهجومية، ولا يوجد ما يشير إلى أجواء مصالحة هنا.

* الانحياز لإسرائيل

الأكثر مدعاة للدهشة من ذلك أنه إذا كانت وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية تتمثل في أن المستوطنات ليست ببساطة سوى تجمعات يهودية تعيش في ظل التهديد من قبل «الإرهابيين» و«الغوغاء»! فإن التقرير التالي لقناة «آي تي في» إنما يؤكد على وجهة النظر تلك حيث يقول: «إن الجنود الإسرائيليين متهمون باستخدام القوة المفرطة في مواجهة العنف غير أنهم يصرون على التأكيد على أنهم إنما يقومون بالدفاع عن التجمعات الاستيطانية من حشود الغوغاء التي تمطر هذه التجمعات بالحجارة».

أما بالنسبة للنظر إلى المستوطنين على أنهم يعيشون بشكل أساسي تحت التهديد فأمر بدا واضحا في العديد من التقارير والتي راح فيها الصحافيون يعملون على تتبع حياة المستوطنين ومصادر قلقهم. أما الإشارة الوحيدة إلى الموقف الفلسطيني فقد تمثلت في تعليق ذهب إلى القول أن الفلسطينيين هنا يقولون إن المستوطنين الإسرائيليين يحاولون الاستيلاء على أرضهم.

غير أنه لم يكن يتم تقديم دليل يشير إلى ما إذا كان هذا الإدعاء صحيح أم خاطئ. وضمن هذا السياق تم بث لقاء مع ناشط إسرائيلي من أجل السلام حيث قال إنني لا أريد أن يموت أحفادي من أجل لا شيء. وهنا علق الصحافي مشيرا إلى أنه يوجد يساريون إسرائيليون يعتقدون أن بلدهم لن يعيش حالة سلام ما لم يحصل الفلسطينيون على العدالة. ولم يتم تفسير ماذا تعني هذه العدالة أو لماذا يعد الفلسطينيون في حاجة إليها؟

وفي تعزيز لطرحها بشأن التغطية المتحيزة تقدم هذا النموذج الفج من تغطية سابقة على اندلاع الانتفاضة من تقرير لمراسل بي بي سي حيث راح يذكر في 23 أكتوبر 1998 في سياق تناول موقف المستوطنين من اتفاق واشنطن في ذلك الوقت «إن السيدة شاني لوتز وعدداً أخر من المستوطنين ذهبوا الليلة إلى القدس، المكان الأكثر قداسة بالنسبة للديانة اليهودية، من أجل الصلاة طلبا لمساعدة الله. إن المستوطنين يخططون لحملة ضد اتفاق واشنطن».

أما الملاحظة الأساسية على هذا التقرير فتتمثل في انه لم يورد أسئلة انتقادية بشأن دور المستوطنين في تعزيز الاحتلال العسكري أو في السيطرة على الأرض والمياه أو حتى في الاتهامات التي توجه إليهم بشأن قتل الفلسطينيين. وتفصيلا لهذا الجانب الأخير المتعلق بتعامل المستوطنين مع الفلسطينيين الأمر الذي يراه الباحثان غائبا عن وسائل الإعلام التي يحللان تغطيتها للصراع الفلسطيني الإسرائيلي يعرضان تقريرا لمنظمة حقوق الإنسان بيتسيلم يتطرق إلى اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين.

ويشير التقرير إلى أن من بين أساليب المستوطنين من أجل التنغيص على الفلسطينيين إقامة نقاط التفتيش على الطرق، إطلاق النار على سخانات المياه التي توضع فوق أسطح المنازل، حرق السيارات، تهشيم النوافذ، تدمير المحاصيل واقتلاع الأشجار ومضايقة التجار وأصحاب الحوانيت في الأسواق.

