شهدت الساحة الفلسطينية الكثير من التغييرات عقب وفاة ياسر عرفات ووصول خلفه محمود عباس، الملقب بأبي مازن إلى رئاسة السلطة. كان إجراء حوار صحافي مع الرئيس القديم يعتمد على الحظ، فبينما كان المرء يعرف الساعة التي وعده فيها، إلا أنه لا يعرف مطلقاً متى يتم الاستقبال وكم من الوقت عليه الانتظار وكم مرة سيتعرض للمقاطعة أثناء الحوار.
الآن كل شيء مختلف، حيث الدقة متناهية والاهتمام بالغ والابتسامة لطيفة والمعاملة أخوية. كان أبو مازن قد وصل لتوه من القاهرة وألقى التحية والابتسامة تغمر محياه، الذي ينم عن شخص محنك، لكنه بدا مقطب الحاجبين عندما علم بموت خمسة من الفلسطينيين في طولكرم واتهم إسرائيل بإثارة رد فعل عنيف من جانب الفصائل الفلسطينية بطريقة متعمدة.
لكن قبل هذا الحادث، ساد مكتبه جو من التفاؤل، حيث يحتل علم فلسطيني موقع القلب في مكان مهيأ لاستقبال الزيارة تلو الأخرى في وسط قطاع غزة. فالكثير من المبعوثين الغربيين والعرب يمرون من هنا وآخرون كثر سيمرون من المكان نفسه في وقت قريب. وغزة ترتدي حلة العيد، فعملية الإخلاء تمت بنجاح ومحمود عباس يتلقى التهاني حاله في ذلك حال أرييل شارون.
والجميع يريد التقاط صورة لنفسه مع الرئيس الفلسطيني بعد أن فعل ذلك في القدس إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي.ومع ذلك، فإن الجميع تقريباً ينسون، في هذه اللحظات التاريخية أيتام تلك الذاكرة التاريخية، التي يتطلبها النزاع كي لا يكونوا ضحايا إفراطات متهورة،
وينسون المسافة الطويلة التي لابد من قطعها للوصول إلى نقطة انطلاق خارطة الطريق، التي لا وجهة لها حتى الآن مع ما ينطوي عليه ذلك من تعرجات خطيرة ومنزلقات وعقبات جدية.وفيما يلي نص هذا الحوار الذي تم إجراؤه مؤخراً مع رئيس السلطة الفلسطينية في مدينة غزة..
* أنهت إسرائيل للتو انسحابها من غزة. هل نحن أمام نصر للفلسطينيين أم قرار استراتيجي لأرييل شارون؟
ـ إنه نصر للسلام، نصر لإسرائيل وللفلسطينيين، لكنه نصر للسلام في المقام الأول. فلقد تمكنا مجدداً من وضع قطار العملية السلمية على السكة وجعلناه ينطلق. إنها الخطوة الأولى فقط، لكن مضى وقت لم نسر فيه باتجاه الأمام، وإنما باتجاه الخلف. ولذلك نعتبر ذلك نصراً لكلا الطرفين.
* منذ فترة قصيرة، أكد أرييل شارون على أن إسرائيل ستوسع مستوطناتها في الضفة الغربية. هل تعتقد بأنه قادر على فعل شيء في الضفة الغربية مماثل لما فعله في غزة؟
ـ سنتكلم عن الضفة الغربية عندما يحين الحديث عن ذلك. لكن موقفنا، المدعوم من قبل المجتمع الدولي وخارطة الطريق وقرارات الأمم المتحدة، وحتى من قبل المواقف التي أبداها جورج دبليو بوش، هو أن جميع مستوطنات الضفة الغربية والقدس الشرقية هي مستوطنات غير قانونية.
وعندما نتحدث عن دولة فلسطينية، فإننا نشير إلى دولة تعتمد على أراضي غزة، ولكن من نافل القول، فإنها تعتمد كذلك على أراضي الضفة الغربية وعلى القدس الشرقية كعاصمة لها. فلن يكون هناك سلام طالما لم تنسحب إسرائيل من الضفة الغربية ولم تنه الاحتلال.
* ما الخطوات الأولى الملموسة التي يتعين اتخاذها لإعادة تنشيط خارطة الطريق وعملية السلام؟
ـ لابد أولاً من انتظار رحيل القوات الإسرائيلية عن غزة، الأمر الذي سيحدث خلال فترة قريبة. وبمجرد أن نمسك بزمام المبادرة في غزة، فإن تلك اللحظة ستكون لحظة العودة إلى خارطة الطريق وإلى اتفاقات شرم الشيخ. وعن ماذا يتعين عليها الحديث؟ عن كل شيء، عن انسحاب الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية إلى المواقع السابقة لاندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000، وعن عودة اللاجئين وعن تحرير أسرانا وعن مستقبل الدولة الفلسطينية وحدودها.
