تواصل الدراسة موضوع الكتاب الكشف عن اللبس الحاصل بشأن الجوانب المتعلقة بصيغة الحديث عن طبيعة الأراضي المحتلة والتي تعزز الغموض بشأن العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بما ينعكس على فهم المشاهد للأحداث ثم تتطرق إلى جوانب تتعلق بجذور الصراع.

كما تخصص الدراسة جانبا لتحليل مقولة دائرة العنف التي أصبحت النغمة السائدة في وسائل الإعلام في تلك الفترة دون تحديد لأبعاد هذه المقولة من قبل هذه الوسائل، فضلا عن استعراض التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للاحتلال وهي الجوانب التي تم تشويهها في سياق التغطية الإعلامية للانتفاضة.

وفي إطار تعرضها بالنقد والتحليل للصيغة التي يتم بها الحديث عن الأراضي المحتلة تشير الدراسة إلى نماذج أخرى إلى جانب النماذج التي اشرنا إليها في الحلقة السابقة تعزز اللبس في توصيف الأوضاع على صعيد الصراع وخاصة بالنسبة لطبيعة المناطق محل التناول الإخباري مشيرين إلى أن بعض الصحافيين في «بي بي سي 1» كانوا يطلقون في بعض الأحيان على غزة «قطاع غزة الذي يخضع للحكم الفلسطيني» أما «آي تي في» فقد كانت تطلق على الضفة الغربية توصيف «الضفة الغربية التي يديرها الفلسطينيون».

وانطلاقاً من هذا تشير الدراسة إلى أن النقطة الأساسية هنا هي أنه اذا كانت الرؤية غير واضحة لدى الصحافيين أنفسهم بشأن الاراضي المحتلة وكيف تم احتلالها حسبما يشير سياق تقاريرهم فإنه لنا أن نتصور مدى الخلط وسوء الفهم الذي سيقع فيه المشاهدون.

ثم تعرض الدراسة نموذجا يوضح ما تذهب اليه فتشير إلى أنه في نشرة إخبارية عرضت تطورات محادثات السلام تم خلالها استعراض سريع لبعض القضايا الأساسية بشأن النزاع حيث ذكر مراسل «آي تي في» نقاط الاختلاف التي لم يتم التوصل إلى حل بشأنها تتمثل في مستقبل مدينة القدس على سبيل المثال، مستقبل المستوطنات الإسرائيلية وعودة اللاجئين.

وإزاء الاختلافات بشأن هذه القضايا جميعها فضلا عن حالة الغضب العارم التي تسود في الضفة الغربية فإنني أعتقد أنه يبدو واضحا أن القضية ليست على مقربة من الحل. أما على بي بي سي فإن مراسلها أشار في حديثه عن الفلسطينيين إلى أن: غضبهم إنما يتعزز بالأوضاع الاقتصادية بالغة السوء، فضلا عن تدهور عملية السلام، المشاعر الدينية، والرغبة في الانتقام من مقتل ذويهم في الصراع.

وفي تعليق على هذا التناول يشير الباحثان إلى أن هذه التغطية التي تقدم لقضايا من المفترض أنها محورية بالنسبة للنزاع تحتاج إلى كثير من التفصيل حتى يمكن للمشاهد فهم دلالاتها. ثم يحاولان من هذه النقطة التطرق إلى تغطية أخرى قدمت بعض التفسير لمعرفة الجوانب الحقيقية بشأن النزاع التي كانت تقدم للمشاهدين.

في عرضهما لهذا الجانب، يشير الباحثان إلى تاريخ وجذور الصراع في النشرات التليفزيونية فيوضحان انه في النشرات التي تم تحليلها من 28 سبتمبر إلى 16 أكتوبر فإنه من بين نحو 3500 سطر ضمن النصوص التي تم تحليلها عن تلك الفترة فإنه لم يتم الإشارة إلى تاريخ الصراع سوى في نحو 17 فقط.