كما يشير التقرير إلى أن الهدف من العنف الذي يمارسه المستوطنون ضد الفلسطينيين هو إجبارهم على الرحيل عن منازلهم وأرضهم. وبما يمكنهم من الاستيلاء على هذه الأراضي والمنازل بشكل غير قانوني. ويصف التقرير صعوبة جمع المحصول قائلا: خلال موسم جمع الزيتون والذي يعمل فيه الكثير من الفلسطينيين حيث يزداد عنف المستوطنين وهجماتهم ضد الفلسطينيين.

وتشمل أعمال العنف من قبل المستوطنين إطلاق النار على جامعي الزيتون ما يؤدي إلى قتل البعض منهم وإصابة آخرين وسرقة محصولهم وتدمير أشجارهم. كما تعرض الدراسة لتقرير من قبل منظمة العفو الدولية بشأن القتلى من الأطفال على الجانبين في النزاع حيث يلاحظ الاختلاف في رد الفعل الإسرائيلي ويصف عملية الهجوم التالي:

في 19 يوليو 2001 قتل الطفل ضياء مروان من قرية إذنا قرب الخليل يبلغ عمره أربعة أشهر تقريبا عندما تم إطلاق النار من قبل مستوطنين على السيارة التي يستقلها مع أفراد أسرته عائدة في طريقها إلى المنزل من فرح لأحد أقارب الأسرة. وقد قتل اثنان من أسرته أيضا في الحادث، كما أصيب خمسة آخرون من بينهم الطفلة أميرة والتي تبلغ من العمر سنتين. وقد وقع الهجوم بالقرب من إحدى نقاط التفتيش في ترقوميا غير أن الجنود الذين كانوا مرابطين هناك لم يوقفوا سيارة القتلة لدى هروبها.

وعلى نفس المنوال عرض إسرائيل شاحاك في 1994 سلسلة من التقارير في الصحافة الإسرائيلية بشأن العلاقة بين المستوطنين والفلسطينيين ورد فعل الجيش الإسرائيلي. حيث يذكر نقلا عن تقرير نشر في إحدى الصحف الإسرائيلية ما يشير إليه كاتب التقرير من أن الاعتداء على العرب أو إذلالهم أو تدمير ممتلكاتهم أمام أعين الجنود الإسرائيليين لا يعد سببا كافيا للقبض على المستوطن.

وقد وصف تقرير آخر يسرد فيه صحفي استقل حافلة مع متطرفين يهود ما حدث من المستوطنين قائلا: في الطريق انشغل الشبان المتدينون من مستوطنة كريات أربع بإلقاء الحجارة على العرب لدى مرور الحافلة بجوارهم وهم يبررون سلوكهم بالقول : إننا مستوطنون .. أليس كذلك؟! ويذكر الصحفي شعارا مكتوبا على مدخل مستوطنة يقول : الشخص «المخدوع .. هو الوحيد الذي لا يقتل عربيا...».

إن هذه الصورة تتناقض تماما مع تلك التي حاولت التغطية التليفزيونية تقديمها للمستوطنات والمستوطنين من أنهم ليسوا سوى جماعات صغيرة عرضة للهجوم. بل تشير الدراسة إلى أن هذه التقارير إنما تكشف عن الطبيعة العنصرية للأوضاع في الأراضي المحتلة والتي تشكل الملمح الأساسي لمواقف المستوطنين تجاه الفلسطينيين.. فعلى سبيل المثال، فإنهم، في حكم الواقع، يعتبرون خاضعين للحماية العسكرية من الجيش الإسرائيلي.

وعلى هذا ينتقد الباحثان محاولة المساواة بين وضع الفلسطينيين والمستوطنين وذلك انطلاقا من أن المستوطنين إنما يعيشون في إطار مساندة قوة الاحتلال فيما أن الفلسطينيين إنما يعيشون تحت سيطرة هذا الاحتلال. ويضيفا أن الفلسطينيين والمستوطنين يمكنهما بالطبع أن يطلقا النار على بعضهما غير ان النتائج في الحالتين مختلفة لأن المجتمعين مختلفين بالكامل.