* هل أنتم مهيأون لتسلم السيطرة على الأرض التي يتم إخلاؤها في غزة؟
ـ بالطبع نحن مهيأون. فالخطط جاهزة على الطاولة وهناك الكثير من المشاريع الاقتصادية (الزراعية، بناء المساكن ... الخ) التي تحتاج لتنفيذها إلى مساعدة المجتمع الدولي. والأولوية هي تحسين مستوى معيشة الفلسطينيين في غزة، الذين يفهمون أن عملية الإخلاء جاءت لمصلحتهم وأن حياتهم ستسير من حسن إلى أحسن وأن لديهم الآن إمكانية أكبر للعثور على فرص للعمل.
* عدتم للتو من لقاء في القاهرة مع الرئيس المصري حسني مبارك. هل تلقيتم ضمانات كافية للسيطرة على الحدود مع مصر ولبناء الميناء ولإعادة بناء المطار؟
ـ بالنسبة للميناء، لا توجد أي مشكلة وكل الجوانب المتعلقة به متوقفة على إسرائيل. لكن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بالمطار، حيث لا يقبلون بأن نشرع في عملية إعادة البناء. وبالتالي، فإنه يتعين علينا مواصلة التفاوض حول هذه المسألة وحول معبر رفح أيضاً والمصريون والأميركيون يريدون مساعدتنا.
* لكن الأمر يتعلق بقضية مهمة جداً...
ـ ليست مهمة فحسب، بل إنها حاسمة. فإذا استمر الإسرائيليون بالسيطرة على مجالاتنا الجوية والبحرية ومعبر رفح الحدودي، فإن ذلك سيعني أن غزة ستتحول من عدة سجون صغيرة مع مستوطنات قائمة على الأرض إلى سجن كبير من دونها. لقد اقترحنا عليهم أن نسيطر على الجانب الفلسطيني من الحدود وأن يسيطر المصريون على الجانب الذي يخصهم ونحن مستعدون لأن يقوم طرف دولي ثالث بالإشراف على كل الآلية.
* يصادف وجودك في نيويورك في سبتمبر الجاري، لحضور انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وجود أرييل شارون، الذي تحدثت عبر الهاتف معه منذ أيام قليلة. هل ستتقابلان هناك وهل تعتقد بأن شارون سينتهز الفرصة ليقدم نفسه أمام الأمم المتحدة كرجل سلام بعد أن أمر بإخلاء غزة؟
ـ هناك إمكانية كبيرة لأن نلتقي هناك، لكننا نعتقد بأنه سيكون من الأفضل القيام بذلك هنا قبل السفر إلى نيويورك، حيث سنحظى بمزيد من الوقت للحديث. ولا تكفي عملية إخلاء غزة كي يعتبر الرجل رجل سلام. إذ أن الأمر يتعلق فقط بخطوة أولى ولديه الكثير ليقوم به للعودة إلى خارطة الطريق. لا يكفي إخلاء 21 مستوطنة في غزة و4 مستوطنات في الضفة الغربية. وليس من العدل أن يقولوا إن الدور الآن هو على الفلسطينيين.
* لكن خارطة الطريق تقول أيضاً إنه يتعين نزع سلاح الميليشيات الفلسطينية وإنه يتعين على حماس وجماعات متشددة أخرى أن تسلم أسلحتها. هل تفكر بالقيام بذلك الآن؟
ـ موضوع حماس والأسلحة نتولاه بطريقتنا. وحماس ملتزمة بوقف إطلاق النار، الذي تحترمه جميع الفصائل الفلسطينية، التي وافقت على المشاركة في الانتخابات العامة، بعد أن شاركت في الانتخابات البلدية، وهذا يعني أن تلك الفصائل تندمج تدريجياً في الحياة السياسية الفلسطينية وذلك هو هدفنا في المستقبل، أي أن تتحول إلى أحزاب سياسية وتترك السلاح وأنه لا توجد إلا قوة مسلحة واحدة، على أن تكون تلك القوة تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية.
* سبق لمحمود الزهار أن قال في حوار مع «إيه بي سي»، إنه فقد الثقة بأبي مازن. هل يثق أبو مازن بحماس؟
ـ المسألة لا تكمن في الثقة أو عدم الثقة. فالمسألة تتعلق بالتمكن من العمل سوياً وتحت راية أهداف مشتركة. وأعتقد أننا تمكنا في الآونة الأخيرة، من تثبيت قنوات اتصال وتنسيق كافية تقوم بوظيفتها على أكمل وجه. صحيح أنهم يغتاظون ويتشككون ويعارضون أحياناً ويتهموننا ويهددونا، لكنهم يشاركون عملياً،
على سبيل المثال، في لجان المتابعة التي أنشأناها في السلطة الوطنية الفلسطينية مع جميع الفصائل لمراقبة الانسحاب الإسرائيلي من غزة. كانوا يخشون، في البداية، من أننا سنسيطر على جميع الأراضي التي يتم إخلاؤها. وعلى بنيتها التحتية، لكنهم شاهدوا أن مشاريعنا تسير في مصلحة الشعب الفلسطيني عموماً وليس في مصلحة فئة قليلة. ومحمود الزهار كان هنا جالساً في مقعده قبل بضعة أيام فقط. وهذا يثبت أن الثقة موجودة بيننا.