ويقدمان هنا نموذجاً لما ورد في إحدى نشرات بي بي سي وفيه يتساءل المراسل في 10 أكتوبر 2000: إلى أين قادت الخمسون سنة الماضية من الصراع العربي الإسرائيلي؟ مجيبا انه منذ إنشاء الدولة اليهودية فإن القتال مع الفلسطينيين للسيطرة على الأرض أدى إلى رحيلهم. وفي عام 1967 ضاعفت إسرائيل من مساحة أرضها خلال حرب الأيام الستة والتي كانت بمثابة نكسة للعرب. ومنذ ذلك الوقت فإن إسرائيل تسعى إلى تحقيق مبدأ مقايضة الأرض مقابل السلام مع جيرانها.

وقد بدأ الجهد الأكبر لتحقيق سلام شامل في عام 1993، حتى بدأت الأوضاع تشير إلى قرب تحقق السلام خلال قمة كامب ديفيد تتويجا لجهود إدارة كلينتون وزعماء المنطقة. غير ان الخلاف بشأن التسوية النهائية أدي إلى الفشل في التوصل إلى اتفاق. ويتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك الآن عن السلام بصيغة الماضي.

* تشويه الخلفية التاريخية

لا يترك الباحثان هذه الصيغة دون تمحيص فرغم انتقادهما العام لخلو التغطية الصحافية من الإشارة إلى الماضي بالشكل الذي يساعد المشاهد على فهم تطورات الصراع من خلال الإطلاع على خلفياته، إلا أنهما يريان أنه حتى التغطية التي تناولت الماضي لم تتسم بالإنصاف حيث أنها راحت تتبنى الموقف الإسرائيلي.

وفي قراءتهما للتغطية السابقة يشيران إلى قول المراسل: انه منذ ذلك الوقت فإن إسرائيل تسعى إلى مقايضة جيرانها بالأرض مقابل السلام، معتبرين أن هذا التوصيف يثير التساؤل حيث أنه توجد تقارير صحافية تشير إلى أن خطوات السلام تتواكب مع توسيع إسرائيل للمستوطنات وهو ما يعني عدم صحة ما يشير إليه المراسل من أن إسرائيل تعرض الأرض مقابل السلام.

ففي الوقت الذي تتواصل فيه المحادثات تقضم إسرائيل المزيد من الأراضي بإقامة المستوطنات عليها حتى أصبح حجم الأرض الفعلية التي يمكن إعادتها للفلسطينيين محدودا حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن إزالة المستوطنات. ورغم ذلك يشير الباحثان إلى أن المراسل قد يكون اجتهد في محاولة تلمس الحقيقة بالإشارة إلى أن الفلسطينيين تم طردهم من أرضهم حيث أن تلك قد تكون بتقديرهما المرة الوحيدة التي تناولت هذا الجانب في الفترة محل الدراسة - بداية الانتفاضة.

وفي فبراير 2002 على سبيل المثال فإنه مقدم أحد البرامج على بي بي سي 2 سأل مفاوضا فلسطينيا :هل تعد للتفاوض بشأن عودة الفلسطينيين الذين طردوا من منازلهم أو فروا لدى إنشاء إسرائيل عام 1948؟ وفي مارس 2002 فإن صحافيا على بي بي سي ذكر بشكل عابر الفلسطينيين الذين طردوا أو فروا عندما قامت إسرائيل عام 1948.

وبناء على ذلك تقرر الدراسة أنه قد لا يكون من الأمور المثيرة للدهشة أن تكون مجموعة كبيرة من أفراد العينة محل الدراسة لا تعرف من أين وفد اللاجئون الفلسطينيون أو كيف أصبحوا لاجئين؟ ويعد هذا المثال نموذجاً حيوياً على التأثير الذي تمارسه وسائل الإعلام على طريقة إدراك المشاهدين للقضايا محل التناول الإخباري مثل عملية السلام.