* التساهل مع المستوطنين

بحسب ما يشير إليه بيتسيلم فإن السلطات الإسرائيلية تطبق سياسة غير معلنة تتسم باللين تجاه المدنيين الإسرائيليين الذين يلحقون الأذى بالفلسطينيين وهذه السياسة تتناقض بشكل كامل مع تلك التي تتسم ببالغ الشدة والقسوة تجاه الفلسطينيين الذين يلحقون أي أذى بالإسرائيليين،

ففي هذه الحالة فإن المدن والقرى في المنطقة التي يقع فيها الحادث توضع بشكل روتيني في حالة طوارئ ويتم إجراء عمليات بحث مكثفة وعمليات اعتقال، كما أن حالة الطوارئ يتم فقط تطبيقها على الفلسطينيين وليس المستوطنين ويمكن ان تؤدي إلى حبس السكان لمدة 24 ساعة في بيوتهم ممنوعين من الخروج سواء للعلاج أو حتى ذهاب الطلبة إلى المدرسة.

ويشير الباحثان إلى أن هذا التناول يكشف بشكل واضح عن الجانب المفقود في التغطية التليفزيونية والتي لا تكشف عن الطبيعة غير المتوازنة لمثل هذا المجتمع، ويعودا للتأكيد على أنه بدون مثل هذا التفسير فإنه سيكون من الصعب فهم النزاع بشكل عميق أو فهم العداء وصعوبة التعامل مع قضية العنف.

وتواصل الدراسة تحليلها بالغ الدقة للتقارير والأخبار التي يتم بثها على القنوات محل البحث وتحاول التوصل إلى نتائج محددة سواء كانت تعزز ما تشير إليه أم العكس . وفي سياق استعراض التأثيرات الاجتماعية للاحتلال على أوضاع الفلسطينيين والتي تمثل قضية المستوطنات الأبرز بينها، يسهب الكتاب في تناول هذا الجانب.

ومن الأمثلة التي يتم الإشارة إليها هنا ذلك المثال الذي يخبرنا بأن وجود المستوطنات اليهودية على شكل جيوب سكانية في المدن الفلسطينية كان سببا من أسباب حالة الغضب والتوتر. غير ان التقرير لم يذكر لنا لماذا؟ أي أنه لم يقدم لنا تفسيرا. وبالطبع فإن هذا الانتقاد من قبل الباحثين إنما يوجه إلى هذا التناول باعتبار أنه موجه إلى المشاهد الغربي الذي قد لا يعلم شيئا عن الصراع من الأصل ما يعني ضرورة تقديم تفسيرات له تزوده بخلفية أساسية تساعده على فهم طبيعة الأخبار التي يستمع اليها أو يشاهدها.

* الغضب الفلسطيني

في محاولة لاستكمال نواقص التقرير وهو الأسلوب الذي يتبعه الباحثان بشكل دائم على مدى صفحات الكتاب حتى لا يكون نقدهما ذا طابع يتصف بالعمومية وللتأكيد على عدم استيفاء التغطية الجوانب الأساسية لها وبالشكل الذي يساهم في إثراء معرفة المشاهد يشيران إلى أن أسباب التوتر ليس من الصعب تحديدها.

ففي عام 1994 رفعت جمعية كاثوليكية لحقوق الإنسان تقريرا إلى المحكمة العليا في إسرائيل يشير إلى أن 86% من أراضي القدس الشرقية التي تحتلها إسرائيل تم مصادرتها بالشكل الذي أصبح يتعذر معه على العرب استخدامها. وقد أشار التقرير أيضا إلى أن العرب الذين تتم إزالة منازلهم ينحدرون من الطبقات الاقتصادية الدنيا التي تمثل أدنى فئات المجتمع وأنهم يعيشون الآن في خيام في ظل أحوال مزرية.