* ما الذي سيحدث إن فازت حماس في الانتخابات أو حصلت على نتيجة جيدة جداً؟
ـ لا شيء، سيتعين عليها تولي نصيبها من المسؤولية والدخول في الحكومة في حال حصول ذلك. فنحن نؤمن بمبادئ الديمقراطية. وإذا أردنا بناء ديمقراطية، فإنه يتوجب علينا قبول التبعات واحترام النتائج الانتخابية مهما كانت.
* تبنى الدبلوماسي الإسرائيلي أبا إيبان عبارة تتكرر كثيراً وهي أن «الفلسطينيين لا يغتنمون الفرص أبداً»، مع أن الفلسطينيين أظهروا، أثناء الانسحاب نضوجاً لم يكن معروفاً عنهم حتى وقت قريب؟
ـ تلك الجملة لم تكن صحيحة أبداً، لكن الصحيح هو أننا لم نخسر هذه الفرصة. فالمجتمع الفلسطيني، بمجمله، أدرك الفرص التي يقدمها لنا الانسحاب من غزة، ولقد تصرف جميع الناس، سيما هنا في غزة، بطريقة مثالية، مظهرين بذلك أننا مهيأون لتحقيق السلام والاستقرار والاستقلال، مع ما يلي هذه الخطوة من خطوات.
* هل الاستقرار محفوف بالمخاطر جراء المشاكل الأمنية الداخلية وعمليات الخطف وتبادل إطلاق النار في وضح النهار والفوضى في الأجهزة الأمنية؟
ـ صحيح أن قدرة جهاز الأمن محدودة جداً وضعيفة جداً، إلا أننا نعمل على تطويرها لإعادة تثبيت دولة القانون. لكن لا توجد جريمة وعمليات خطف في فلسطين فقط، فهي موجودة في الولايات المتحدة كذلك، على سبيل المثال. وهذه ليست ذريعة ولكنه الواقع بلا شك.
* كيف ستقنعون الفلسطينيين، الذين يعيشون في الضفة الغربية بين المستوطنات اليهودية ونقاط التفتيش والاحتلال العسكري والجدار، بأن الأمور ستسير إلى الأحسن الآن؟
ـ هذه هي النقطة الأساسية، أي أن يرى الناس على الأرض أن الوضع يتحسن. وإنه لأمر جوهري أن نتحدث عن الضفة الغربية وأن نقوم بذلك جميعاً، الإسرائيليون والفلسطينيون والأوروبيون والأميركيون، في أقرب وقت ممكن.
* مع الانسحاب من غزة، كسرت إحدى المحرمات في إسرائيل، حيث بدا أنه لا يحدث شيء جراء تفكيك المستوطنات. هل تعتقد أن شارون قادر على تكرار ذلك في الضفة الغربية؟
ـ ذلك يتوقف على الحكومة الإسرائيلية. وأنا أتفهم الصعوبات الداخلية التي يواجهها شارون، لكني لا أعلم إذا كان لا يزال يريد استخدام تلك الصعوبات كذريعة لعدم مغادرة الضفة الغربية. لكن ثمة أمرا واضحا كما تقول، فلقد أثبت شارون أنه يستطيع فعل ذلك.
* ومع ذلك، فإن مستشار شارون، دوف ويسغلاس، قال قبل بضعة أشهر إن مفتاح الانسحاب من غزة يكمن في السماح لإسرائيل بالبقاء في الضفة الغربية؟
ـ سيرتكبون خطأ جسيماً. وأنا أشدد على أنه إذا أرادوا السلام فعليهم إنهاء الاحتلال. فحتى بوش غيّر مواقفه وأعرب علناً عن الحاجة إلى إنهاء الاحتلال ووقف توسيع المستوطنات. يتعين علينا العمل إلى جانب الولايات المتحدة لإقناع إسرائيل.
* لماذا يبدو لشارون أن العمل معكم أسهل من العمل مع ياسر عرفات؟
ـ لا أدري، اسأله هو لماذا رفض التفاوض مع عرفات ويقبل بالتفاوض معي، ربما أنا أروق له.
* يحتفل هذا العام بالذكرى العاشرة للمؤتمر الأوروبي المتوسطي في برشلونة. هل ستحضرون الاجتماع؟
ـ إذا وجهت لي الدعوة، فسأحضر بكل سرور.
عن «إيه بي سي» ـ اسبانيا