وتقدم الدراسة المزيد من الأمثلة بشأن هذا الجانب من خلال نموذج للقاء بين صحافيين دار على قناة «بي بي سي 1» في نقاش حول احتمالات السلام وتطرق إلى قضية اللاجئين يدون ذكر أي تفصيلات أو تفسير لها. فقد راح الصحافي الأول يسأل الثاني عن فرص نجاح هذه العملية

وكانت إجابة هذا الأخير أنه اذا ما حاول الطرفان التوصل إلى وقف للنار أو هدنة، ونوع ما من خطة لإنهاء العنف، فإنه حينئذ يمكن التحرك نحو مفاوضات الحل النهائي خاصة فيما يتعلق بقضية القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين. ومن خلال هذه الإجابة تشير الدراسة إلى أن الإشارة التي وردت بشأن تاريخ مفاوضات السلام كانت بالغة الاختصار.

* دائرة العنف

مع تطور الانتفاضة بدأ الصحافيون في الحديث عن ما أسموه دائرة العنف وكان الافتراض هنا أن العنف يولد المزيد من العنف في حلقة مفرغة لا تنتهي. ومن النماذج التي يتم الإشارة إليها هنا تغطية بي بي سي 1 وفيها يعلق المراسل على جنازة مستوطن يهودي يدعى رابي هيلال ليبرلمان لقي مصرعه بالرصاص مشيرا إلى أنه في ظل هذه الأزمة فإن العنف يولد عنفا أكثر وأن جنازة اليوم لا تعد استثناء عن هذه القاعدة.

وأشار إلى ان المشيعين من المستوطنين مدججين بالسلاح بما فيهم النساء. وقد قام المستوطنون بعد تشييع الجثمان بالهجوم على منازل عربية قريبة منهم حيث تم إطلاق النار تعبيرا عن نقمتهم على مقتل المستوطن وانتقاما للحادث. أما «آي تي في» فقد واصلت العزف على النغمة نفسها بشأن دائرة العنف وتواصلها بشكل مأساوي حيث راح مراسلها يتحدث عن دائرة العنف التي لا يمكن كسرها.

وحسب القناة نفسها وفي تقرير آخر يشير مراسلها إلى أن العملية أصبحت مأساوية بشكل يفوق الوصف فكل يوم يبدأ بجنازات ولكن الفلسطينيين بعد ذلك يقومون بالتوجه إلى نقاط الصدام مع العدو وحينئذ يحدث الأمر المعتاد المتمثل في المواجهات بين الجانبين. إن الإسرائيليين والفلسطينيين على شفا الحرب الليلة بعد يوم من المواجهات العنيفة حاول خلالها كل طرف إلحاق أكبر أذي بالطرف الآخر.

تشير الدراسة إلى أن حصر مثل هذا التناول للأحداث يعد من الأمور الصعبة إزاء اتساع نطاقه، وفي نقدها لهذا التناول تؤكد على أنه لا يوجد خلاف حول الطبيعة التي تتخذها الأحداث في الأراضي المحتلة وتجعل من العنف سمة أساسية للحياة هناك وهو ما يؤدي بدوره إلى تولد مزيد من العنف، غير أن تحفظ الدراسة هنا إنما يتعلق بعدم تجاوز هذه النغمة.

وحسب ما تذهب إليه فإنه من غير الممكن شرح أو تناول الصراعات الرئيسية بمثل هذه البساطة، فالأسباب التي أدت إلى الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال لم تكن أن بريطانيا وألمانيا كانتا تريدان قصف بعضهما البعض، وإنما قضايا أخرى تعكس جوانب جوهرية في مصالحهما.