وتعلق الدراسة بأنه بدون مثل هذه المعلومات فإن كلا من إسرائيل والفلسطينيين سوف يظهران للآخرين كجيران يتسمان بالسوء بالنسبة لبعضهما البعض، أو حسبما ذهب تقرير لـ بي بي سي 1 فإن العنف إزاء هذه الأوضاع ينتشر في القدس ذاتها حيث يتعايش الفلسطينيون والإسرائيليون جنبا إلى جنب بل وأحيانا عبر نفس الشارع ما يجعل من أجواء التوتر قابلة للتزايد.

وتعرض الدراسة بعد ذلك لتقرير من «آي تي في» حول نفس القضية يعلق على قتال «الجيران» داخل إسرائيل قائلا: إن العرب واليهود خرجوا إلى الشوارع في الناصرة وقد قام الجيش الإسرائيلي بالتدخل بينهما في محاولة لمنع قتال عنيف بين الجيران. ويعلق الباحثان على هذا الطرح بالإشارة إلى أنه ينقصه بعض التفصيلات التي تجعله يخرج من إطار العمومية إلى التحديد بما يسهل على المشاهد مهمة فهم الأحداث.

وهنا يشيران إلى أن بعض التقارير مثلا أشارت إلى الانتفاضة باختصار على أنها هبة شعبية والتي تعني بالطبع الانخراط في عمليات مقاومة ومع ذلك فإن السؤال هو : مقاومة ماذا ولماذا ؟.. إنها أمور ظلت غير واضحة. وقد كان هناك تغطيات مماثلة في هذه الفترة محل الدراسة بشأن القتلى من الأطفال الفلسطينيين.

ويضيفا أنه كان يتم تناول نتائج الصراع بالنسبة للفلسطينيين إخباريا بهذا المستوى، غير أنه يبقى مع ذلك مسألتان لم يتم التطرق إليهما وهما طبيعة الاحتلال العسكري الإسرائيلي والعلاقة المشوهة التي نتجت عن هذا الاحتلال بين المحتل والشعب الخاضع للاحتلال.

وتشير الدراسة أيضاً إلى أنه يوجد تركيز كبير في الأخبار بشأن الخلافات الدينية وكونها تلعب دورا رئيسيا في تفسير الاضطرابات التي تحدث في إطار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وتذكر الدراسة أن هناك عدداً كبيراً من الإشارات ـ لم يتم تحديد رقم معين ـ إلى الأماكن «المقدسة» و«الدينية» في الأيام الأولى للانتفاضة التي أعقبت قيام شارون بزيارته «إلى أكثر المواقع الإسلامية قداسة لدى المسلمين في القدس» الأمر الذي أدى إلى اندلاع الانتفاضة.

وقد كان يتم وصف أعمال القتال الأولى التي وقعت في بدايات الانتفاضة على أنها تتمحور حول الموقع المقدس لدى كل من المسلمين واليهود. ومن الاستهلال إلى عرض النماذج تعرض الدراسة لما بثته بي بي سي 1 في 29 أكتوبر حيث راحت تصف الأحداث قائلة: إن هذا يعد أحد أكثر المواقع قداسة في القدس، حيث يحاول الفلسطينيون إخراج قوات الشرطة الإسرائيلية منه وقد كان الرد بالذخيرة الحية.

وقد قتل أربعة أشخاص على الأقل وأصيب أكثر من 150 آخرين وقد قدم معظم هؤلاء لأداء الصلاة. ويوجد هناك حالة ثورة عارمة لدى الفلسطينيين بسبب الأوضاع التي أدت إلى حدوث هذه الاضطرابات هنا .. في محيط ثالث الحرمين أكثر المواقع قداسة في الإسلام. كما نسمع على بي بي سي 1 في أول أكتوبر أن المتظاهرين شنوا هجوما على التجمعات السكنية لليهود المتدينين.