وعلى ذلك فإن النتيجة الأساسية التي يمكن الوصول إليها تتمثل في أن جذور أي صراع والبحث في السبل التي يمكن حله من خلالها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم التوصل إليها من خلال استعراض أحداثه بطريقة يوم بيوم وردود الفعل بشأنها. غير أن الباحثين يشيران إلى فلسفة الإعلام في التعامل مع الأحداث

بهذه الطريقة بذكر ما أوضحه لهم صحافي شارك في الاستطلاع الذي أجروه وكان من أفراد عينتهم بالإشارة إلى أنه إذا لم تكن هناك دماء كثيرة فإن الحدث قد لا يستحق في هذه الحالة التغطية! معلقين على ذلك بأن مثل هذا المنهج من غير الممكن أن يصل بنا إلى تحليل القضايا المهمة.

تشير الدراسة إلى أن النتائج الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة تعتبر أحد العوامل الأساسية التي أدت إلى اندلاع الانتفاضة. وقد كان هناك إدراك لهذه النتائج بشكل واضح منذ البدايات الأولى للانتفاضة، بل وحتى فيما قبل قيامها. ففي أكتوبر 2000 نشرت الغارديان أن قضية الموارد والتباين في توزيعها تعد أحد أسباب الاضطرابات. حيث يغذي الفقر والسخط حالة التطرف.

وقد نقلت عن تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي اشارته إلى أن الفلسطينيين ما زالوا يعانون من الإرث طويل الأمد للاحتلال والذي ترك أثاره المتمثلة في تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. كما أشار تقرير الأمم المتحدة أيضا إلى تأثير التوسع في المستوطنات الإسرائيلية والبنية التحتية العسكرية. وقد وصفت تقارير أخرى ما تبدو عليه هذه العملية على أرض الواقع.

ففي يناير 1999 نشرت الغارديان تقريرا من قبل جماعة السلام الآن ينتقد سياسة تعزيز المستوطنات، كما نشرت تقريرا يكشف عن العملية التي يتم بها تدمير القرى الفلسطينية والاستيلاء على أرضهم ثم الإعلان عنها باعتبارها أرض مشاع، ومن ثم تصبح متاحة لسكنى المستوطنين.

إن هذه السياسة تعبر عن برنامج واسع ومكثف بشأن الاستيطان والتوسع العسكري والذي من الصعب عدم إدراكه من قبل الصحافيين. وفي مايو 2002 نشرت جماعة حقوق الإنسان الإسرائيلية تقريراً يكشف عن قيام إسرائيل بالاستيلاء على نحو 42% من أراضي الضفة.

وأشار التقرير إلى آلية هذا الاستيلاء حيث يتم ذلك بناء على الإعلان أنها تتم نظراً للحاجات العسكرية ثم الإعلان أنها مجال للاستغلال للمصلحة العامة. وهذه السياسة حسبما يشير التقرير يتم تأييدها من قبل المحكمة العليا بما يوفر لها غطاءً من الشرعية. وكنتيجة لكل هذا يشير التقرير إلى أن إسرائيل أصبحت تعمل وفق نظام يقوم على أساس التمييز العنصري.

من هذا العرض يشير الباحثان إلى أن التساؤل الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت هذه القضايا بمثل هذه الحيوية فلماذا لا يتم مناقشتها والحديث عنها باستفاضة على شاشات التليفزيون من خلال الأخبار؟ وهما يعززان رأيهما بالطبع بناء على الدراسة التي أجرياها والتي تشير إلى محدودية الإشارة إلى مثل هذه القضايا بل وورودها بشكل متفرق..

فعملية السلام حسبما تذهب «بي.بي.سي1» يتم الإشارة إليها، كما وضح للباحثين، على أنها فاشلة بسبب عدم الاتفاق على اقتسام الأرض. كما أن المصادمات في القدس يتم الإشارة إليها على أنها نزاع ملتهب بشأن قطعة أرض أما قطاع غزة فيتم وصفه على أنه 30 ميلاً من الأرض حيث يعيش نحو مليون فلسطيني وعدة آلاف من اليهود.

إن هذه الصياغات لا يتم خلالها مناقشة تأثيرات الاحتلال العسكري على الفلسطينيين. كما أن الرؤية الفلسطينية بشأن هذه القضية لا يتم التطرق إليها، فنحن يتم إخبارنا على سبيل المثال من «بي.بي.سي 1» بأن عملية السلام قد أحبطت، وأنها لم تحقق حتى الآن الهدف المأمول. غير أنه من أجل فهم دلالات هذه العبارات فإنه يجب توفير بعض المعرفة بشأن السيطرة على الموارد وماذا حدث بالفعل في ظل الاحتلال الإسرائيلي؟

ثم يعيدان الإشارة إلى قضية السيطرة الإسرائيلية على مصادر المياه مشيرين إلى أنها تعد من القضايا الرئيسية في الصراع. وقد أصبحت مجالاً للتناول من قبل الصحافة في ضوء اتساع تأثيرها وفي هذا الصدد كتبت سوزان غولدبيرغ في «الغارديان»، مشيرة إلى أن قطاع غزة يعد الأكثر كثافة سكانية في العالم

وكتبت أن 1.1 مليون فلسطيني يعيشون في نحو ثلثي غزة داخل منطقة تبلغ مساحتها 360 كيلو متر مربع محشورين في مخيمات يغلب عليها البؤس ويفصل سياج كهربائي بينهم وبين المستوطنين على الجانب الآخر. وفي الوقت نفسه يوجد نحو ستة آلاف مستوطن وتجهيزات عسكرية إسرائيلية في الجزء الباقي الذي يمثل نحو ثلث القطاع.

ثم راحت تصف الاختلافات بشأن السيطرة على إمدادات المياه مشيرة إلى التناقض الواقع بين المجتمعين ففي داخل المستوطنات اليهودية فإن المستوطنين يعيشون في بيت من طابق واحد يحاط بأرض يتوفر لها مصدر المياه وتوجد داخل المستوطنات مراكز تجارية وحمامات سباحة ومحميات تنتج الخضروات فيما أن حياة الفلسطينيين في الخارج تتسم بما لا يمكن وصفه سوى بالسوء والبؤس.

* شاهد ما «شفش» حاجة

ومن هذا التقرير تتساءل الدراسة إذا كانت جريدة تقدم وصفاً بالغ الدقة لهذه الحالة بين الفلسطينيين والإسرائيليين فالسؤال ما الذي يمكن للتلفزيون أن يقدمه؟ على أرض الواقع فإن هذه الجوانب غابت عن التغطية التلفزيونية.. فعلى الرغم من أن مراسلي التلفزيون كانوا بالطبع يذهبون إلى المستوطنات

إلا أنهم لم يقدموا مثل هذه المقارنة بين ما توجد عليه حالة هذه المستوطنات والظروف التي يعيشها الفلسطينيون في الخارج، وبالشكل الذي يرجع مثل هذا التباين إلى الاحتلال العسكري الإسرائيلي. كما أن قضية المياه في الغالب لم يتم التطرق إليها. وقد تم الإشارة إليها بشكل مختصر على قناة «آي تي في» في إطار حصر القضايا التي تؤثر بالسلب على عملية السلام.

وحسبما ذكرت القناة في تناول لها في هذا الصدد: يوجد أيضاً قضية ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في الدول المجاورة أو في مخيمات بالغة البؤس. هل يمكن أن يتم السماح لهؤلاء بالعودة إلى أراضيهم؟ وماذا سيكون مصير المستوطنات اليهودية، والتي يعيش فيها الإسرائيليون في الضفة الغربية.. الأرض التي يؤكد الفلسطينيون على أنها يجب أن تكون جزءاً من دولتهم المستقبلية؟

ثم تتطرق القناة إلى القضية المقصودة وهي المياه قائلة: كما يبدو فإن هناك قضايا أخرى مثل مصادر المياه والتي تكتسب أهمية كبيرة في الشرق الأوسط والتي ما زالت تعوق المفاوضات. ويعلق الباحثان على هذا التقرير مشيرين إلى أنه يتضمن سرد مجموعة من القضايا الأساسية بدون شرحها. وعلى ذلك فإن المشاهد لا يستطيع فهم شيء من متابعته للتقرير مثل الكيفية التي أصبح فيها الفلسطينيون لاجئين أو كيف أصبحوا في حالة يرثى لها.

كما أنه يقال بالنسبة لقضية المياه أنها قضية أساسية غير أن السياق لا يجعل المشاهدين في حالة تمكنهم من فهم أبعاد هذه الأهمية. ويستعينا هنا بنتائج الدراسة الميدانية للأفراد حيث يشيران إلى أن أقل من 10% من الأفراد الذين أجريت الدراسة عليهم كانوا يعرفون أن المياه قضية رئيسية في الصراع. وفي خلال فترة الدراسة لم يتم التطرق إلى هذه القضية على الإطلاق على «بي.بي.سي 1».

وتخلص الدراسة من استعراض هذا الجانب إلى القول أن الاحتلال كان له تأثيرات كبيرة على الاقتصاد وتوزيع الحصص الخاصة بالموارد والتي لم يتم التطرق لها في الأخبار، مؤكدة على أنه كان هناك سلسلة من النتائج الأخرى على الحياة الاجتماعية والتي تعد بالغة الأهمية في تفسير وشرح طبيعة الصراع.

* النتائج الاجتماعية للاحتلال

من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن الأمن هو مصدر الاهتمام الرئيسي، وعلى هذا فإن استمرار الاحتلال يتم تبريره بناء على هذه الخلفية. ولكن على الجانب الفلسطيني، فإن القضية المحورية هي أنهم يعيشون تحت احتلال عسكري إسرائيلي. غير أن التأثيرات المختلفة للاحتلال على الحياة اليومية للفلسطينيين غائبة بشكل كبير عن التغطية الإعلامية. فعبارات مثل «الاحتلال العسكري» و«الحكم العسكري» غير مستخدمة في الغالب.

ومع ذلك فإن الأوضاع التي تسبب بها هذا الوجود العسكري بالنسبة للفلسطينيين تعد سبباً رئيسياً في الاضطرابات التي يتم تغطيتها. ففي ديسمبر 1998 نشرت «الأوبزرفر» تقريراً تم إعداده من قبل مجموعة حقوق الإنسان الإسرائيلية ـ بيتسيلم بمناسبة الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد أشار التقرير إلى أن ما يتراوح بين ألف وألف وخمسمائة أسير فلسطيني يتم استجوابهم من قبل جهاز الأمن الإسرائيلي الشين بيت سنويا وأن 85% يتم تعذيبهم.

وقد كان هذا في الفترة التي سبقت الانتفاضة وخلال هذه الفترة، فإن جهاز الأمن الفلسطيني كان يتعاون بشكل مكثف مع إسرائيل في القبض على المعارضين الفلسطينيين والناشطين في منظمات المقاومة العسكرية التي تعارض الاتفاقات التي تم التوصل إليها بين الإسرائيليين والسلطة الفلسطينية.

وحسبما نشرت الصحيفة في 13 ديسمبر 1998، فإن نحو ثلاثة أرباع المعتقلين تم تعذيبهم. وفي نفس الوقت فقد كانت هناك تقارير تشير إلى أن ألاف الفلسطينيين بقوا في المعتقلات الإسرائيلية، وقد كان بعضهم معتقلا من فترة ما قبل الانتفاضة حسبما نشرته «الغارديان» في 7 نوفمبر 1998.

لقد كان للعيش في ظل هذا الحكم تأثيرات عميقة على حياة كل فلسطيني. ومن وجهة نظر الباحثين فإن الإسرائيليين استخدموا السلام لتوسيع نطاق سيطرتهم العسكرية والاقتصادية، حيث أصبح من الصعوبة بمكان للفلسطينيين التنقل في ظل بناء العديد من المستوطنات والطرق بين أراضيهم. ويشمل هذا إزالة العديد من المناطق السكنية وإقامة نظام مكثف من نقاط التفتيش الأمني والعسكري.

ويشيران إلى أنهما التقيا ضمن المقابلات التي أجرياها في إطار هذه الدراسة بصحافي أميركي عمل مديرا لوكالة أنباء في القدس في فترة ما قبل اندلاع الانتفاضة عام 2000، حيث راح يقول: إن جيراني الفلسطينيين لا يستطيعون الذهاب إلى الشاطئ الذي يرونه أمامهم. إنهم يحملون بطاقات هوية تحدد هويتهم لكل من يطلبها من الإسرائيليين.

ويضيف أنه إذا ما رأى أميركي المدى الذي تصل إليه سياسات التفرقة العنصرية المطبقة في الأراضي المحتلة فإنه سيشعر أن القوانين المطبقة في جنوب أفريقيا ـ الآبارتهيد ـ تعد «أمرا لا بأس به» بجانبها! ولكن ما لا يقولوه هو أنهم غالبا ما لا يستطيعون مغادرة المكان في المدينة التي يقيمون فيها.

كما أشار إلى أن أفراد الطاقم العربي في مكتبه تم القبض عليهم وتعذيبهم من قبل إسرائيل، ووجه انتقادات قاسية للتغطية التليفزيونية للنزاع قائلا: إنهم يقدمون تغطية يوماً بيوم للنزاع دون التطرق إلى التفاوت القائم، عدم المساواة من قبل الاحتلال، وعمليات الإذلال اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون.

ويشير الباحثان إلى أن تحليلهما لمضمون الأخبار كشف عن أن نتائج وأوضاع الظروف المعيشية التي يحياها الفلسطينيون تحت الاحتلال نادرا ما يتم التطرق إليها. وهناك بعض المناسبات التي تم الإشارة فيها لهذا الأمر بشكل غير واضح. فالـ «بي.بي.سي»، على سبيل المثال، ذكرت في تقرير لها أن الفلسطينيين «يذرفون الدموع تحت كاميرات المراقبة الأمنية»، مشيرة إلى ذلك باعتباره «رموزاً كريهة للسلطة الإسرائيلية».

ووصف تقرير آخر رجال الشرطة السرية الإسرائيلية لدى قيامهم بقمع متظاهر فلسطيني مشيراً إلى أن «هؤلاء الضباط الذين يتخفون في زي عربي يتظاهرون بكونهم فلسطينيين خلال الاضطرابات وعندما يشعرون بوجود مشتبه به فإنهم يتعاملون معه بلا رحمة».

كما يوجد أيضا مناسبات أخرى تم الإشارة خلالها إلى الاحتلال والأراضي المحتلة، على سبيل المثال، عندما ذكر مراسل «بي.بي.سي» أن الشباب الفلسطينيين «لا يثقون في الأميركيين وفوق كل ذلك فإنهم يؤكدون على أن الاحتلال هو الذي يجب أن يلام بشأن الاضطرابات».

ويخلص الباحثان إلى أنه وضح لهما من خلال دراستهما لعينة من المشاهدين صعوبة فهم هذه الإشارة، وهو أمر طبيعي في ضوء عملية التسطيح التي تقوم بها هذه الوسائل وفق السياق الذي أشرنا إليه سابقاً والذي وصل إلى حد خلط العديد من أفراد العينة بين من هو الذي يحتل أرض الآخر الفلسطينيون أم الإسرائيليون! وحسب الدراسة فإنه ونظراً لأن الوجود الإسرائيلي لا يتم وصفه على أنه احتلال عسكري، ومظاهر هذا الاحتلال لا يتم التعرض لها بشكل تفصيلي، فإن كلمة الاحتلال ذاتها لا يصبح لها معنى.